مائة سنة على حدث استسلام زعيم حرب الريف الرسمي بتازة 1926- 2026

تازة بريس
عبد السلام انويكًة
ورد حول زعيم حرب الريف الذي خاض حربا شعبية منظمة ضد الاستعمار الاسباني والفرنسي بين 1921 و1926 قبل مائة سنة، وقد رفع هامة الريف والمغرب عاليا وجعلهما مثلا يقتدى به بين الأمم التي ابتليت بالاستعمار وعانت منه، مسطرا للتاريخ ملحمة وبطولة وصفحات مقاومة خالدة على عدة جبهات. ورد عنه في حديث للزعيم الصيني “ماو تسيتونغ” عندما استقبل سنة 1971 وفدا فلسطينيا زار بكين سائلا عن خبايا الحرب الشعبية وسبلها، قائلا : “جئتم تريدون أن احدثكم عن حرب التحرير الشعبية، في حين أنه يوجد في تاريخكم القريب محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي هو أحد المصادر الأساسية التي تعلمت منها حرب التحرير الشعبية”.
ولعل ابن عبد الكريم هذا بعدما تعرض لحصار وتضييق شديد فضلا عن ضرب بأسلحة فتاكة محرمة دوليا كانت بأثر في حسم الحرب الريفية، وبعد ما بلغه من صدى دولي واهتمام واسع تجاوز الحدود إن في الأوساط الاستعمارية أو التنظيمات والقوى التقدمية في العالم، وبعدما خلف وراءه تراثا زاخرا بدروس وتجارب في حرب العصابات والاعتماد على الذات. ارتأى حقنا للدماء وضع حد للقتال مع التحالف الاسباني الفرنسي، موجها دبلوماسيا خطابا للقائد الفرنسي “كوراب” في 25 ماي 1926 يعرض فيه لانهاء الحرب وضمان الأمن لأسرته ولمن معه من مجاهدين، وذلك ما حصل حيث تم نقله صوب تازة عبر بلدة “بورد” بتراب قبيلة كًزناية في أول مرحلة، والتي كان بها مركز حربي فرنسي بقيادة الجنرال”ايبوس”. علما أن قرار استسلامه للقوات الفرنسية جاء بعد تشاور مع محيطه من مسؤولين وأعيان، وبعد تواصل مع قيادات عسكرية فرنسية ب”تاركًيست”، وبعد أيضا اطمئنانه على اسرته وسبل انتقالها معه الى حيث مصيره. وعليه، تم التوجه به عبر بلاد بني عمارت ثم “بورد” كما سبقت الاشارة لذاك والذي منه ركب سيارة عسكرية أوصلته عبر أكنول الى تازة. هكذا اضطر زعيم حرب الريف للانسحاب من الميدان باستسلامه صبيحة 27 ماي 1926، عندما أصدر أوامره الأخيرة لمرافقيه وحراسه مطالبا إياهم بتركه لحال مصيره، حيث توجه الى”تاركًيست” التي بها سلم نفسه للقوات الفرنسية قائلا :” أسلم نفسي وما أملك لفرنسا وأنا واثق من سماحتها “، قبل أن يرد عليه أحد القادة الفرنسيين (ايبوس) “أشكركم على بدل أنفسكم من اجل السلام بين شعبينا وستكون فرنسا ممتنة لكم به”.
خلال هذه الفترة الحرجة من زمن مغرب الحماية حيث عشرينيات القرن الماضي، وما كانت عليه البلاد (المنطقة السلطانية) من سياسة فرنسية عرفت مكراً ب “التهدئة ” فضلا عن صدى حرب الريف. بدت تازة التي حط بها الزعيم الريفي رحاله في طريقه لمنفاه، مقبلة منذ ماي 1925 على تطورات خطيرة تناولها ليوطي في تقارير سرية له. إن من حيث حجم ما كان من إعداد للقوات في إطار تحالف إسباني فرنسي ضد حرب الريف، أو ما كان عليه ابن عبد الكريم من تعبئة عندما توغلت قواته غير بعيد عن تازة والتحاق القائد الخلادي بالمقاومة محليا. علما أن دعاية ابن عبد الكريم كانت أكثر قوة أواخر صيف 1925 وقد نجحت في حشد الرجال دعما لثورته. بحيث أعلنت 72 أسرة من قبيلة البرانس خروجها عن السلطة الفرنسية، فضلا عن قائد قبيلة البرانس “الخلادي” الذي فر إلى بني عمارت بالريف شمالا. وقد أقدم عند اقتراب قوات ابن عبد الكريم من مجال البرانس، على استدعاء مقدم فرنسي من تازة ومعه أربعة ضباط من أجل الضيافة. ولمّا تحقق له الكمين وتأكد عزلهم عما كان بحوزتهم من أسلحة، قام بقتلهم جميعاً. لينتقل بعد ذلك رفقة عائلته إلى قبيلة بني ورياغل ويستقر بزاوية سيدي عيسى، حيث ظل إلى جانب المقاومة الريفية إلى أن تمكنت إسبانيا من احتلال الريف، قبل أن يهاجر إلى تطوان والانخراط في الجيش الإسباني بعد تعهد الحكومة الاسبانية بعدم تسليمه لفرنسا. وكانت قوات الثورة الريفية بقيادة القائد “بوحوت”، قد دخلت شمال تازة (البرانس) بحوالي أربعمائة رجل سنة 1925، حيث جرى هزم موالين للقوات الفرنسية عن القبيلة بزعامة الخليفة “اركًوكً”، لتلتحق كل القبيلة بصفوف ثورة الريف ثم قبيلة التسول لاحقا. ولم يكن حجم قوات الريف وخطورة الوضع ما أخاف الفرنسيين، إنما ردة قبائل كان يصعب الشك في اخلاصها لنظام الحماية؛ فبمجرد انسحاب القوات الفرنسية من خطوط خلفية، انتفضت وتحالفت مع قوات ابن عبد الكريم الذي احتضنها بقوة. وقد خلفت ردة القبيلتين وضعية مكنت قوات الريف من بلوغ تازة وقطع الطريق بينها وبين فاس لدرجة تفكير القادة الفرنسيين في اخلائها، وخوفاً من فقدان الاتصال بالجزائر وقطع التموين ورد حديث عن استعمال غازات سامة ضد مقاومة بالمنطقة كانت محصنة في خنادق. ولعل ما جمع قبائل شمال تازة بحرب الريف من ذاكرة مقاومة ولو لفترة، جعل خبر استسلام ابن عبد الكريم بتأثير كبير عليها لدرجه عدم تصديقها له. جدير بالاشارة الى أن ضمن قبائل تازة التي اهتم بها قادة حرب الريف (البرانس، اتسول، غياتة)، كان بها رجل وطني بنفوذ كبير “عبد العزيز بن علال الوزاني”، مكانته الدينية وشخصه الصوفي جعله أكبر داعية لثورة الريف بالمنطقة، بل كان بدور هام في تعبئة هذه القبائل للانضمام لحرب الريف. ولمكانته اقترحت عايه السلطات الفرنسية القيام بمهمة سياسية لدى ابن عبد الكريم الا أنه رفض، وهو ما اغضب المسؤولين الفرنسيين الذين منعوه من زيارة القبائل التي له بها نفوذ محليا.
يذكر أن أخبار حدث استسلام ابن عبد الكريم ومجرياته، تباينت في الصحافة الفرنسية التي أوردت أنه نقل إلى تازة حيث قدم استسلاماً رسمياً أمام الجنرال” بواشو” بثكنة “جيراردو” يوم 29 ماي 1926. ولعلها مناسبة استغلها المقيم العام الفرنسي بالمغرب آنذاك “ستيج”، معبرا فيها للقبائل عن رغبة فرنسا في تسامحها ونسيانها للأخطاء من أجل التعاون والسلم، مستهدفا توجيه رسالة لمقاومة كانت لا تزال قائمة ب “بقعة تازة”. وعليه، فالإبقاء على ابن عبد الكريم أسيراً لمدة بتازة لم يكن اجراء بريئا، بحيث بقدر ما استهدف تسويق صورة فرنسا القوية المتحكمة في الأمور، بقدر ما كان رسالة موجهة لمقاومة جبلية بجوار تازة حيث بني وراين حتى لا تكون بنفس مصير ما انتهت إليه ثورة الريف. وكان استسلام ابن عبد الكريم ونقله لتازة حدثا مدويا تلقى على إثره المقيم العام بالمغرب تهنئة من داخل البلاد وخارجها، خاصة من فرنسا والجزائر وكذا من المقري رئيس الحكومة المغربية. وكانت الصحافة الفرنسية المواكبة للعمليات بالمغرب، قد أوردت أن زعيم حرب الريف استقبل بشكل سريع من قِبَل باشا تازة وأنه كان يتكئ على عصا، وبتازة ايضا جرى استقبال اسرى فرنسيين أطلق سراحهم بعد ما كانوا في قبضة القوات الريفية. وأنه بحضور عائلاتهم، جرى تنظيم احتفال خاص على شرفهم، بمشاركة عدد من الفرنسيين المقيمين بالمدينة. جدير بالاشارة الى أن ابن عبد الكريم في حربه كان يتوفر على جواسيس متعاونين، منهم نذكر “جوزي كليمبس” من أصل ألماني كان هارباً من اللفيف الأجنبي الفرنسي، بحيث عندما استسلم ابن عبد الكريم اختفى قبل القاء القبض عليه بتازة. وهنا ما يطرح من سؤال حول الاختراق والتنقل في ظرفية أمنية صعبة، ومن سؤال في علاقة بتازة التي كانت وجهة أولى مؤقتة لقائد الريف قبل التوجه به إلى منفاه.
وكانت ثورة الريف بشمال المغرب في تماس مع ممر تازة الاستراتيجي، قد أثارت اهتمام الحزب الشيوعي الفرنسي الذي عمل عبر صحافته ونوابه في الجمعية العامة الفرنسية، على دعمها بدعوته الجنود الفرنسيين للتعاون مع الريفيين مع تعبئة الشعب الفرنسي لعدم التضحية بالأرواح والمال، معتبراً ما كانت بصدده فرنسا في المغرب حرب استعمارية وإمبريالية. ولعل حرب الريف التي دفعت يسار فرنسا لدعم القضية المغربية، كادت أحداثها أن تعصف بوضع المغرب الداخلي وجعل حصيلة ما سُمي بالتهدئة فيه في مهب الريح. علما أن خسائر فرنسا بجبهة الريف المفتوحة على تازة كانت مكلفة بلغت حوالي ألف قتيل وثلاثة آلاف ومائة جريح وآلف مفقود، وأن تحقيق الانتصار في حرب الريف تطلب ترسانة عسكرية ضخمة وثلاثة ماريشالات وأربعين جنرالا ونصف مليون جندي فرنسي وإسباني. وأن مما ميز عملياتها من تطورات، مشاركة طيارين أمريكيين في القتال إلى جانب فرنسا، سبق لهم أن ساهموا في جبهات قتال أثناء الحرب العالمية الأولى. ختاما يذكر أنه على إثر إنهائها لحرب الريف التي كانت تهدد مناطق نفوذها، وبعد نقل زعيمها واستسلامه ثانية بشكل رسمي بتازة، نظمت القوات الفرنسية استعراضاً عسكريا رمزيا بتازة خريف سنة 1926.
رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث
















