تازة: برنامج تلفزي في حلقة ببؤس غير مسبوق حول تاريخ وتراث المدينة ..

تازة بريس
مفيد كل اهتمام اعلامي وعناية منه بتاريخ وثقافة وتراث مدن المغرب، وبخاصة حمولة حواضرها الشهيرة هنا وهناك من ربوع البلاد، ولعل من هذه الحواضر التي بمكانة وذكر وحضور يصعب القفز عليه منذ العصر الوسيط بدليل ما تحتويه عنها المصادر، هناك تازة بتلك الأعالي حيث مقدمة الريف والأطلس المتوسط ووادي ايناون، الحاضرة التي كان يفضل المؤرخ والباحث المغربي عبد الهادي التازي دوما، ذكرها ونعتها ب “الماسة” في نصوصه وندواته ولقاءاته بما فيها التي عقدها رحمه الله بها ذات يوم. ومفيد أيضا وجميل إعداد برامج تلفزية حول ما تزخر به هذه الحاضرة من إشارات معبرة دالة في كتب التراث والتاريخ وبخاصة منها ذات الطبيعة المصدرية، وحول ما تزخر به ايضا من تحف إنسانية وتفرد ماض وجبل وصور جوار وطبيعة، وذلك من اجل ما ينبغي من إعلام وظيفي تثقيفي تعريفي تنويري للمشاهد داخل البلاد وخارجها.
انما لابد من شروط لعل أهمها صدقية المادة المعرفية في كل جوانبها، من حيث بنائها وتأسيسها ودليلها وما ينبغي من إحالة ومصدر في أي حديث. لتجنب ما يمكن السقوط فيه من عشوائية وتخبط، وحتى لا يتم تحميل ما هو تراثي تاريخي ما لا يحتمل عند كل تدقيق. وهذا لا يستقيم عندما يتم تقديمه باعتباره تراثا وتاريخا يهم حدثا ومكانا ومجتمعا ومدينة / وبيئة وحضارة ما. خاصة وأن المعلومة التاريخية والتراثية موجهة لعموم المشاهدين الذين منهم من هم على درجة من الاطلاع والالمام من باحثين ومتخصصين، وخاصة من هؤلاء أهل البلد من باحثين مثقفين ممن خبروا ضمن حدود محترمة تراث مدينتهم وتاريخها على امتداد عقود من الزمن، وراكموا ما راكموا عبر مؤلفاتهم التي اغنت الخزانة الوطنية دون إغفال قدراتهم المعرفية البحثية والتواصلية، التي تسمح لهم بشجاعة تأطير وتقديم أزمنة وأمكنة وإنسانية ودروب … وتراث وتاريخ مدينتهم. ذلك الذي مع الأسف ما يتم القفز عليه بسبب العمى الذي تتعدد أسبابه، ومن ثمة ما يطغى من بؤس انتاج وهدر وقت وشح معلومة وهشاشة برنامج. ويظهر أن ما هو تاريخ ومسالك ذات صلة فضلا عن سياقات أزمنة وأمكنة ومجتمع .. الخ، ومن خلاله ما هناك من حديث عن مدن المغرب التاريخية. بات سورا قصيرا لدرجة ما يفسد أكثر مما يفيد، في غياب ما يجب من رقابة وتتبع ونقد وتصحيح وحساب، لكنس كل وضيع منه كيفما كان لقب مصدره درئا لكل تفاهة.
نازلة القول ما طبع حلقات برنامج حول مدينة تازة وقد شنف بؤسه مشاهدي القناة الأولى، ويتعلق الأمر ب”أنموكًار” الذي ما كنا لنلتفت لخربشاته، لأن ما جاء به حول بتاريخ وتراث وذاكرة وأعلام ودفين زمن المدينة وأثرها المادي واللامادي، لم يرق لتأطير كل هذا وذاك واحاطته بما ينبغي من معلومة تراثية شافية مفيدة للبلاد والعباد، اللهم ما هو ما عزف عليه من مرور سطحي مألوف في متناول العامة، وقد توزع على ما توزع من هفوات ومغالطات، يتحمل مسؤوليتها لكون ما اشتغل عليه يهم شأنا عاما له كلفته كأرشيف، وأن الأمر لا يتعلق هنا بسوق أسبوعي لإقحام كل شيء من حشو مشهد، بدعوى تلقائية البرنامج وخروج حواراته عن العادة .. في بحث عن تميز وهو ما اسقطه فيما أسقطه من لحظات كاريكاتورية مثيرة للضحك. ولس هدفنا من هذه الورقة حول حلقة البرنامج المذكور عن تازة التي تبين أنها أكبر من مروره، وليس أيضا الوقوف المتأني حول ما ورد عن تراث المدينة وتاريخها، وهو ما قد نعود اليه تنويرا وانتصارا لِما في النصوص والمصادر كشفا لكل ما هو غير مؤسس. بل هدفنا الجانب الشكلي من الحلقات ودرجة حضور الحس التاريخي التراثي، فضلا عما رافق البرنامج من دعاية ومقدمات تخص بعده التوثيقي. ما كل احترام وتقدير لمخرجه لبعد مَهَمَّته عن كل مضان وبحث وانتقاء.
وعليه، من حق سؤال كل مشاهد ومتتبع ومهتم، حول اي بعد موسمي موروث مغمور عمل البرنامج على ابرازه وتقديمه وإغناء خزانة وأرشيف القناة الأولى به؟، وماذا الجديد الذي اكتشفه المشاهد في حلقات ما خصصه “أنموكًار” لتازة ؟، والى اين سافر هذا البرنامج بالنظارة والمتتبعين “توازة” وغير “توازة” حول أزمنة وأمكنة وإنسانية المدينة ؟، وأية روحانيات وتصوف وزوايا وأضرحة وأعلام وأولياء وطقوس ثقافية، فضلا عن حكي دروب وأزقة وأبواب وأثر بشري خاص بالمدينة ؟، وأية مساحة عادات وتقاليد وموسم وقف عليه البرنامج الذي ينطبق عليه المثل العربي الشهير”تمخض الجبل (الفيل) فولد فأرًا” ؟، وأين حتى الاساطير والخرافات والشعبي من المعتقد وغيره من الصور التي ارتبطت بتاريخ وتراث تازة ؟، وأي أمس ورمزية وجدل فرجة حول تراث المدينة، لفائدة المشاهد البعيد وأما القريب المحلي فلا نعتقد أنه أضاف شيئا يذكر لما يعرفه منذ سنوات وسنوات ؟. ثم ماذا تقاسم البرنامج المذكور عبر حلقة تازة مع المشاهد مما كان ينبغي من زخم وتنوع ثقافي ومجالي وروحي وانساني محلي؟. وأي أثر له على مستوى إحياء ما هي عليه المدينة من تراث مادي ولامادي، فضلا عن موسم بحاجة لإنصات وإلتفات وإعلام وتلفزة وبرنامج وحلقات .. ؟، وأية مدارات تميز بها البرنامج “المسكين” وكشف بها عما كشف مما كان غير مألوف ومعروف؟، وأية مشاهد وزوايا معالجة وتقديم عبأ لها البرنامج ما عبأ من معدات “دورن”؟، واي انتقاء لمكامن ومواقع من اجل مشاهد ذات بصمة مهنية إعلامية؟، نقصد هنا مواقع بتقاطعات وتيمة مجالية مساعدة المخرج وتيسير مهمته من اجل فقرات بنوع من الصلة والتكامل والابداع والرمزية والاحالات والاثارة؟، وبعد كل هذا وذاك والحديث دون شجون أي توثيق وتحر وأرشفة عبر البرنامج لفائدة تراث تازة وتاريخها وعمقها الحضاري؟. وهل أضاف “أنموكار” عبر ما جاء في حلقاته من بؤس مؤثث حول شيئا ما، تقاسمه واحتفى به وانتشى واستمتع وأثار اهتمام وعناية وشغف أهل البلد حول تراث مدينتهم وتاريخها؟، ثم اية ذاكرة جماعية تفرد البرنامج بإثارتها عوض ما اجتره من مألوف محلي، قتل حديثا وندوة وملتقى وسماعا وكتابة وتداولا بين عامة الناس منذ عقود من الزمن.
يبقى الى حين أقواس أخرى حول هذا الهزال، أنه من المفيد استحضار جملة اسئلة تحض ما لا يزال يلازم تازة وقدرها من أجل أفق مكانة وتنمية. ومن هذه الأسئلة طبيعة الهشاشة التي وكأنها قدر محتوم؟، ولماذا ما هناك من تجاهل يخص موارد المدينة وكفاءاتها ؟، عوض ما يطفو من حين لآخر من أعمال مثيرة للشفقة، من قبيل ما أطل به على تازة “أنموكًار” عبر حلقات ببؤس غير مسبوق عوض ما كان ينبغي أن يكون، ربما للمسألة علاقة بما أطر هذا الهزل الهزال من جهة مشرفة بئيسة ومن حسابات غير جادة ولا منفتحة على أهل الشأن وليس كل أهل شأن أهل شأن. مجرد اشارات للتاريخ وللبرنامج المذكور وللقناة الأولى الوطنية، التي نفخر بما أنجزته من برامج ثقافية وتراثية وحضارية رفيعة، هي بقدر كبير من القيمة المضافة لفائدة ذاكرة المغرب والمغاربة الجماعية، وبصمات المدن المغربية التراثية عبر العصور بدليل ذخائر شواهدها المادية واللامادية، من قبيل حاضرة تازة التي قال عنها لسان الدين ابن الخطيب ذات يوم” بلد امتناع وكشف قناع ومحل ريع وايناع، ووطن طاب ماؤه وصح هواؤه وجلت فيه مواهب الله وآلاؤه”. المدينة الجبل التي لم تفلح حلقة “أنموكًار” التي قالت كل شيء ولم تقل أي شيء، ما جعلها باهتة شكلا وهندسة وإعدادا وانتقاء، عاجزة عن بلوغ وسبر بعض أغوارها وتراثها وما يطبعها من تفرد زمن ومكان، من اجل تقديمها للمشاهد وفق ما يليق بعظمة تراثها وتاريخها وحضارتها وانسانيتها.











