حول ذاكرة أمكنة تازة وجوارها من خلال ارشيف المدينة “جنان البردعي” ..

تازة بريس
عبد السلام انويكًة
من أمكنة جوار تازة كما يظهر من خلال الصورة اعلاه، ما يعرف في الذاكرة الترابية محليا ب”بلاد الشقة” حيث أحد سفوح جبال الاطلس المتوسط الشمالي الشرقي المطلة على المدينة، وحيث قبيلة غياتة الجبل على مستوى جنوب المدينة ومصادر مياهها المتدفقة من الأعالي. وحيث سلسلة مسالك وعرة وفجاج ومجاري كانت مسرحا لوقعة شهيرة في علاقة المخزن بالقبيلة زمن السلطان الحسن الأول وقد عرفت ب”وقعة الشقة”، التي جعلها صداها بذكر هنا وهناك بين مصادر تاريخ مغرب هذه الفترة الحرجة من أواخر القرن التاسع عشر. وفي تماس مع “بلاد الشقة” شمالا يظهر منخفَضُ مُنحَدر يعرف محليا ب”جنان البردعي” أو “بلاد المَرْجْ” (جمع مرجة)، التسمية التي لا تزال عالقة في الذاكرة فضلا عن تناقل لها بين سلف وخلف. وبهذا المكان الغني بمياهه الباطنية التي لا شك أن لها علاقة بالجبل وبمنبع رأس الماء (راس الواد)، ومن ثمة ما جعله برطوبة وفرشة مائية وتربة مبتلة وسيلان سطحي دائم وهو أمر طبيعي مادام عبارة عن”مروج” منذ القدم. ولعل “جنان البردعي” هذا المكان بالنظر لطبيعة تكوينه هو بمخزون مائي باطني عال كان ولا يزال يزود ما يعرف ب “عين أنملي” (عين النساء) الشهيرة. بل مياهه من شكلت بحيرة واد “أنملي” التي اثارت انتباه المعمرين الفرنسين بالمدينة ليتم فيها إحداث مسبح بلدي كان يضرب به المثل، من حيث مياهه التي كانت تستقر في 24 درجة صيفا وشتاء. ومن هذه البحيرة ايضا كان ينبع واد “أنملي” الذي كان يقطع اسافل المدينة من جهة الشرق(بساتين وجنان سيدي عيسى)، قبل أن تصل مياهه الى بلدية المدينة لتزويد حديقتها وضايتها بهندستها الكولونيالية المتفردة، بمياه متجددة دوما كانت بدور هام فيما طبعها من حياة بيولوجية خاصة منها ما كان بها من أسماك، قبل أن تنتهي مياه أنملي الى واد الدفالي المجاور .
جنان البردعي أو بلاد “المَرْجْ” كما يظهر من خلال الصورة عن الارشيف الفرنسي، من خلال ما هناك من اشارات تاريخية وثائقية كانت تعرف ايضا ببلاد “مرَاوَح لجْمَال”، التعبير الترابي الذي يستشف منه كون المكان كان وجهة لاستراحة الابل ذات يوم من الماضي، بحيث ربما ما كان يصل لتازة من قوافل تجارية قادمة عبر مسافات بعيدة (تلمسان، سجلماسة، توات، فاس..)، والتي بعد إنزال حمولتها من سلع وبضائع بفنادق المدينة، كانت تحط رحالها به من اجل الاستراحة لبضعة ايام، فضلا عن الرعي لِما يتوفر من كلأ (اعشاب مروج) وماء خاصة خلال فترة الصيف مع ارتفاع درجة الحرارة. ولعل أمر هذا وذاك وارد اذا أخدنا بعين الاعتبار كون”جنان البردعي” أقرب الى مدخل المدينة الرئيسي لعوامل طبغرافية غير خافية منذ العصر الوسيط. ولأن عنصر الإبل بجوار المدينة بحكم ارتباطها بالمنطقة الشرقية عموما، ظل حاضرا مؤثثا بشكل معبر الى حدود العقود الأولى للحماية الفرنسية. وعليه قد يكون جنان البردعي” اشتهر قديما لدى الاهالي ب”مرَاوح لجْمَال” وفق إفادة وثيقة بحوزتنا. ونظرا لما طبع المكان من جوار للمدينة وتوفر لعنصر الماء وسهولة تلاق بين ساكنة الجبل (غياتة) وساكنة المدينة، قد يكون مكان انعقاد أول سوق اسبوعي (سوق الاثنين) وفق ما يستشف من وثيقة عن الأرشيف الفرنسي. وهذا السوق كما يظهر في الصورة ربما هو الذي سيتم نقله الى جوار اسوار تازة بعد استتباب الأمن والاستقرار، وإنهاء ما اثار انتباه “شارل دوفوكو” وتحدث عنه حول علاقة المدينة بقبيلة غياتة في رحلته الاستكشافية الاستعلامية للمغرب اواخر القرن التاسع عشر في اطار مشروع فرنسا الاستعماري للبلاد.











