جنان : أمن المغرب المائي والبيئي والاجتماعي رهين بمستقبل جباله..

تازة بريس
الجغرافي المجالي المرجع والباحث المتخصص الرصين وخبير التنمية القروية وإعداد التراب الأستاذ لحسن جنان عن جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، يتحدث مفككا عبر جملة اسئلة عميقة تحديات المناطق الجبلية المغربية تحديدا منها الأطلس المتوسط، الأطلس الكبير، ثم الريف،تلك التي التي تمثل 25% من المساحة الوطنية وتضم 7 ملايين نسمة، مع تركيز له على قصور السياسات العمومية في ترجمة ثرواتها الطبيعية، الثقافية، والبيئية من أجل ما ينبغي من تنمية مستدامة .
إلى أي حد استطاعت السياسات العمومية ترجمة مؤهلات الجبل المغربي إلى برامج تنموية حقيقية؟ : في المناطق الجبلية، يكتسب سؤالُ تحويل الخصوصيات التاريخية والثقافية والبيئية إلى تنمية حقيقية طابعا أكثر حساسية وتعقيدا، لأن الجبل ليس مجرد مجال طبيعي مرتفع، بل هو منظومة اجتماعية وثقافية وإيكولوجية متكاملة. فالجبال المغربية، سواء في الأطلس المتوسط أو الأطلس الكبير أو الريف، تختزن ثروة هائلة من الموارد الطبيعية، وأنماط العيش التقليدية، والمعارف المحلية، والذاكرة التاريخية، والتنوع الثقافي واللغوي. غير أن السؤال المركزي يبقى: إلى أي حد استطاعت السياسات العمومية تحويل هذه الخصوصيات إلى رافعة فعلية للتنمية الجبلية، بدل أن تبقى مجرد عناصر للخطاب أو للتثمين السياحي المحدود؟ يمكن القول بموضوعية إن الدولة المغربية انتقلت، خصوصاً منذ نهاية التسعينيات من القرن 20، من مرحلة “تجاهل الجبل“ إلى مرحلة “الاعتراف بالمجال الجبلي“ باعتباره مجالا يحتاج إلى تدخل خاص. فقد ظهرت برامج لفك العزلة، وتوسيع الطرق القروية، والكهرباء والماء الصالح للشرب، ثم مبادرات مرتبطة بالسياحة الجبلية، والاقتصاد التضامني، وتثمين المنتوجات المجالية، والمحافظة على الغابات والواحات والموارد المائية. كما أصبح الخطاب الرسمي أكثر وعياً بأهمية الجبال باعتبارها خزانات مائية وبيئية وتراثية استراتيجية للبلاد. لكن رغم هذا التحول، فإن الحصيلة العامة تظل محدودة مقارنة بعمق التحديات البنيوية التي تعاني منها المناطق الجبلية. فالسياسات العمومية تعاملت غالباً مع الجبل بمنطق “التدبير القطاعي“ لا بمنطق “المشروع الترابي المتكامل“. ولذلك بقيت التدخلات مجزأة وموسمية، تركز على البنيات الأساسية أو بعض الأنشطة المدرة للدخل، دون معالجة الاختلالات العميقة المرتبطة بالتهميش التاريخي والهشاشة المجالية. ومن أبرز مظاهر هذا القصور أن التنمية الجبلية كثيراً ما ركزت على “المجال“ أكثر من “الإنسان الجبلي“. فالعديد من البرامج اهتمت بتثمين المؤهلات الطبيعية والسياحية للجبال، لكنها لم تستطع الحد بشكل فعلي من الفقر والهجرة وتراجع الخدمات الأساسية. ففي أجزاء واسعة من الأطلس المتوسط والأطلس الكبير، ما تزال الساكنة تعاني من ضعف الولوج إلى التعليم والصحة، ومن الهشاشة المناخية والعزلة الشتوية، ومن محدودية فرص الشغل خارج الفلاحة التقليدية والرعي والتحويلات المالية.
وفي الجانب البيئي، تبدو المفارقة صارخة. فالجبال المغربية تؤدي وظائف إيكولوجية استراتيجية بالغة الأهمية: فهي خزانات المياه الرئيسية، ومجالات للتنوع البيولوجي، وحواجز طبيعية ضد التصحر والانجراف. ومع ذلك، فإن السياسات العمومية لم تنجح بما يكفي في حماية هذه المنظومات من التدهور. إذ تتعرض الغابات الجبلية للاستنزاف، وتتفاقم هشاشة التربة، وتتراجع الموارد المائية، بينما تؤدي التغيرات المناخية إلى تعميق هشاشة الاقتصاد الجبلي التقليدي القائم على التوازن بين الإنسان والطبيعة. والواقع أن جزءاً من الأزمة مرتبط بطبيعة النموذج التنموي نفسه، الذي ظل لفترة طويلة متمركزاً حول السهول والمدن والمحاور الساحلية، في حين عوملت الجبال كمجالات هامشية أو خزانات للموارد فقط. ولذلك نجد أن المناطق الجبلية تنتج الماء والطاقة والغابات والموارد البيئية لصالح الاقتصاد الوطني، لكنها لا تستفيد بشكل عادل من عائداتها التنموية. وهنا يظهر بوضوح اختلال العدالة المجالية: الجبل يؤدي وظائف وطنية استراتيجية، لكنه لا يحظى دائماً بالاستثمار العمومي المتناسب مع هذه الأهمية. أما على المستوى الثقافي، فقد عرفت بعض المظاهر التراثية الجبلية نوعاً من التثمين، خصوصاً عبر المهرجانات والسياحة القروية والصناعة التقليدية والمنتوجات المحلية. غير أن هذا التثمين ظل في كثير من الأحيان سطحياً أو فولكلورياً. فالتراث الجبلي يُقدَّم أحياناً كصورة سياحية جذابة، بينما تتراجع في العمق الشروط الاجتماعية والثقافية التي تسمح باستمرار هذا التراث نفسه. فالهجرة القروية، وشيخوخة السكان، وتحولات أنماط العيش، وتراجع الاقتصاد التضامني التقليدي، كلها عوامل تهدد استدامة الثقافة الجبلية المحلية. وتبرز هذه المفارقة بوضوح في بعض المناطق التي أصبحت موضوعاً للسياحة الإيكولوجية أو الثقافية. فبينما تستفيد بعض المراكز الجبلية من الاستثمارات السياحية، تبقى القرى المجاورة في وضع هش، دون استفادة حقيقية من العائد الاقتصادي. كما أن جزءاً من السياحة الجبلية يتم بمنطق خارجي يستهلك المجال الطبيعي والثقافي أكثر مما يبني اقتصاداً محلياً مستداماً ومندمجاً. ومن الناحية النقدية، يمكن القول إن أحد أكبر اختلالات السياسات العمومية في الجبال يتمثل في ضعف إشراك الساكنة المحلية في بلورة المشاريع وتدبير الموارد. فالعديد من البرامج تُصاغ مركزياً وفق منطق تقني وإداري، بينما التنمية الجبلية الفعلية تقتضي الاعتماد على المعارف المحلية، وأنظمة التدبير الجماعي التقليدية، وأشكال التضامن التاريخية التي ميزت المجتمعات الجبلية المغربية. ذلك أن سكان الجبال راكموا عبر قرون طويلة خبرات دقيقة في تدبير الماء والرعي والغابة والتكيف مع الندرة والمناخ القاسي، لكن هذه المعارف كثيراً ما ظلت مهمشة داخل المقاربات الرسمية الحديثة. كما أن السياسات العمومية كثيراً ما أخطأت في فهم الجبل نفسه. فقد تم التعامل معه أحياناً باعتباره “مجال نقص“ يحتاج فقط إلى التجهيز، بينما الجبل في الحقيقة مجال يتميز بخصوصية مجالية وثقافية وإيكولوجية تتطلب نموذجاً تنموياً خاصاً. فالتنمية الجبلية لا يمكن اختزالها في الطرق والكهرباء فقط، رغم أهميتها، بل يجب أن تقوم على اقتصاد جبلي مستدام، وعلى تثمين عادل للموارد المحلية، وعلى حماية النظم البيئية، وعلى تعزيز صمود السكان أمام التغيرات المناخية والهجرة والتهميش. ومع ذلك، لا ينبغي إنكار وجود بعض التحولات الإيجابية. فقد أظهرت عدة تجارب محلية أن التنمية الجبلية تصبح أكثر فعالية حين ترتكز على المبادرات المحلية والتعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والسياحة التضامنية وتثمين المنتوجات المجالية مثل الأعشاب الطبية والعسل والتفاح والزعفران والزيوت الجبلية. كما أن بعض المشاريع المتعلقة بالسياحة البيئية والمحافظة على التراث الطبيعي بدأت تُظهر إمكانات حقيقية عندما يتم إشراك السكان المحليين بشكل فعلي في الاستفادة والتدبير. لكن هذه النجاحات ما تزال محدودة وغير قادرة وحدها على تغيير البنية العامة للهشاشة الجبلية. ولذلك يمكن القول إن السياسات العمومية استطاعت جزئياً فقط تحويل الخصوصيات التاريخية والثقافية والبيئية للمناطق الجبلية إلى برامج تنموية حقيقية. فقد تحقق تقدم نسبي في الاعتراف المؤسسي بالجبل وفي بعض مظاهر التثمين والبنيات الأساسية، لكن التنمية الجبلية العادلة والمستدامة ما تزال بعيدة عن التحقق الكامل بسبب استمرار التفاوتات المجالية، وضعف الحكامة الترابية، وهيمنة المقاربات القطاعية، وغياب رؤية استراتيجية تعتبر الجبل ليس هامشاً ينبغي مساعدته، بل مجالاً استراتيجياً ينبغي الاستثمار فيه باعتباره أحد أهم الرهانات المستقبلية للتوازن البيئي والاجتماعي والترابي بالمغرب.
إلى ماذا تعزى المفارقة التي نلمسها بين قوة الرمزية التاريخية والثقافية والأهمية الاقتصادية والاجتماعية والإيكولوجية للمحيط الجبلي مقارنة بضعف الاهتمام الرسمي به في السياسات العمومية للدولة على مدى عقود؟ : لا يمكن تفسير ضعف الاهتمام الرسمي بالمجال الجبلي بعامل واحد فقط، لأن المسألة في العمق بنيوية وتاريخية وسياسية في آن واحد. فالمفارقة الكبرى في المغرب، كما في كثير من البلدان، هي أن الجبال تُعد من أكثر المجالات أهميةً من الناحية الرمزية والإيكولوجية والاستراتيجية، لكنها ظلت من أضعف المجالات استفادةً من التنمية والاستثمار العمومي. وهذه المفارقة لا تعكس مجرد “نسيان“ أو “سوء تدبير“ عابر، بل ترتبط بطريقة تشكل الدولة الحديثة نفسها، وبطبيعة النموذج التنموي، وبالتمثلات السياسية والإدارية للجبل عبر التاريخ. فالجبال المغربية ليست هامشا عاديا، إنها خزانات مائية حيوية، ومجالات للتنوع البيولوجي، وفضاءات لتاريخ طويل من المقاومة والتنظيم الاجتماعي المحلي، كما أنها حاملة لذاكرة ثقافية ولغوية وحضارية غنية، خصوصاً في الأطلس المتوسط والأطلس الكبير والريف. بل إن جزء كبيرا من استقرار السهول والمدن المغربية اقتصادياً وبيئياً مرتبط بوظائف الجبال: الماء، الغابة، التوازن المناخي، الرعي، الموارد الطبيعية، وحتى السياحة. ومع ذلك، ظلت هذه المجالات تُعامَل غالباً باعتبارها “أطرافاً“ تحتاج إلى الإدماج، لا باعتبارها مراكز استراتيجية ينبغي بناء التنمية الوطنية انطلاقاً منها أيضاً. ولا يبدو أن السبب الأساسي هو غياب الوعي المطلق بأهمية الجبال، لأن الدولة تدرك منذ زمن بعيد أهميتها المائية والأمنية والبيئية. بل إن الخطاب الرسمي نفسه أصبح يستعمل مفاهيم مثل “التنمية المستدامة“، و“العدالة المجالية“، و“الخصوصيات الجبلية“. المشكلة الحقيقية أعمق من مجرد نقص في الوعي؛ إنها ترتبط بطبيعة الإرادة السياسية، وبترتيب الأولويات، وبالنموذج الترابي الذي حكم التنمية لعقود طويلة. فالدولة الحديثة في المغرب، منذ مرحلة الحماية ثم بعد الاستقلال، بُنيت أساساً حول منطق “المغرب النافع“، أي تركيز الاستثمار والسلطة والبنيات الحديثة في السهول والمدن الساحلية والمحاور الاقتصادية الكبرى. أما الجبال فغالباً ما نُظر إليها باعتبارها مجالات صعبة التضاريس، قليلة المردودية الاقتصادية السريعة، مرتفعة الكلفة من حيث التجهيز، وضعيفة الاندماج في السوق الوطنية. وبالتالي، تم التعامل معها بمنطق أمني أو اجتماعي أو إحساني أكثر من التعامل معها كمجالات إنتاج استراتيجي. وهنا يظهر عامل أساسي: هيمنة الرؤية الاقتصادية القصيرة المدى. فالسياسات العمومية كثيراً ما تقيس التنمية بمنطق الربحية السريعة والكثافة الاقتصادية المباشرة، بينما التنمية الجبلية تتطلب استثمارات طويلة النفس وعوائد غير فورية. فالطريق الجبلي، والمدرسة الجبلية، والحفاظ على الغابة، وحماية التربة، ودعم الاقتصاد المحلي، كلها استثمارات لا تُنتج أرباحاً مالية سريعة، لكنها تحمي التوازن الوطني على المدى البعيد. غير أن منطق الدولة التنموية ظل لفترة طويلة منحازاً للمجالات الأكثر جذباً للاستثمار والرأسمال والأسواق. ثم إن هناك عاملاً آخر بالغ الأهمية يتمثل في ضعف التصور الاستراتيجي الخاص بالمجال الجبلي. فالمغرب لم يبلور فعلياً، إلا متأخراً وبشكل جزئي، سياسة عمومية متكاملة للجبال باعتبارها منظومة مجالية مستقلة بخصوصياتها الاجتماعية والإيكولوجية والثقافية. ولهذا بقيت التدخلات مشتتة بين قطاعات متعددة: الماء، الغابة، الفلاحة، الطرق، السياحة، محاربة الفقر… دون رؤية موحدة للجبل ككيان ترابي متكامل. والأهم من ذلك أن السياسات العمومية كثيراً ما حاولت “تحديث“ الجبال دون فهم عميق لمنطق اشتغالها التاريخي والاجتماعي. فالأنظمة التقليدية لتدبير الماء والرعي والغابات والتضامن الجماعي، التي راكمتها المجتمعات الجبلية عبر قرون، لم تُدمج بالشكل الكافي داخل المشاريع الحديثة. وفي كثير من الأحيان، حلت المقاربة التقنية والإدارية محل الحكمة المحلية، فنتجت اختلالات بيئية واجتماعية جديدة. كما أن المركزية الإدارية لعبت دوراً حاسماً في هذا الضعف. فالمجالات الجبلية تحتاج إلى حكامة ترابية مرنة وقريبة من الواقع المحلي، لكن القرارات الأساسية غالباً ما تُصاغ مركزياً، بمنطق موحد لا يراعي التباينات الجبلية الدقيقة. لذلك نجد أن كثيراً من المشاريع تُنقل من نماذج حضرية أو سهلية إلى الجبل دون تكييف حقيقي مع خصوصياته الطبيعية والثقافية. ومن الناحية السياسية، لا يمكن إغفال أن بعض المناطق الجبلية ارتبطت تاريخياً بعلاقات متوترة مع السلطة المركزية، سواء خلال فترات المقاومة أو التمردات أو الهشاشة الأمنية السابقة. وهذا الإرث التاريخي ساهم أحياناً في ترسيخ نظرة ضمنية إلى الجبل باعتباره مجالاً ينبغي “احتواؤه“ أو “ضبطه“، أكثر من اعتباره شريكاً تنموياً كاملاً. وحتى عندما حدثت استثمارات مهمة، فإنها كانت أحياناً مدفوعة بمنطق الاستقرار الاجتماعي أكثر من كونها نابعة من رؤية استراتيجية للعدالة المجالية. لكن رغم كل ذلك، فإن اختزال المسألة في “غياب الإرادة السياسية“ وحده يبقى تبسيطاً ناقصاً. فهناك بالفعل جهود وبرامج ومشاريع، وبعضها حقق نتائج ملموسة في فك العزلة والبنيات الأساسية والكهرباء والماء والطرق والسياحة الجبلية. غير أن المشكلة تكمن في أن هذه التدخلات ظلت دون مستوى التحول البنيوي المطلوب، لأنها لم تغيّر موقع الجبل داخل النموذج التنموي الوطني. وفي العمق، يمكن القول إن الدولة تعاملت طويلاً مع الجبال باعتبارها “مجالات تحتاج إلى التنمية“، بينما كان ينبغي النظر إليها باعتبارها “مجالات تنتج شروط التنمية الوطنية نفسها“. فالماء الذي يغذي المدن والسدود والزراعة يأتي أساساً من الجبال، والتوازن البيئي الوطني مرتبط بها، والهوية الثقافية المغربية جزء كبير منها تشكل في الجبال، لكن السياسات العمومية لم تترجم دائماً هذه الحقيقة إلى عدالة استثمارية ومؤسساتية. لذلك فإن ضعف التنمية الجبلية يعود إلى تفاعل عدة عوامل مترابطة: هيمنة النموذج التنموي “السهلي– الحضري”؛ وتغليب الربحية الاقتصادية السريعة؛ ضعف الرؤية الترابية المندمجة للجبال وغياب استراتيجية خاصة بها؛ المركزية الإدارية؛ محدودية إشراك السكان المحليين، ضعف تثمين المعارف المحلية، استمرار التفاوتات المجالية التاريخية؛ والتعامل مع الجبل أحياناً كمجال للهشاشة لا كمجال للثروة الاستراتيجية .
ما الحاجة إلى إطار تشريعي خاص بالجبل، وكيف يمكن لقانون الجبل أن يساهم في حكامة أنجع وتثمين أفضل للموارد الجبلية؟: تنبع الحاجة إلى إطار تشريعي خاص بالمجال الجبلي من كون الجبل ليس مجرد وحدة طبوغرافية أو فضاء طبيعي مرتفع، بل هو مجال ذو خصوصيات بنيوية معقدة تختلف جذرياً عن السهول والمناطق الحضرية، سواء من حيث الإكراهات البيئية، أو أنماط الاستقرار البشري، أو طرق استغلال الموارد، أو الهشاشة الاجتماعية والمناخية. ولذلك فإن إخضاع الجبال للقوانين العامة نفسها التي تؤطر باقي المجالات يؤدي غالباً إلى نوع من “اللامساواة القانونية غير المعلنة“، لأن المساواة الشكلية بين المجالات المختلفة قد تنتج في الواقع تفاوتاً فعلياً في فرص التنمية والولوج إلى الحقوق والخدمات. فالقانون العام، عندما لا يراعي خصوصية الجبل، يصبح عاجزاً عن التعامل مع تعقيداته المجالية. فالجبال تعاني من التشتت العمراني، وصعوبة الولوج، وضعف الكثافة السكانية، وهشاشة التربة، وضغط الاستغلال على الغابات والمياه، والتغيرات المناخية، والهجرة، وتراجع الاقتصاد التقليدي. وهذه الخصوصيات تجعل التدخل العمومي في الجبل أكثر كلفة وتعقيداً مقارنة بالمجالات السهلية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى “تمييز إيجابي تشريعي“ لفائدة المناطق الجبلية، لا باعتباره امتيازاً، بل باعتباره شرطاً لتحقيق العدالة المجالية. إن قانوناً خاصاً بالجبل يمكن أن يشكل تحوّلاً نوعياً في فلسفة التعامل مع هذه المجالات، لأنه سينقل الجبل من وضعية “موضوع للتدخل القطاعي المتفرق“ إلى وضعية “مجال استراتيجي له سياسة عمومية متكاملة“. فالمشكل الأساسي حالياً لا يكمن فقط في نقص المشاريع، بل في غياب إطار مؤسساتي وقانوني يوحد الرؤية ويضمن الاستمرارية والالتقائية والتنسيق بين مختلف المتدخلين. وفي هذا السياق، يمكن لقانون الجبل أن يؤدي عدة وظائف استراتيجية مترابطة: أولاً، يمكنه أن يمنح اعترافاً قانونياً ورسميّاً بخصوصية المجال الجبلي. وهذا الاعتراف ليس رمزياً فقط، بل له آثار عملية مهمة، لأنه يسمح بوضع معايير خاصة للتجهيز، والتمويل، والاستثمار، والخدمات العمومية، تتلاءم مع طبيعة الجبل وإكراهاته. فبناء مدرسة أو مستشفى أو طريق في الجبل لا يمكن تقييمه بالمعايير نفسها المعتمدة في السهول، لأن الكلفة المجالية والاجتماعية مختلفة. وبالتالي، فإن قانون الجبل يمكن أن يرسخ مبدأ “الإنصاف الترابي“ بدل المساواة التقنية المجردة. ثانيا يمكن لهذا القانون أن يؤسس لحكامة ترابية أكثر نجاعة. فإحدى أكبر مشاكل التنمية الجبلية هي تشتت الاختصاصات بين قطاعات متعددة: المياه والغابات، الفلاحة، السياحة، التجهيز، البيئة، الجماعات الترابية… دون وجود تنسيق حقيقي بينها. لذلك فإن قانوناً خاصاً يمكن أن يفرض آليات مؤسساتية للتكامل والتخطيط المشترك، عبر إحداث هيئات أو وكالات خاصة بالتنمية الجبلية، أو عبر فرض إلزامية إدماج البعد الجبلي في السياسات العمومية الوطنية والجهوية. كما يمكن لهذا الإطار القانوني أن يعزز اللامركزية الفعلية، من خلال منح الجماعات الجبلية صلاحيات أوسع وموارد مالية إضافية تتناسب مع هشاشتها ووظائفها البيئية الوطنية. فالجبال تنتج خدمات إيكولوجية كبرى للبلاد كلها، خصوصاً الماء والتنوع البيولوجي والتوازن المناخي، لكن الجماعات المحلية الجبلية لا تستفيد غالباً من مقابل اقتصادي عادل لهذه الوظائف. ومن هنا يمكن لقانون الجبل أن يقرّ بمبدأ “التعويض المجالي والإيكولوجي“، أي تخصيص موارد مالية وتنموية للمناطق التي تؤدي وظائف بيئية استراتيجية لصالح الوطن. وثالثا: يمكن لقانون الجبل أن يشكل أداة قوية لحماية الموارد الطبيعية من الاستنزاف والفوضى. فالجبال المغربية تواجه اليوم ضغوطاً متزايدة: تدهور الغابات، انجراف التربة، الاستغلال المفرط للمياه، البناء غير المنظم، التوسع السياحي العشوائي، والرعي الجائر أحياناً. والقوانين العامة الحالية غالباً ما تكون مشتتة أو ضعيفة التنفيذ. لذلك فإن إطاراً تشريعياً خاصاً يمكن أن يضع قواعد دقيقة لحماية الأنظمة الإيكولوجية الجبلية، وربط أي استثمار أو استغلال للموارد بمبادئ الاستدامة والقدرة البيئية للمجال.
غير أن أهمية قانون الجبل لا تقتصر على الموارد المادية فقط، بل تمتد أيضاً إلى الموارد اللامادية، وهي نقطة غالباً ما تُهمَل في السياسات العمومية. فالجبال ليست مجرد غابات ومياه ومناظر طبيعية، بل هي أيضاً مخزون ضخم من التراث الثقافي والمعارف المحلية واللغات والعمران التقليدي وأنماط التضامن الاجتماعي. وهذه العناصر ليست بقايا فولكلورية، بل تمثل رأسمالاً ترابياً حقيقياً يمكن أن يشكل أساساً لاقتصاد جبلي مستدام. ومن هنا، يمكن لقانون الجبل أن يساهم في تثمين التراث اللامادي عبر: حماية المعارف التقليدية المرتبطة بتدبير الماء والغابة والرعي؛ دعم العمارة الجبلية المحلية؛ تثمين الصناعات التقليدية والمنتوجات المجالية؛ تشجيع السياحة الثقافية والإيكولوجية المسؤولة؛ حماية التنوع اللغوي والثقافي؛ دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني القائم على الخصوصيات المحلية. وفي هذا الإطار، يصبح الجبل ليس فقط مجالاً يحتاج إلى المساعدة، بل فضاءً منتجاً للقيمة الاقتصادية والثقافية والبيئية. كما أن قانون الجبل يمكن أن يغير جذرياً من فلسفة التخطيط التنموي نفسها. فبدل المقاربة التقليدية التي ترى التنمية في تعميم النماذج السهلية والحضرية على الجبال، يمكن الانتقال إلى نموذج تنموي جبلي خاص يقوم على التكيف مع الخصوصيات المحلية. فالتنمية الجبلية الناجعة ليست نسخاً مصغراً للتنمية الحضرية، بل هي بناء اقتصاد متلائم مع محدودية الموارد، واحترام التوازنات الإيكولوجية، وتقوية قدرة السكان على الصمود والاستقرار. لكن نجاح أي قانون للجبل يظل رهيناً بعدة شروط أساسية. فأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول القانون إلى مجرد نص رمزي أو إعلان نوايا دون أثر فعلي. لذلك فإن فعاليته تقتضي: توفر إرادة سياسية حقيقية تجعل التنمية الجبلية أولوية وطنية كما حددها الميثاق الوطني لإعداد التراب منذ سنة 2001؛ ربط القانون بآليات تمويل واضحة ومستدامة يتشكل بعضها من إعادة توزيع الاعتمادات الحالية فقط؛ إشراك الساكنة المحلية والفاعلين الترابيين في صياغته وتنفيذه؛ تجاوز المقاربة المركزية والتقنوية في التصور والأنجاز؛ اعتماد معايير دقيقة لتحديد المجالات الجبلية المستهدفة؛ إقرار آليات ناجعة للتتبع والتقييم والمساءلة. وفي التجارب الدولية، مثل فرنسا وإيطاليا وسويسرا وبعض بلدان أمريكا اللاتينية، أظهرت قوانين الجبال أن الاعتراف التشريعي بخصوصية الجبل يمكن أن يساهم في تحسين الحكامة، وحماية الموارد، ودعم الاقتصاد المحلي، والحد من الهجرة، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الترابية. لكن هذه التجارب تؤكد أيضاً أن القانون وحده لا يكفي، إذا لم يُدعَم برؤية تنموية شاملة تعتبر الجبل مكوناً استراتيجياً من مكونات الدولة والمجتمع، لا مجرد فضاء هش يحتاج إلى تدخلات ظرفية. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لقانون الجبل ليس فقط تقنين التنمية الجبلية، بل إعادة الاعتبار للمجال الجبلي داخل المشروع الوطني نفسه، باعتباره خزّاناً للأمن المائي والبيئي والثقافي، وأحد المفاتيح الأساسية لتحقيق الاستدامة والعدالة المجالية في المغرب.
ما أبرز الإكراهات التي تعيق تنمية المناطق الجبلية في المغرب خاصة في ظل التحديات البيئية والمناخية والإجهاد المائي؟ : تواجه المناطق الجبلية بالمغرب منظومة معقدة من الإكراهات البنيوية والبيئية والمجالية التي تجعل التنمية فيها أكثر صعوبة وكلفة مقارنة بالمجالات السهلية والحضرية. وما يزيد من تعقيد الوضع اليوم هو أن هذه المجالات لم تعد تواجه فقط “تأخر التنمية“، بل أصبحت تواجه أيضاً آثار التحولات المناخية والإيكولوجية العميقة التي تهدد شروط العيش والاستقرار نفسها. ولذلك فالمشكل لم يعد مجرد نقص في التجهيزات أو الخدمات، بل أصبح يتعلق بقدرة المجال الجبلي على الصمود والاستمرار في ظل الضغوط البيئية والاجتماعية المتزايدة. ومن أبرز الإكراهات البنيوية التي تعيق التنمية الجبلية مسألة العزلة المجالية. فالتضاريس الوعرة، وتشتت السكن، وصعوبة الربط الطرقي، تجعل تكلفة البنيات التحتية والخدمات العمومية مرتفعة جداً. ولذلك ظلت أجزاء واسعة من الجبال تعاني لعقود من ضعف الولوج إلى الطرق المعبدة، والنقل، والصحة، والتعليم، والاتصال، والأسواق. وحتى عندما تم تحقيق تقدم نسبي في فك العزلة، فإن العديد من المناطق ما تزال تعاني من هشاشة كبيرة، خصوصاً خلال فصل الشتاء أو أثناء الفيضانات والانهيارات الأرضية والزلازل. وتنعكس هذه العزلة بشكل مباشر على الخدمات الاجتماعية الأساسية. فالمدرسة الجبلية ما تزال تواجه مشاكل التشتت، والهدر المدرسي، وضعف النقل والإيواء، وخصاص الأطر، خصوصاً بالنسبة للفتيات. كما أن الولوج إلى الخدمات الصحية يبقى محدوداً بسبب بعد المراكز الصحية ونقص التجهيزات والأطر الطبية، مما يجعل المرض والحمل والحوادث عوامل مضاعِفة للهشاشة الاجتماعية في المجال الجبلي. لكن الإكراه الأخطر اليوم يتمثل في التحولات المناخية والبيئية المتسارعة. فالجبال المغربية تُعد من أكثر المجالات حساسية للتغير المناخي، لأنها تقوم على توازنات إيكولوجية دقيقة بين الماء والغابة والرعي والزراعة والسكان. ومع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات وعدم انتظامها، بدأت هذه التوازنات تتفكك تدريجياً. وفي قلب هذه الأزمة تبرز مسألة الماء باعتبارها التحدي الأكثر استراتيجية. فالجبال المغربية كانت تاريخياً “خزان الماء“ الرئيسي للبلاد، لكن هذا الدور أصبح مهدداً بفعل عدة عوامل متراكبة: تراجع التساقطات الثلجية والمطرية؛ تواتر سنوات الجفاف؛ ارتفاع التبخر؛ استنزاف الفرشات المائية؛ تدهور الغطاء الغابوي؛ انجراف التربة وتوحل السدود. وفي مناطق كثيرة من الأطلس المتوسط مثلاً، بدأت الينابيع تتراجع أو تجف جزئياً، كما أصبحت الموارد المائية أقل استقراراً وانتظاماً. وهذا التراجع لا يؤثر فقط على الشرب والسقي، بل يهدد الاقتصاد الجبلي التقليدي بأكمله، لأن الفلاحة الجبلية والرعي يعتمدان أساساً على الماء والتوازنات البيئية المحلية.
كما أن التغير المناخي أدى إلى تزايد الظواهر القصوى: فيضانات مفاجئة، موجات برد قاسية، حرائق غابات، انجرافات، وانهيارات ترابية. وهذه المخاطر تضاعف هشاشة البنيات التحتية والسكان، خاصة في القرى المعزولة ذات الإمكانيات المحدودة. ومن الإكراهات البيئية الكبرى أيضاً تدهور الغابات والموارد الطبيعية. فالضغط البشري، والرعي المكثف أحياناً، والاحتطاب، والاستغلال غير المنظم، كلها عوامل ساهمت في إضعاف المنظومات الغابوية الجبلية. ومع التغير المناخي، أصبحت الغابات أكثر عرضة للجفاف والحرائق والأمراض النباتية. وهذا التدهور لا يمس فقط البيئة، بل ينعكس مباشرة على معيش السكان، لأن الغابة تشكل مورداً أساسياً للطاقة والرعي والمواد المحلية والتوازن الهيدرولوجي لنسبة مهمة من الساكنة الجبلية. إلى جانب ذلك، تعاني الفلاحة الجبلية من هشاشة هيكلية عميقة. فهي غالباً فلاحة معيشية صغيرة، تعتمد على الملكيات المجزأة، وعلى تقنيات تقليدية، وعلى التساقطات المطرية. ومع تقلص الموارد المائية وضعف المردودية وصعوبة التسويق، أصبحت هذه الفلاحة عاجزة عن ضمان دخل كافٍ للأسر. وهذا ما يدفع الشباب إلى الهجرة نحو المدن أو الخارج، ويؤدي إلى شيخوخة الساكنة وتراجع اليد العاملة المحلية. والهجرة هنا ليست مجرد نتيجة اجتماعية، بل أصبحت بدورها عاملاً من عوامل الأزمة الجبلية. فخروج الشباب والكفاءات يؤدي إلى إضعاف الدينامية الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع أنظمة التضامن التقليدية، واندثار بعض المعارف المحلية المرتبطة بتدبير الماء والزراعة والرعي والبناء التقليدي. وهكذا تدخل العديد من المناطق الجبلية في حلقة مفرغة: ضعف التنمية يؤدي إلى الهجرة، والهجرة تؤدي إلى مزيد من الضعف والتدهور. ومن الإكراهات المهمة أيضاً ضعف الاقتصاد المحلي وتبعيته المحدودة للأنشطة الموسمية أو غير المهيكلة. فالمجالات الجبلية تفتقر غالباً إلى تنويع اقتصادي حقيقي، كما أن الاستثمارات الخاصة تبقى ضعيفة بسبب العزلة وصعوبة الولوج وغياب التحفيزات. وحتى القطاعات الواعدة مثل السياحة الجبلية أو المنتوجات المجالية، ما تزال تعاني من ضعف التأطير والتسويق والبنيات الأساسية. كما تواجه التنمية الجبلية إشكالاً مؤسساتياً وحكامياً عميقاً. فالمقاربات العمومية غالباً ما تكون قطاعية ومتفرقة، بينما المجال الجبلي يحتاج إلى رؤية مندمجة تأخذ بعين الاعتبار الترابط بين الماء والغابة والفلاحة والسكان والبنيات التحتية والثقافة المحلية. إضافة إلى ذلك، فإن المركزية الإدارية وضعف التنسيق بين المتدخلين يؤديان إلى تكرار المشاريع أو غياب الالتقائية بينها. ويبرز أيضاً إشكال ضعف ملاءمة النماذج التنموية للمجال الجبلي. فكثير من البرامج صُممت وفق منطق حضري أو سهلي، دون مراعاة خصوصيات الجبل. ففي بعض الحالات، يتم التركيز على التجهيزات المادية دون بناء اقتصاد محلي مستدام أو دون حماية التوازنات البيئية. كما أن بعض المشاريع السياحية أو الفلاحية قد تخلق ضغوطاً إضافية على الموارد المائية والبيئية بدل أن تحل الأزمة. ومن الناحية الاجتماعية والثقافية، تعاني الجبال من تراجع تدريجي للرأسمال الاجتماعي المحلي. فأنظمة التعاون التقليدي، والمعارف الجماعية، وأنماط التضامن، بدأت تتآكل تحت ضغط التحولات الاقتصادية والهجرة والفردانية. وهذا التراجع يضعف قدرة المجتمعات المحلية على التكيف الجماعي مع الأزمات البيئية والمناخية. وفي العمق، فإن أخطر ما تواجهه الجبال اليوم هو تراكم الهشاشات. فالفقر، والعزلة، وضعف التجهيزات، والتغير المناخي، وتراجع الماء، وتدهور الغابة، والهجرة، ليست مشاكل منفصلة، بل حلقات مترابطة داخل أزمة مجالية شاملة. ولذلك فإن أي سياسة تنموية جزئية أو قطاعية لن تكون كافية. فالمجال الجبلي يحتاج اليوم إلى تحول حقيقي في فلسفة التنمية، يقوم على: العدالة المجالية؛ التكيف المناخي؛ الأمن المائي؛ حماية النظم البيئية؛ تنويع الاقتصاد المحلي؛ تثمين الموارد اللامادية؛ تقوية صمود الساكنة؛ إشراك المجتمعات المحلية في التدبير. لأن مستقبل الجبال لم يعد مرتبطاً فقط بتحسين ظروف العيش، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بحماية التوازن البيئي والمائي الوطني كله. فالجبال إذا دخلت مرحلة الانهيار الإيكولوجي والاجتماعي، فإن آثار ذلك لن تبقى محصورة داخلها، بل ستمتد إلى السهول والمدن والسدود والأمن الغذائي والمائي للبلاد بأكملها.
أي موقع للسياسة الجبلية في السياسة الوطنية وفي استراتيجية إعداد التراب والمخطط الوطني للتنمية في ظل الجهوية المتقدمة وشروطها؟: إن موقع السياسة الجبلية داخل السياسة العمومية المغربية ما يزال، إلى حد كبير، موقعاً “هامشياً داخل الهامش“، رغم التحولات الدستورية والمؤسساتية التي عرفها المغرب منذ دستور 2011 وإطلاق ورش الجهوية المتقدمة. فالجبل حاضر بقوة في الخطاب الرسمي المتعلق بالتنمية المستدامة والعدالة المجالية والتغير المناخي، لكنه لم يتحول بعد إلى محور استراتيجي واضح داخل النموذج التنموي الوطني أو داخل سياسة إعداد التراب الوطني. ولذلك يمكن القول إن السياسة الجبلية في المغرب توجد اليوم في وضعية انتقالية بين الاعتراف المتزايد بأهمية الجبل، وبين غياب سياسة وطنية مندمجة ومؤسساتية خاصة بالمجالات الجبلية. ومن الناحية النظرية، يفترض أن تحتل الجبال موقعاً مركزياً داخل سياسة إعداد التراب الوطني، لأنها تمثل أحد أهم الرهانات الترابية والبيئية والاستراتيجية للبلاد. فالمناطق الجبلية المغربية تشكل حوالي ربع مساحة التراب الوطني، وتضم ثلث السكان، وتوفر الجزء الأكبر من الموارد المائية والغابوية والتنوع البيولوجي الوطني. كما أن الجبال تؤدي وظائف حيوية مرتبطة بالأمن المائي، والتوازن الإيكولوجي، والحماية من التصحر والانجراف، إضافة إلى بعدها الثقافي والحضاري. غير أن الممارسة الفعلية للسياسات العمومية أظهرت أن المجال الجبلي ظل لفترة طويلة خارج مركز القرار التنموي، بسبب هيمنة نموذج ترابي تمحور أساساً حول السهول الساحلية والمحاور الاقتصادية الكبرى والمدن. ولذلك بقيت السياسة الجبلية تُدار غالباً من خلال برامج قطاعية متفرقة: فك العزلة، محاربة الفقر، التنمية القروية، تدبير المياه والغابات، أو بعض مشاريع السياحة القروية، دون أن تتبلور في شكل سياسة عمومية أفقية ومندمجة ذات أهداف واضحة ومؤشرات ترابية دقيقة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الربط بين السياسة الجبلية واستراتيجية إعداد التراب الوطني. فإعداد التراب، في جوهره، ليس مجرد توزيع للتجهيزات أو المشاريع، بل هو اختيار سياسي يتعلق بكيفية تنظيم المجال الوطني وتوزيع الثروة والفرص والسلطة بين المجالات. ولذلك فإن أي سياسة حقيقية لإعداد التراب الوطني ينبغي أن تجعل من تقليص الفوارق المجالية هدفاً مركزياً، لا مجرد بعد اجتماعي ثانوي. وقد حاول المغرب، منذ التسعينيات، إدماج البعد المجالي ضمن التفكير التنموي عبر المخطط الوطني لإعداد التراب الوطني، الذي أقر بوجود اختلالات مجالية عميقة بين “المغرب المفيد “ و“المغرب المهمش“، ودعا إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن والإنصاف الترابي. غير أن تنزيل هذه التوجهات ظل محدوداً، لأن السياسات القطاعية والمقاربات المركزية استمرت في الهيمنة على التدبير العمومي. ومع دستور 2011، برزت الجهوية المتقدمة باعتبارها الإطار الجديد لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجالات الترابية. وقد منح القانون التنظيمي للجهات اختصاصات مهمة في التنمية الجهوية وإعداد التراب. فالجهة أصبحت مطالبة بإعداد برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، في إطار مبادئ التدبير الحر والتنمية المندمجة.
ومن حيث المبدأ، فإن الجهوية المتقدمة تفتح إمكانيات كبيرة أمام بناء سياسة جبلية أكثر فعالية، لأنها تسمح نظرياً بالانتقال من مركزية القرار إلى حكامة ترابية أكثر قرباً من الخصوصيات المحلية. فالجهات التي تضم مجالات جبلية واسعة، مثل جهة فاس مكناس أو جهة بني ملال خنيفرة أو جهة درعة تافيلالت، يفترض أن تكون قادرة على بلورة سياسات ترابية تستجيب للخصوصيات الجبلية من حيث الماء، والفلاحة، وفك العزلة، والاقتصاد المحلي، والتكيف المناخي. لكن هنا تظهر المفارقة الأساسية: فالجهوية المتقدمة، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى مستوى “الجهوية التنموية الفعلية“. إذ ما تزال الجهات تعاني من محدودية الموارد المالية، وضعف الاستقلالية الحقيقية، وتداخل الاختصاصات مع الدولة المركزية، إضافة إلى استمرار هيمنة المقاربة القطاعية. ولذلك فإن السياسة الجبلية ما تزال في كثير من الأحيان رهينة قرارات وبرامج مركزية أكثر مما هي نابعة من دينامية جهوية مستقلة. كما أن إحدى الإشكالات الكبرى تتمثل في أن المجال الجبلي يتجاوز الحدود الإدارية للجهات والجماعات. فالمنظومات الجبلية هي وحدات إيكولوجية ومائية ومجالية متداخلة، بينما التقسيم الإداري الحالي قد يشتتها بين عدة وحدات ترابية. وهذا ما يفرض التفكير في “حكامة جبلية متعددة المستويات“، تتجاوز الحدود الإدارية الضيقة نحو منطق الكثل الجبلية والأنظمة البيئية المشتركة. وفي العمق، فإن نجاح السياسة الجبلية داخل إطار الجهوية المتقدمة يظل رهيناً بعدة شروط بنيوية. أولاً، ضرورة الاعتراف الرسمي بالمجال الجبلي كمجال استراتيجي داخل السياسات الوطنية، لا فقط كمجال هش يحتاج إلى الدعم الاجتماعي. فالمطلوب هو إدماج الجبل في قلب النموذج التنموي الوطني باعتباره منتجاً للثروة البيئية والمائية والثقافية. ثانياً، الحاجة إلى سياسة وطنية جبلية واضحة ومندمجة، مرتبطة بالمخطط الوطني للتنمية وبسياسة إعداد التراب، وتتضمن أهدافاً دقيقة تتعلق بالأمن المائي، والتكيف المناخي، والعدالة المجالية، وتنويع الاقتصاد الجبلي، وحماية الموارد الطبيعية والثقافية. ثالثاً، تقوية الجهوية المالية والمؤسساتية. فلا يمكن للجهات أن تقود تنمية جبلية حقيقية دون موارد مالية كافية، ودون صلاحيات فعلية في التخطيط والاستثمار والتنسيق بين القطاعات. رابعاً، تجاوز المقاربة القطاعية نحو مقاربة ترابية مندمجة. فمشاكل الجبل مترابطة: الماء، الغابة، الهجرة، الفلاحة، الطرق، الثقافة، المناخ… ولذلك فإن معالجتها بشكل منفصل يؤدي غالباً إلى نتائج محدودة أو متناقضة . ولا يمكن معالجتها إلا في إطار مقاربة ترابية مندمجة. .خامساً، إدماج البعد المناخي والإيكولوجي في كل السياسات الجبلية. فالتحدي اليوم لم يعد فقط هو “تنمية الجبل“، بل جعل الجبل قادراً على الصمود أمام التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية. وسادساً، تفعيل الديمقراطية التشاركية والحكامة المحلية، بحيث تصبح الساكنة الجبلية شريكاً فعلياً في التخطيط والتدبير، لا مجرد مستفيدة من البرامج، أو حارسا للطبيعة. وفي هذا الإطار، فإن السياسة الجبلية يمكن أن تصبح أحد أهم الاختبارات الحقيقية للجهوية المتقدمة نفسها. فإذا استطاعت الجهوية أن تقلص الفوارق المجالية، وتحسن الحكامة الترابية، وتبني اقتصاداً جبلياً مستداماً، فإنها ستكون قد نجحت في إثبات فعاليتها كخيار استراتيجي للدولة المغربية. أما إذا استمرت الفوارق والهشاشة والتهميش رغم الخطابات والمؤسسات الجديدة، فإن ذلك سيكشف حدود الجهوية الشكلية التي تنقل بعض الاختصاصات دون إعادة حقيقية لتوزيع السلطة والثروة والتنمية. لذلك، فإن موقع السياسة الجبلية داخل السياسة العمومية المغربية ينبغي ألا يبقى موقعاً ثانوياً أو قطاعياً، بل يجب أن يتحول إلى ركيزة أساسية داخل استراتيجية إعداد التراب الوطني والمخطط الوطني للتنمية، لأن مستقبل الأمن المائي والبيئي والاجتماعي للمغرب سيكون، إلى حد بعيد، رهيناً بمستقبل جباله.
عن جريدة انفاس بريس الالكتروتية











