تغامز كل من تواجد ببهو المستعجلات وعلى شفاههم ابتسامات بألوان زاهية

تازة بريس
سعيد عبد النابي
تغامز كل من تواجد ببهو المستعجلات، وعلى شفاههم أشرقت ابتسامات بألوان زاهية، جعلت عيونهم ترنوا إلى السي احميدة، أحس بسهامها تنفذ إلى دواخله، بشكل فظيع، أحس بوخزاتها توجعه، كأن نصولها من حدة الإبر، لم تكن جارحة، لكنها أربكته، تساءل عن مأتى هذا الانشراح الذي كلل ذروة العمل و الناس زوار المستشفى بين مريض و جريح و محتضر، ترسخت في ذهنه قيمة إنسان هذا العصر، استقرت كحصى الوديان بعد التيارات الجارفة، ارتاح لفكرته، كأن الله من عليه بفتح عظيم، وأي فتح أعظم من فراسة المؤمن حين ينظر بنور الله، و أي منة ارفع من حدس يفتح لك أبواب الفهم على مصاريعها، تفجرت عيون الحكمة بداخله فصار بنبعها حليما، استمر يحدث نفسه دون النبس ببنت شفة، قال: كم أصبح بسيطا و تافها إنسان هذا القرن، ابسط الأشياء تتلاعب به، شاشة صغيرة تكاد تختفي وسط الأنامل تتحكم في طبيعته وسلوكه، ينساق وراء محتوياتها انسياق المسحور للساحر، لا فرق بين كبيرهم و صغيرهم ، ذكرهم أو أنثاهم.
لم ينقطع سيل الضحكات، تدفق في انسياب مبهر، اكتنفتها غمزات، حيرت السي احميدة، لم يهتد إلى توضيح الأمر، اكفهر وجهه، كنبي انقطع عنه الوحي، هنا… رق قلب حارس الأمن لحاله، أشار في أدب و احترام إلى مقعد فارغ قرب غرفة العناية المركزة، فماجت آثار الحركة اللطيفة في دواخله، ارتقت، ارتفعت كطود عظيم ود حجب ما سبق، هاجسه متأثرا بلطفه : والله العظيم الناس معادن ، ثم استطرد قائلا لتوضيح فكرته : سيدنا آدم رباه الله هو و أمنا حواء ومع ذلك خرج ولدو قابيل مسخوط.. اللي فالباب عصرنا و انتين كرمتينا.. سير اولدي الله يكرمك.. نفس دبنادم اخطر من النووي و الكيماوي منين ايسكنا يبليس . وابتسم، فأنارت ابتسامة التقدير تلك محيى حارس الأمن، لكنه لم يجاذبه أطراف الحديث، لم يسأله عن الفقيه، و هو على علم بقصته. استمرت العيون ترشق السي احميدة بنظراتها رشق الحجاج مسلة الشيطان، هناك أشياء دفينة بداخله حاول البعض جاهدا الوصول إليها، خاصة الممرضات اللواتي استقبلن الفقيه و اشرفن عليه في الساعات الأولى بعد وصوله المستشفى فاقد الوعي، ما علاقته به، ما قصته؟ أي سر عجيب وراء نشر اليوتيوب لأكثر من شريط له، كلها حققت أرقام مشاهدات خيالية، و المتابعين توالوا عليه، من كل قارة ينثرون في خانة الردود رموز الانشراح و الضحك، ظهر الفقيه في شريط قادما بسرعة جنونية، ثم ارتطم بباب منزل، كل المبحرين في الفضاء الأزرق، من كل الأجناس ، تقاسموه.
كان السي احميدة منزويا في مكانه الذي اقترحه عليه حارس الأمن، غير آبه بما يروج خلفه، وكانت على الخوان أمام المقعد الأثير حيث جلس جرائد عبثت بصفحاتها أيادي الزوار، ندت من إحداها صورة أثارت اهتمامه فأدام إليها النظر، وهو يفكر، البيت الذي ظهر عليها يشبه بيته، نفس الديكورات المتجلية عليها تشبه أثاث غرفه، اشرأبت أنامله في توجس إلى الجريدة، حاول فهم فحوى الصورة، تأملها فينة من الزمن، سبر أغوارها من كل زاوية، ثم أعادها إلى مكانها، حيث كانت، على الخوان، والشكوك تنهش مادته الرمادية. ما كان يختلج في صدره من تساؤلات شاردة، و حيرة، و غضب، لم يختلف في قوته عن حركات الأعين المحدقة به ، لكن أميته كبلت حركاته، لم يستطع قراءة الموضوع، و لا فهم رسالته، حدث نفسه قائلا : الشيخ تعطل …يكو زعما ما وصلو خبر ؟ حرك هاتفه النقال ليتصل به، إلا أنه سمع صوت رنين طال أمده، تلاه صوت الشيخ قائل ا: …قطع قطع انا مور طهرك .. تهلا فالتعبئة مازال نحتاجوها ثم رجا السي احميدة الفقيه أن يسعفه بحضوره القوي وهو رجل سلطة، لعله يعتقه من لهيب نفس فتنها التفكير و الشجن ……
جمعوي وكاتب











