عندما شكر “ليوطي” أعيان تازة إثر احتفائهم بشفائه من مرض والدعاء له ..

تازة بريس
عبد السلام انويكًة
من الفترات العصيبة التي طبعت حياة ليوطي أول مقيم عام فرنسي بالمغرب، اصابته بمرض في الكبد عام 1922، وهذه الحالة الصحية التي ظلت حرجة حتى 1923 استدعت تدخل طبيب فرنسي أجرى له عملية جراحية، مع حديث عن دعاء له بالشفاء في منابر مساجد مغربية. ولم يقتصر فقهاء واعيان فاس بالدعاء له بل دعوه لزيارة ضريح مولاي إدريس شفاءً له، ملحين بأن يضع على الأقل قدمه بمدخله بحسب علي الطرابلسي في كتابه “سمط اللئالي في سياسة المشير ليوطي نحو الأهالي”، الذي أشار الى أنه بعد شفائه قرر تحقيق طلب الفاسيين، من خلال قيامه بزيارة للضريح في مارس 1924، مخاطبا الفرحين بشفائه قائلا: ” لم ولن أنس عندما طرأ المرض على جسمي تلك الدعوات والابتهالات المتوالية، التي كنتم تقومون بها أنتم وغيركم من رجال الدين في هذا الحرم الأنور المشهور باستجابة الدعوات فيه وقضاء رغائب قاصديه”.
ولعل تعاطف المغاربة واحتفائهم بشفائه لم يقتصر على فاس، فهذه وثيقة / رسالة منه لقاضي تازا محمد بن قدور العبادي جاء فيها : “من فخامة الماريشال اليوطي المقيم العام بالمغرب إلى جناب القاضي العالم الفاضل الفقيه السيد محمد بن قدور العبادي قاضي مدينة تازا بعد إهداء السلام التام، لذلك الجناب فقد أخبرني سعادة الكولونيل فريدانبر، باجتماع أعيان تازا للاحتفال بمناسبة شفائي و قراءة المكتوب السلطاني المتضمن لشكرهم على تضرعاتهم، و توسلهم لله في سلامتي أيام المرض إلى آخره فقد ، أثر ذلك في قلبي أحسن تأثير و لا غرو إذا كانت هذه العواطف أعظم مكافأة لي و تشجيع للمستقبل و إني ، لأشكركم بالخصوص شكرا جما لما عبرتم عنه أثناء ذلك الاجتماع في خطبتكم الغراء التي قرأت ترجمتها بكل ارتياح ، واعتبرت قيمتها كل الاعتبار فلتتفضل بقبول فائق، احتراماتي على الدوام و على المحبة و السلام في 05 أبريل سنة 1923 ” .يذكر أن ليوطي توفي بفرنسا سنة 1934 وكانت وصيته أن يدفن بمدينة الرباط، عاصمة المغرب الذي تقلد فيه مسؤولية أول مقيم عام للسلطات الفرنسية من 1912 حتى 1925. ولم تكن أمام الحكومة الفرنسية بعد وفاته سوى تحقيق وصيته، بتجهيز قبر بقبة مغطاة بالقرميد الأخضر مثل “ضريح ولي صالح”. حيث تم نقل جثمانه عبر البحر نحو ميناء الدار البيضاء يوم 29 أكتوبر 1935 ثم نحو الرباط، لتتم إعادة دفنه في قبة فخمة بالقرميد والأشجار مع لوحة على القبر مكتوب عليها اسمه بالعربية والفرنسية، الا أنه ما أن نال المغرب استقلاله بخمس سنوات حتى تم جمع رفات ليوطي ليعود إلى فرنسا ويدفن هناك 1961.
يذكر أيضا أنه عندما نجح ليوطي في دفع السلطان عبد الحفيظ للاستقالة، وبعد تعويضه بأخيه السلطان يوسف 1912-1927 اقنع هذا الأخير لتوقيع ظهير متعلق بالعلم المغربي في 17 نونبر 1915، جاء فيه “بسبب النماء الذي تعرفه المملكة الشريفة وبإشعاعها ومن أجل إعطائها رمزا يميزها بين الأمم الأخرى، ولكي لا يكون خلط بينه وبين الأعلام التي أبدعها أسلافنا والتي تعتمدها البحرية، قررنا تمييز علمنا بتزيينه في الوسط بخاتم سليمان ذو خمس فروع باللون الأخضر”. وعليه، تم اعتماد علم للمغرب المكون من لواء أحمر تتوسطه نجمة خماسية خضراء. ومن الإجراءات التي قام بها ليوطي أيضا، نقل عاصمة المغرب من فاس إلى الرباط، التي لم يكن اختيارها امرا اعتباطيا بل قرارا استهدف به تهميش مدينة فاس وما هي عليه من رمزية سياسية وماضي حضاري وثقافي. فضلا عن جعل السلطان الجديد بعيدا عن أي تأثير لاعيان وفقهاء فاس.











