تازة : اليسار السياسي بالمدينة بعض من الذاكرة بعيون عبد الكريم الأمراني ..

تازة بريس
عبد السلام انويكًة
عن راهن المغرب السياسي والزمن المحلي وعن تجارب استحقاقاته الجماعية والتشريعية، وعن زمن اليسار المغربي والتأسيس والبدايات هنا وهناك خلال سبعينات القرن الماضي. وعن مشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في انتخابات البلاد الجماعية 1976 والبرلمانية 1977، تلك التي جاءت ضمن ما عُرف بالموافقة المبدئية التي تمت سنة 1974، وفي اطار اختيار ديمقراطي حدده تقرير الحزب الاديولوجي. انتخابات انتهت نتائجها لِما كان متوقعا حيث فوز الإتحاد بالأغلبية في أهم المدن والمراكز الحضرية والقروية، لكن شاب الأمر ما شابه عندما أعلنت وزارة الداخلية عن نتائج أخرى في عدد من المناطق، وهو ما طعن فيه المرحوم عبد الرحيم بوعبيد مطالبا بتحكيم ملكي واجراء بحث وتحقيق فيما جرى، وفق ما أورده محمد عابد الجابري في “غمار السياسة فكراً وممارسة”، الكتاب الثالث، الطبعة الأولى، 2010.
حول هذا وذلك من ذاكرة أمس المغرب السياسي وعن اجواء استحقاقاته بعيدا عن المركز حيث مدينة تازة، يذكر الاعلامي الأستاذ عبد الكريم الأمراني التازي الغني عن كل تعريف، وهو أحد مؤسسي تجربة وخط صحافة المغرب المكتوبة المستقل أواخر تسعينات القرن الماضي، أن أول تجربة له في مجال العمل الجماهيري وتنظيم التجمعات في الفضاءات العمومية والقاعات السينمائية، كان خلال انتخابات 1976 الجماعية وأنه توجه فيها بالعناية للتعريف ببرنامج الحزب، وأنه من جملة ما واجه فيها الى جانب رفاقه، مشكل الخوف الذي خيم على نفوس ساكنة مدينة تازة إزاء حزب الاتحاد الاشتراكي وجميع ما له علاقة به، مشيرا الى أن ما انتشر آنذاك من خوف كان نتاج فترة قمع شديد. لافتا الى أن من رموز يسار هذه الفترة على مستوى المدينة، كان هو “احمد بن قليلو” الذي صدر في حقه حكما أول بالإعدام زمن الاستعمار لنشاطه ومشاركته في المقاومة المسلحة، وحكما ثانيا بالإعدام زمن الاستقلال اثناء محاكمته في يوليوز 1963 بتهمة المشاركة في المؤامرة ضد النظام. بحيث يذكر أن ما ساد من قمع بعد هذا الحدث كان بأثر كبير على وضع الحزب بتازة والذي أصيب بالشلل، اثر تشتت مناضليه وتراجعهم عن كل نشاط سياسي لدرجة إغلاق مقر الحزب المحلي الكائن ب”باب الجمعة” سنة 1964 ، والذي لم يفتح إلا سنة 1974 من قبل ثلة من شباب المدينة عندما كان الحزب يستعد لعقد مؤتمر استثنائي.
يذكر “الأمراني” عن حدث إعادة فتح مقر حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتازة بعد عشر سنوات من الاغلاق، أن المبادرة الشبابية التي أقدمت على ذلك استنفرت السلطات المحلية التي استهدفت إخافة هؤلاء ودفعهم للتراجع بدعوى أن العملية غير قانونية. واما عن الساكنة محليا فقد أشار الى انها كانت مذهولة بما كان يجري في باب المقر وداخله، من عمل تنظيف وإخراج للأتربة وإعادة ترميم من أجل توفير شروط انتخاب كتابة إقليمية. تلك التي بدأ بعدها الاعداد للانتخابات الجماعية محليا وقد عانت بداية من مشكل المرشحين. علما أن قاعدة الحزب محليا كانت من شباب جاؤوا من منظمات شبابية موازية لحزب الاستقلال “الكشاف المغربي”. وأمام ندرة المرشحين باسم الحزب في الوسط الحضري “تازة” ناهيك عن الوسط القروي، اعتمد المكتب المحلي على ما سمي بملإ الفراغ لا غير، لكون الغرض لم يكن لا المنافسة ولا الفوز بالمقاعد بل تبديد خوف الساكنة واطلاعها على برنامج الحزب. ولهذا السبب يذكر الأمراني أن بعض المرشحين كانوا دون المستوى المرغوب فيه، وانه رغم هذه الصعاب التنظيمية فاز حزب الاتحاد الاشتراكي بستة مقاعد وفي مقدمتهم الكاتب الإقليمي عزوز الجريري، ثم المحامي محمد التوزاني (شقيق امحمد التوزاني المناضل الذي توفي مؤخرا بالدار البيضاء). وعن نزاهة انتخابات هذه الفترة من عدمها بتازة في أول تجربة للحزب، أورد الأمراني أنها كانت نزيهة عموما، مشيرا الى أن الفائز كان هو الأقوى آنذاك محليا وهو “حزب الاستقلال” (18 مقعد / على 31)، مؤكدا على أنه كان الحزب والقوة السياسية الأولى بتازة منذ الاستقلال، مضيفا أن بعد محطة الانتخابات الجماعية لسنة 1976 اتسعت قاعدة حزب الاتحاد الاشتراكي، اثر تراجع الخوف الذي كان واثر تزايد الانخراط وخاصة في الانتخابات البرلمانية لسنة 1977، ولعلها المحطة التي أطر بعض تجمعاتها المحلية قياديون اتحاديون من قبيل الأستاذ محمد كسوس والأستاذ عبد الهادي خيرات .. (سينما كوليزي)، وقد طبع هذه التجمعات ما طبعها من إقبال وحضور جماهيري كثيف غير مسبوق في زمن المدينة السياسي. علما أن هذه الاستحقاقات انتهت – وقد شابها ما شابها – بفوز مرشح حزب الاستقلال المرحوم البشير القباقبي، ثم عن حزب التجمع الوطني للأحرار عزوز المجاطي (ابن القائد ادريس المجاطي الذي اغتاله جيش التحرير في ساحة احراش بتازة العليا في فبراير 1956)، بينما لم يفز المرحوم عزوز الجريري مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي رغم حصوله على 4500 صوت. وعن استحقاقات المغرب البرلمانية لسنة 1977 هذه، يذكر الأمراني أنها شهدت أبشع عملية تزوير ضد مرشحي حزب الاتحاد الاشتراكي في تقريبا كل جهات البلاد. مضيفا أنه يكفي أنها اسقطت المناضل عبد الرحيم بوعبيد، المشهد الذي يقول عنه “الأمراني” أنه غير موقفه تجاه حزب الاستقلال.
عبد الكريم الأمراني هذا الزخم الاعلامي والذاكرة السياسية اليسارية المغربية عن القرن الماضي، هو بإرث فكري وسياسي استقلالي تشبع به في بيت الأسرة ومما كانت عليه هذه الأخيرة من أثاث داعم (جريدة العلم، الأب الاستقلالي..). قبل أن يشد رحاله صوب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مطلع سبعينات القرن الماضي مع بداية مرحلته الطلابية الجامعية بكلية الآداب بفاس. وأنه أيضا أحد أبناء الحركة الكشفية الاستقلالية (الكشفية الحسنية) بحيث شارك في مخيم بافران (رأس الماء) 1961، واحد أبناء منظمة الكشاف المغربي لاحقا. ولعل من جملة ما يذكر عن هذه التجارب والإرث الأدبي والفكري وعن المدرسة الاستقلالية، كونه تعلم فيها حب الوطن والاستعداد لبذل كل شيء من أجله فضلا عن المصلحة العامة والايمان بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ذلكم هو الأستاذ عبد الكريم الأمراني الذي بسيرة ذاتية غنية وزخم مسار وتجربة فكرية وإعلامية وسياسية نتمنى أن ترى النور قريبا تنويرا للناشئة، وقد أورد عنه أحد رفاق دربه السياسي ويتعلق الأمر بالمناضل واليساري سعيد الطاهري التازي، أنه عرفه منذ حوالي خمسين سنة مشيرا الى أنه أحد أبرز علامات سبعينات مدينة تازة، اسم لا زال ذكره يجري على ألسن مجايليه وقد نشأ على الوطنية وترعرع عليها، وأنه من مؤسسي تجربة الشبيبة الاتحادية بعد المؤتمر الاستثنائي لحزب القوات الشعبية وهو لا يزال طالبا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، مضيفا عنه أنه أحد مؤسسي الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بتازة كأستاذ بثانوية علي بن بري آنذاك، وأنه أبلى البلاء الحسن على أكثر من صعيد طردا وسجنا ومحاكمة إثر اضرابات أبريل 1979، قبل أن يشد رحاله صوب الدار البيضاء ويلتحق بجريدة الاتحاد الاشتراكي ثم جريدة الأحداث المغربية انتهاء بتأسيسه لجريدة صوت الناس. مضيفا عنه أنه بشخصية صلبة ومواقف وكتابات لا مجاملة فيها، فضلا عما يطبعها من جهر برأي لا تأخذه فيه لومة لائم، مشيرا الى أنه بمسار نضالي متفرد وذاكرة سياسية وطنية قوية، فضلا عن حرقة على مآلات نضال ديمقراطي، كونه عندما يحدث الآخر يحدثه بنَفس فيه حدّة صدق ووطنية مستحضرا تاريخا وأحداث وشهداء وقادة، مع أسف على ما ضاع من فرص لتحقيق ما كان منشودا لفائدة البلاد، مضيفا عنه أن مثقف عميق وكاتب وشاعر متمكن يعرّج استشهادا واستعارة بأبيات شعر ووقائع، فضلا عن كونه قارئا نهم تأخذك جاذبية الحديث معه بمتعة لا تتوقف.
يبقى الأستاذ عبد الكريم الأمراني الذي ارتبط اسمه وصداه وخطه التحريري، بجريدة الاتحاد الاشتراكي أولا منذ سنوات الطلب حيث سبعينات القرن الماضي، ثم ثانيا بتجربة الصحافة المكتوبة المستقلة من خلال جريدة الاحداث المغربية حيث فترة التسعينات. هو هوية وهيبة خاصة وتفرد مسار في زمن اليسار المغربي لعقود من الزمن، بقدر ما كان عليه من اسهامات ضمن خيار وقناعة وحلم بمغرب جديد، بقدر ما يسجل له فضله في تطوير فعل الاعلام المكتوب مع سبقه في تأسيس صحافة مستقلة، ارتبطت بتجربة يومية الأحداث المغربية التي عمل رئيسا لتحريرها، وقد كان لسنوات وسنوات بوقع وتوقيع متميز غير خاف عن سلف صحفي وكذا خلف.
رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث ..











