عذراء تازة … تخوم التاريخي والخرافي..

تازة بريس19 سبتمبر 2022آخر تحديث : الإثنين 19 سبتمبر 2022 - 5:23 مساءً
عذراء تازة … تخوم التاريخي والخرافي..

تازة بريس

عبدالاله بسكًمار

البحث التاريخي يقوم على رصد وتحليل لمحطات إنسانية عبر الرصيد الأرشيفي والوثائقي والمصدري المتوفر، و تسري عليها كل قوانين الاجتماع البشري، كتنسيب الوقائع والتحلي بالروح الموضوعية، من هنا أهمية السؤال المنهجي في البحث التاريخي، فبدون صياغة الحدث على أساس الوثائق والمصادر ذات المصداقية وربطه جدليا بالمفاهيم المهيكلة للتاريخ كالزمان والمكان والإنسان، قد يتيه بنا الـتأويل إلى مفارز تخوض في كل شيء إلا مجال التاريخ الذي يكتسي طابعا متميزا بموضوعه ومنهجه، فالتداخل لا زال قائما عند البعض على الأقل بين الرواية ( بما هي سرد أدبي فني وخيالي ) وحتى الرواية التاريخية والقصص الخرافي والعجائبي أحيانا وبين التاريخ بمحدداته التي أوجزناها سابقا، ناسين أو متناسين أن الغيرة الحقة على منطقة معينة تفترض فيما تفترض التحلي بالمنهج العلمي الموضوعي، ومن ثمة تسجيل الحقائق البينة والتحلي بالحذر المنهجي، والنقد المستمروتأجيل البحث أو عدم التسرع في نسج الحقائق التي يشوبها الالتباس والغموض، حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود، وهذا لعمري يعد أفضل خدمة نقدمها لمناطقنا ومدننا المغربية في إطار البحث المونوغرافي الصرف، بدل اختلاق وقائع وافتعال أحداث لا علاقة لها بالتاريخ بل قد تأتي بنتائج عكسية تماما .
حينما تنعدم الحدود بين التاريخ والخيال، يتراجع الحدث التاريخي تحت وطأة التأويل الشعبي أو الخرافي حتى، ويبهت المنهج العلمي جملة وتفصيلا وسط الخلط Amalgame بين الخيال والوهم من جهة وذات المنهج من جهة ثانية، أما دور الخرافة أو الأساطير في التاريخ بل وفي تأسيس الدول والممالك وتوحيد الأمم والقبائل والشعوب، فهذا مفرز مختلف طبعا وليس مجاله هنا، ولنا في شهادة العلامة ابن خلدون على مبالغات المؤرخين في وصف الانتصارات وأعداد الجيوش وغيرها خير نموذج على ذلك، الشيء الذي يلحق ضررا بليغا بالبحث التاريخي المؤسس على الوثائق والتحليل المنطقي للوقائع وعبر طبائع العمران ثم دور العلوم المساعدة، فالكتابة التاريخية كما لا يخفى على أحد مسؤولية جسيمة لمن يُقَدِّرها طبعا لا لمن يبخسها .

مناسبة هذا الكلام ما روجه بعضهم حول محطات من تاريخ مناطق أو مدن مغربية معينة، من قصص وأخبارتصل إلى مستوى الخرافات، لم يكلفوا أنفسهم عناء تمحيصها والعودة خاصة إلى مصادر الفترة المعنية، أو التي غطتها فيما بعد، وقُدِّم كل ذلك على أساس أنه جزء من تاريخ مدينة تازة كنموذج، وفي هذا السياق يمكن مقاربة واحد من عدة نماذج يتمثل في القصة المثيرة للفتاة فلوراندة ابنة يوليان الغماري ( النصراني في عدد من مصادر الفتوح العربية الإسلامية ) مع لوذريق آخر ملك قوطي عرفته إسبانيا والذي سبق له أن اغتصب مُلك البلاد وقتل غيطيشة العاهل الشرعي والذي كان يتمتع حسب تلك المصادربشعبية ما نتيجة حكمه العادل وسلوكه المقبول بين رعيته، مقابل فساد وغطرسة لوذريق .
يفيد صاحب كتيب ” المرأة المغربية عبر التاريخ ( وهو في الحقيقة تعريف ببعض النساء التازيات مع نبذة جد مختصرة لإناث متخيلات أو عشن خلال فترات تاريخية ملتبسة بالمغرب ) بأن لالة عذرا التي يحمل مسجد بتازة إسمها هي فلوراندة ابنة يوليان الغماري ( أو النصراني ) حاكم سبتة خلال نهاية القرن الأول للهجرة على الأرجح أي بداية القرن الثامن الميلادي ( يفترض أن القصة المعنية وقعت بين 89 و96 هجرية ) و” هذه الأميرة قيل إنها كانت السبب في فتح العرب المسلمين للأندلس ” والكلام لصاحب الكتاب، يضيف في الصفحة 21 ” هذه الجميلة التي وقعت عين لوذريق عليها، فسأل عنها، فقيل له إنها ابنة يوليان وحفيدة الملك يتيزا ( هو في الحقيقة ملك القوط السابق ” غيطيشة ” وبالإسبانية Witiza) فلم يملك نفسه حتى اعتدى عليها ” يعلق نفس المؤلف ” وكانت هذه الحادثة المؤلمة التي فقدت فيها فلوراندة شرفها .. إحدى الأسباب التي جعلت والدها يوليان الغماري يساعد المغاربة ويقدم العون لطارق بن زياد للتعجيل بفتح الأندلس والإطاحة بالغاصب لعرش صهره وشرف ابنته “،.وتجلى ذلك العون في مد الفاتحين بالسفن وإغراء طارق بمزايا البلاد الأندلسية وضعف وضعها العام .
أما لماذا وُجدت فلوراندة هناك وهي تعيش بين دهاليز قصرلوذريق، والحال أنها ابنة حاكم سبتة، فقد كانت عادة علية القوم أو أمراء ذلك الزمان أن يلحقوا بعض أبنائهم وبناتهم للتعلم والتنشئة بقصور الملوك، حتى يكتسبوا ما يرونه مناسبا لقيم العصرالذي نقصده، وكذلك كان الشأن بالنسبة ليوليان الغماري، فقد سبق له كما تقول المصادر أن بعث ابنته لبلاط لوذريق حينما كان بينهما بعض الود أو قبل ذلك حسب روايات أخرى أي في عهد الملك غيطيشة وذلك من أجل نفس الغرض المذكور نقصد التربية والتنشئة، لكن حصل ما حصل .
إلى هنا تساوق المؤلف عموما مع الرواية التاريخية، كما أوردتها مختلف المصادر أو المراجع التي تلتها، خاصة منها مارصد للفتوحات الإسلامية في المغرب والأندلس كابن عبد الحكم في كتابه ” فتوح إفريقية والأندلس ” وابن القوطية في ” تاريخ افتتاح الأندلس وابن عذارى المراكشي في” البيان المعرب ” والحميري في ” صفة الأندلس ” ثم في بعض المظان المتأخرة كنفح الطيب للمقري والكامل في التاريخ لابن الأثير، دون نسيان بعض الوثائق والمدونات الأجنبية ك Histoire ” لليفي بروفنسال Lévi Provençal وخاصة الإسبانية على نحو ما ورد عند Aguada Bleye و Saavedra وعند المدونين الإسبانيين نصادف إسم أو نعت La Cava للدلالة على فلوراندا المذكورة وهو نعت قدحي في اللغة العربية، ويبدو أن المؤرخين الإسبان كما ذهب إلى ذلك الأستاذ عبد العزيز سالم كانوا يحملون في هذه التسمية على ابنة يوليان لاعتقادهم الراسخ أنها السبب في دخول العرب بلاد الأندلس ( كتاب ” تاريخ المغرب الكبير العصر الإسلامي ” ص 268 ).

إلى هنا كما قلنا يكون الكتاب مخلصا وأمينا بشكل عام في نقل الرواية التاريخية ( هذا التوصيف الأخيرمن الكاتب نفسه ) لكن ذات الكتيب سرعان ما ينزاح عن منطق الحدث التاريخي، في إطار ماسماه ابن خلدون ب ” الذهول عن المقاصد ” فتتحول الرواية التاريخية إلى حكاية أثيرة من نسج الخيال الخصب ( ….)، وكان بالأحرى تصنيفها ضمن الأدب الشعبي لا الرواية التاريخية .
جاء في الصفحتين 21 و 22 ” وتتتابع الأحداث ، ” وتفتح الأندلس… ” ولن نفصل كثيرا في هذا الفتح الذي سبق أن تعرض له مختلف المؤرخين ومصنفي الفتوحات والحوليات القروسطية فضلا عن الباحثين المحدثين، ” ويذهب والدها ( أي والد فلوراندة يوليان الغماري ) رفقة القادة إلى عاصمة الخلافة دمشق. وتبقى هي ووالدتها الملكة ابنة إيتيزا ( هكذا يحور الإسم الأصلي وهو في الحقيقة غيطيشة ) ” برباط تازة ” حتى إذا توفيت والدتها أخذت مكانتها بين القوم بالرباط فبجلوها واحترموها وأشفقوا على حالها ولم يرضوا لها تلك الإهانة التي ذهبت بعذريتها فأنكروا ثيوبتها الحاصلة كرها وأطلقوا عليها ” العذراء ” من باب تسمية الشيء بضده تخفيفا للوعتها وأضافوا ( اللالية ) دلالة على التسييد والتشريف فسميت ” لالة عذراء ” ” ويضيف الكاتب معلقا من لدنه طبعا ” هذا وقد لمسوا سلوكها الحسن وعفتها الحقة فرفعوا من شأنها في نوعية من القداسة إلى مقام المسلمات الصالحات ”
كانت عودة موسى بن نصير إلى دمشق العاصمة بأمر من الخليفة الوليد بن عبد الملك كما تفيد مختلف المصنفات سنة 95 هجرية، ولم تورد تلك المصادر ولا كتب الفتوح حرفا أو كلمة واحدة حول توقف فلوراندة هذه صحبة والدتها ابنة غيطيشة، في رباط يسمى تازة، لأن هذا المفصل أقرب إلى ” الحجايات ” منه إلى تاريخ ممنهج وببساطة لأن تازة لم تأخذ شكل رباط معروف إلا مع الربع الأول من القرن السادس الهجري/ الثلث الأول من القرن الثاني عشر الميلادي ، حينما وصل إليها عبد المومن بن علي الموحدي الكومي سنة 529 هجرية / 1134 م عن طريق الجبل كما هو مذكور في مظان الفترة، بل نكاد نجزم أن المدينة ككل لم تظهر على المسرح السياسي إلا قبل ذلك بحوالي قرنين من الزمن، عبرالمائة الرابعة للهجرة من خلال إمارة موسى ابن أبي العافية المكناسي، ويبدوأن الكتاب إياه انساق تماما في منطق القصص و” الحجايات “، بسرد وقائع لا يستدل صاحبها على أي مصدر أو حتى مرجع قريب يدلل به على تلك الأحداث أوالوقائع .
فلنتابع القصة المثيرة لفلوراندة التي ستصبح بقدرة قادر هي للا عذرا (…) الكائن ضريحها بالمسجد الحامل إسمها وسط ساحة أحراش بتازة العليا، ” الأميرة فلوراندة هذه أو ” لالة عذرا ” ( ياسلام والكلام دائما لصاحب الكتاب ) عظم في قلبها العطف الخاص الذي أحاطها به أهالي القلعة الجهادية ” رباط تازة ” فعكفت على العبادة حبا في الله وعلى فعل الخير حبا لأهل الرباط …أرادت أن تسدي لهم الجزاء، فسألتهم ما بمستطاعها فعله ( ياسلام مرة أخرى ) فأرشدوها بأن تبني لهم مسجدا يصلون فيه لله … عندها اختارت بقعة صالحة واشترتها، وبنت فيه المسجد بصومعته ويتكون من ثلاثة بلاطات ( وليس ثلاث كما هو مثبت في الكتاب خطأ ) .
كيف أصبحت فلوراندة النصرانية في الأصل هي نفسها للا عذرا، المسلمة التقية الصالحة وكيف امتلكت قلوب أهل رباط تازة والقرن الأول للهجرة لمَّا ينصرم بالكامل؟؟؟، في وقت استمر تمرد بعض أهل البلاد ( مثلما تفيد المصنفات التاريخية والحوليات ) في تعبيرهم بطرق متعددة عن معارضته للإسلام وللوجود العربي ذاته، وكيف دخلت إلى الإسلام لدرجة بناء مسجد يتعبد فيه أهل تازة ( كذا ) وفي ظرف كان الشغل الشاغل للفاتحين والأمراء المسلمين تمهيد البلاد سلما وحربا وهي تشمل بالطبع كلا من المغرب والأندلس؟؟؟.

في ظل هكذا أوضاع، هل يمكن الحديث عن استقرار أو عمران اللهم إذا استثنينا ما ارتبط بالجهاد وخاصة بعض المساجد المعدودة التي بناها أولئك الفاتحون في مناطق متباعدة ولا سيما مسجد عقبة بن نافع في القيروان، وكانت تبنى لأغراض دينية وقتالية أساسا ( الجهاد ) ثم يستقر العمران بها ويتكامل تدريجيا وذلك عبر عشرات إن لم نقل مئات السنين تتخللها عادة العديد من الأحداث التاريخية ، فضلا عن أن مختلف مؤرخي الحوليات القروسطية ذاتهم وأصحاب مصنفات فتوحات المغرب والأندلس، لم تتكامل أعمالهم إلا مع منتصف القرن الثالث والرابع الهجريين وما تلاهما، وهكذا نستبعد حدوث القصة المذكورة تماما ونعدها مرة أخرى وفي أفضل الحالات ضمن القصص الشعبي المشفوع بالخيال الخصب ولا علاقة لها بالتاريخ كما دونته المصادروغطته المراجع وعلقت عليه، وقد يصبح الأمر مستساغا إذا صُنف الكتاب إياه ضمن فن السرد بمعنى معين أما وأنه وُصف موضوعُه وعنوانه ب” المرأة المغربية عبر التاريخ ” وجزم مؤلفه بأن ما يحكيه ينتمي للتاريخ، فهذا منتهى الشطط المعرفي، وصاحبه وحده في حدود علمنا من ربط قصة فلوراندا بولية صالحة في تازة تسمى ” للا عذراء ” وهذه الأخيرة تعتبر في الحقيقة لغزا تاريخيا ملتبسا، ويحتمل أن تكون قد عاشت خلال فترة ما قبل الحماية وربما عُرفت ببعض كراماتها كما هو شأن بلديتها للا العالية اليجبشية ابنة المجاهد الصوفي المعروف أبي عبد الله عبد الرحيم بن يجبش ولما ماتت للا عذراء هذه يفترض أنها دفنت في نفس المكان الذي يحمل إسم مسجد للا عذرا، علما بأن هذا الأخير لا يوجد به أي ضريح معلوم، والمسجد ذاته لا يعرف له تاريخ بناء أو تأسيس اللهم إذا استثنينا صورا قديمة له تعود إلى بواكير عصر الحماية مما يدل على أنه عتيق نسبيا وربما يعود إلى القرن التاسع عشر على أبعد تقدير، بدليل مزخرفات صومعته وبعض الفسيفساء داخله .
وكأن الكتاب إياه لم تكفه أو لم تقنعه قصة أو خرافة فلوراندة التي تحولت إلى أمة صالحة هي للا عذرا وأسست مسجدا باسمها، فقد أضيف لهذه الفذلكة العجيبة واقعة أخرى أكثرغرابة ألا وهي بلوغ خبر المسجد وبانيته إلى مسمع الأختين فاطمة ومريم الفهريتين القادمتين من القيروان في اتجاه فاس التي تجمع فيها المهاجرون القادمون من القيروان ضمن مجال عدوة القرويين مقابل عدوة الأندلسيين، خلال القرن الثالث الهجري وفي عهد ادريس الثاني تحديدا، مع أن المسافة الفاصلة بين القصة المفترضة ومجيء فاطمة وتأسيسها للقرويين تزيد عن قرن ونصف، بل وكان الحدث المهم أن قرآ على لوحة مسجد للا عذرا بتازة تاريخ البناء مشفوعا بحديث النبي ( ص) المعروف ” من بنى مسجدا …” علما بأن مسجد للا عذرا يخلو تماما من أي لوحة أو حتى أدنى إشارة إلى تاريخ تأسيسه كما سبق القول، ولعل هذه الفذلكة ذاتها أراد منها صاحبها أن يعزز من مصداقية القصة السابقة التي نسجها نسجا، مضيفا إليها ما يفيد مغزى عميقا بالنسبة لكل التازيين المحافظين والذين يحرصون على شرف بناتهن، وهذا الطابع المميز لساكنة المدينة موجود بالقصة أو بدونها كما لا يخفى على كل لبيب فطن وكل من يعرف أهل تازة .
ونعود مرة أخرى إلى المصادرأو بالأحرى الحوليات والمصنفات القروسطية، وأهمها هنا روض القرطاس وصاحبه ابن أبي زرع وقد عاش خلال القرنين الثامن الهجري / الثالث عشر الميلادي، فلم يرد أي شيء عن توقف فاطمة وأختها بموقع تازة وإن كان اتجاههما من القيروان نحو فاس، بله أن يرد فيه ما يفيد قراءة لوحة معينة بالمسجد المفترض بناؤه من طرف للا عذرا / فلوراندة سابقا، وكل ما هنالك لا يتعدى جملة بسيطة تفيد انتقالهما من تونس صوب المغرب الأقصى وبالضبط باتجاه فاس الإدريسية .
بناء على كل ما سبق كان على الكتاب أي ” المرأة المغربية عبر التاريخ ” أن يصنف كمؤلَّف في التاريخ لوتقيد بالشروط العلمية والمنهجية وبما أن الأمر لم يكن كذلك فهو إلى القصص الشعبي أقرب ما يكون ومن باب ظلم المجال التاريخي وتازة نفسها إدماجه ضمن الحقل العلمي المعني.

رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق