دائرة أكنول .. مؤهلات طبيعية وتراث ثقافي تاريخي رافع للتنمية الترابية ..

تازة بريس
عبد السلام انويكًة
بتطلعات ومخططات عدة كان المغرب منذ فجر الاستقلال، مستهدفا بناء أسس دولة حديثة ومؤسسات فضلا عن تنمية اقتصادية واجتماعية، عبر حسن استثمار ما هناك من غنى موارد وطنية بما في ذاك جهات البلاد، آخذا بالاعتبار تنوع بيئة هذه الأخيرة وما تزخر به من مؤهلات في أفق تكامل تراب وطني. وبقدر ما كانت طموحات مغرب الأمس منذ ستينات القرن الماضي، بأثر ظاهر على صعيد جهات ومناطق ومراكز هنا وهناك، بقدر ما ظلت أخرى دون إلتفات رغم ما هي عليه من مكامن واعدة. ولتجاوز ما ترتب من فوارق مجالية والحالة هذه، بات من المهم تثمين ما هناك من موارد وفرص ثروة محليا، فضلا عن مستويات وسبل تنمية أكثر انسجاما وتبصرا ورؤية استشرافية. وهنا من المفيد الوقوف على ما أسهم به النشاط السياحي هنا وهناك من ربوع البلاد، وما طبعه من دينامية واستقطاب وتجهيز وتسويق تراب ومن ثمة تنمية. سياق ورش يسجل فيه ما كان للجبل من مكانة، فضلا عن مواقع شاطئية وأثرية تاريخية ومنتزهات ومراكز مياه معدنية استشفائية وغيرها. مع أهمية الاشارة الى أنه رغم ما تراكم من جهود وتجارب داعمة للتنمية، وما حظيت به الموارد الترابية عموما من عناية ضمن السياسة العمومية الوطنية خلال العقود الأخيرة، لا تزال البلاد بحاجة لمزيد اهتمام وإنصات وتهيئة وخريطة طريق أكثر حكامة ونجاعة وانصافا مجاليا. فكثيرة هي المناطق التي لا تزال مؤهلاتها السياحية دون ما ينبغي من فاعلية وأثر تنمية، رغم ما هي عليه من مؤهلات طبيعية وأخرى ثقافية تراثية تاريخية مادية ولا مادية متفردة، لا شك أن حسن ادماجها وادراجها واستثمارها سيكون كفيلا لتجاوز ما هناك من هامش وبلوغ ما هو منشود من نماء محلي.
في هذه الورقة نتوجه بالعناية فيها صوب دائرة أكنول عن إقليم تازة، تلك التي بحمولة تاريخ وطني ووقائع غنية عن التعريف في علاقتها بملحمة كفاح المغرب والمغاربة من اجل الاستقلال، حيث مثلث الموت الشهير وحدث انطلاق عمليات جيش التحرير بربوعها وجبالها قبل حوالي السبعة عقود من الزمن. ولعل دائرة أكنول التي بهذه الذاكرة والملحمة الوطنية، هي بمؤهلات طبيعية وإرث ثقافي ناهيك عن منتزه هنا وهناك، في سوادها الأعظم لا تزال مادة سياحية خامة الى حين. وأنه رغم كل هذا الأثاث من الموارد، لا يزال مجالها دون ما ينبغي من استثمار سياحي ومن ثمة من إسهام في التنمية المحلية. ونعتقد أن دائرة اكنول (تيزي وسلي، أجدير، بورد..) ليست بحاجة لتشخيص ما هي عليه من مؤهلات. فصدى ذاكرتها ومواردها غير خاف منذ فجر الاستقلال، من قبيل “حامة العين الحمراء” الاستشفائية التي زارها السلطان محمد الخامس صيف 1956 وقد ارتأى رحمه الله نعتها ب”عين الرحمة”. تلك التي تعد من عناوين مؤهلات المنطقة التي بدور هام في النماء المحلي، إن هو توفر ما ينبغي من تأطير وتثمين وترافع، فضلا عن استثمار لــ”الرهان الجهوي الجديد” باعتباره أفقا تأهيليا آخذ بالعناية ما هناك من تباين مجالي ثقافي واقتصادي وموارد محلية، فضلا عما يرومه ترابيا من تصحيح اختلالات وتجاوز هشاشة مناطق عبر إدماجها في التنمية.
ولعل ضمن ورش إعداد التراب محليا نجد ”العين الحمراء” التي لا تزال بحاجة لإدماجٍ وتهيئة رافعة، لاستثمار ما تتفرد به من مياه استشفائية وحتى يتحول الموقع من وضع مجال جبلي هامش إلى خزان فاعل في التنمية. ومن باب التذكير فهذه الحامة كانت باحسن حال في الماضي من حيث ما احيطت به من تثمين وعناية، تكفي الاشارة الى أنها كانت موضوع إعلانات تعريفية بها في الإذاعة الوطنية كحامة استشفائية، وهو ما كان وراء انتعاشها وشهرتها واقبال عليها من مختلف مناطق البلاد، بحيث تم إحداث أول فندق بها من قبل جماعة أجدير عام 1958 وظل نشيطا حتى 1968 دعما لأفق المنطقة السياحي الاستشفائي. كما تكونت عام1988 أول جمعية محلية لهذا الغرض “جمعية العين الحمراء”، فضلا لاحقا عن ”جمعية اكًزناية للثقافة والتنمية” عام 1998 . وعن القيمة الاستشفائية وتركيبة مياه العين الحمراء، فهي تحتوي على الكالسيوم والمانيزيوم والصوديوم ثم الحديد، فضلا عن كونها بفوائد بحسب المتداول في علاج أمراض الجهاز الهضمي والكبد وفقر الدم…الخ. هكذا موارد دائرة أكنول السياحية التي ليست نكرة بل بصدى منذ استقلال البلاد، وانها احيطت ولا تزال بعدد من اللقاءات والندوات والتقارير فضلا عن مقالات وتوثيق اعلامي محلي ووطني. وعليه، هي بحاجة لتهيئة واجراء عبر ما ينبغي من مخطط تنمية من شأنه جعل فعلها السياحي ضمن أسس الاقلاع المحلي.
ولعل أكنول الدائرة التي ضمن مقدمة الريف من جهتها الجنوبية الشرقية حيث شمال تازة التي تبعد عنها بحوالي ستين كلم، هي امتداد ترابي بموارد طبيعية ضخمة فضلا عن مناظر ومشاهد بانورامية متفردة هنا وهناك من ترابها التابع. (غطاء غابوي، غابات شجرة اللوز، مياه معدنية استشفائية، مواقع أثر مادي تاريخي وطني، غنى ثقافي تراثي اجتماعي، مواسم احتفاء وتعبير فني شعبي هوياتي امازيغي…الخ). تلك التي من شأنها جعل المنطقة بدينامية سياحة أكثر انسجاما مع مؤهلاتها، بل وجهة مستقطبة لاستثمارات رافعة إن هو توفر ما ينبغي من تثمين وتحفيز وتشارك واشراك. علما أن من تفردات ونقط قوة مجال أكنول الدائرة ما يحتويه من قمم مرتفعات، بقدر ما توفره من جمالية مشاهد بانورامية بقدر ما يطبعها من ذاكرة وتاريخ شاهد على أمس كفاح وطني وصمود اسطوري من اجل الاستقلال، عندما كانت هذه المرتفعات مسرحا ذات يوم لعمليات جيش التحرير وانطلاق عملياته في حضن قبيلة اكًزناية. مواقع وقمم وغيرها بهذه الحمولة والغنى الرمزي تقتضي تثمين ذاكرتها، عبر تحويلها لوجهات رافعة لورش سياحة ثقافية هنا وهناك، بالاعتماد على السبل الممكنة من قبيل إعداد دليل محلي مستحضر لمواقع معارك ونقط انطلاق عمليات جيش التحرير..الخ، باعتبارها مواقع تاريخية وطنية من المهم حمايتها وحفظها واطلاع الناشئة عليها وعلى رمزتها. بل من المهم تهيئتها لتسويقها ترابيا مثلما هو معمول به بجهات أخرى ودول أخرى، حتى تكون رهن إشارة زوار من داخل المغرب وخارجه، لجعلهم بفكرة تاريخية فضلا عن استمتاع بمحيط مواقع وجمالية بيئة. دون نسيان ما يمكن الاشتغال عليه دعما للورش السياحي المحلي، من عناية بتراث المنطقة الفني الشعبي الفلكلوري وأدبها الشفوي واشكال فرجتها البدوية الجبلية، من قبيل ما يخص أحيدوس أو “الهيت الكًزنايي” ذلك النمط الفني التعبيري الجماعي في رقصته وايقاعه الموسيقي وادائه. ولعله من التعبيرات الأمازيغية التي ارتبطت بالمنطقة عبر قرون من الزمن. لتبقى أيضا مواعيد المنطقة الاحتفائية في بعدها الثقافي والاقتصادي، بدور هام رافع مبرز لمؤهلاتها لجعلها بصدى جهوي ووطني ودولي، وفي هذا الاطار ما يشكله مهرجان اللوز بأكنول من علامة وتقليد ورهان ورؤية استشرافية، لفائدة اقتصاد المنطقة من اجل ما ينبغي من مزيد رعاية وعناية وتحفيز وتوسيع وعاء اقبال واستثمار وتجويد وثروة وأثر نماء محلي.
وضمن ما يمكن أن يؤثث الورش السياحي محليا حيث جبال وغابات أكنول وتزي وسلي واجدير وبورد..، ما يمكن رسمه من مسالك جولات مشي ورحلات قصيرة هنا وهناك، والتي من شأنها تشجيع تدفق مهتمين راغبين عن إقليم تازة والجهة ومناطق البلاد، ومن ثمة التحفيز على إحداث بنيات سياحية أولية مواكبة لهذا النمط من التدفق الترفيهي (النزهة). ولعل من شأن عنصر الاشهار ولوحاته عبر مداخل مراكز دائرة اكنول ( تزي وسلي، اجدير، بورد فضلا عن اكنول..)، أن يكون بدور في إثارة الانتباه والتحفيز على الزيارة والاقامة لبعض الوقت. دون نسيان ما يمكن أخذه بعين العناية من عمل تنسيق وتعاون إقليميا وجهويا، لجعل دائرة اكنول ضمن ما ينبغي من توطين واشعاع وتكامل ووجهة سياحية منشودة. مع ما يمكن أن تسهم به وسائل التواصل الاجتماعي ومساحة العالم الأزرق عبر الانترنيت، من فرص تعريف ومعلومة وتحفيز وجذب وزيارة وحب استكشاف لدى الأخر هنا وهناك من داخل البلاد وخارجها. وحول ما يمكن استثماره أيضا من تفرد مادة سياحية محليا، حضن أكنول لأقدم وأول مؤسسة خيرية بالمغرب تعود لفجر الاستقلال، تلك التي تقتضي تعريفا وإبرازا لِما كانت عليه من خدمات اجتماعية عبر عقود من الزمن، ومن ثمة ما طبعها من ذاكرة رمزية من المهم تثمينها بإدراجها ضمن السياحي المحلي من المواد. ناهيك عما يمكن أن تسهم به وتوفره طبيعة المنطقة الغابوية والجبلية، من فضاءات للتخييم والاصطياف لفائدة الأطفال والشباب بمواقع مؤهلة لهذا الغرض. فقط ما ينبغي من تهيئة وإدراج إسوة بمصطاف ومخيم باب بودير بإقليم تازة ومخيمات أقاليم جبلية أخرى، ومن أيضا جمعيات ذات اهتمامات سياحية باعتبارها روافد داعمة كي تكون بدور في التعريف والتنسيق والبحث عن شركاء، ومن ثمة تقوية الورش الجماعي السياحي وسبل تسويق التراب.
بعض فقط من الرؤية والفكرة والمقترح والحفز، على أساس ما تزخر به دائرة أكنول ترابيا من مؤهلات طبيعية وتاريخية وثقافية وتراثية هامة. من شأنها جعل الفعل السياحي ضمن ورش التنمية المحلية من اجل مداخيل اضافية وتنويع أنشطة وإغناء سبل عيش ساكنة. علما أن كل هذا وذاك من الرهان والتطلع من اجل منجر على أرض الواقع، رهين بمساهمة الجميع كل من موقعه بما في ذلك أبناء المنطقة من النخب التي بمواقع عدة ومناصب معتبرة وما أكثرهم، ولعلهم كفاءات وأطر عليا رفيعة المستوى هنا وهناك بمختلف القطاعات والمجالات. دون نسيان ما يمكن ان يسهم به أبناء المنطقة عن مغاربة العالم من دور وأثر تنموي رافع، إن هو توفر ما ينبغي من تواصل ومقترح وإشراك وتحفيز فضلا عن برامج تنمية محلية مؤسَّسَة.
رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث











