سعدات اللي عندو الزيت ولعسل و الكرموس التي اقسم بها الله جل وعلا

تازة بريس
سعيد عبد النابي
لم يحظ بنصيبه من سيارة الإسعاف كما تمنى، أول وهلة رآها حسب من سينقل فيها ذي حظوة، وان أفقده المرض وعيه، منذ رمق السائق يركنها بين بنايات الحي الإداري وهو يردد، دبا عاد ربي ارحمنا .. جابو نا لانبيلانص بالكولور.. رئيس جمعية أبناء المهاجرين بالديار الأوروبية أتاهم بها، تمت العملية في يومين، كأنه ورث شيء من ملك سليمان عليه السلام منحه القوة ليفعل ذلك، لفرط انبهارهم بفعله سمع بعضهم يناديه بالطفل د الطاهر بدل اسمه الحقيقي عباس، نزلت المفارقات على اللحظة كالشهب، مجاملات السيد القائد لم تكن كمجاملات السيد رئيس الجماعة، وتصريح الغوغاء لم يفرز فيه الإهانة عن المدح والإشادة، ومتى جادت الفظاظة بشعر استقام له السحر؟
يكفيه فخرا سوقه لها بيديه، يكفيه قطعه المسافات الطوال، تكفيه المجازفة دون وجل أو كلل، وتلك السعادة التي رآها تنط من الأعين وهو يضع كثلة الألوان الزاهية في الوسط أذابت فيه كل المحن، ابتهج الفقيه كثيرا حينها، قال لصاحبه الشيخ : دبا و الله اسيدي الواحد غي يمرط … وفيها يتمغط… الركبة فيها داويك قبل ما يشوفك الطبيب. ترامقا لمدة من الزمن، لحظات أثقلتها الأحاسيس رغم قصر الأمد، تجمدت فيها الحركة، أبقت الوجوه ثابتة، من كلتا الجهتين، نظرات عيون الفقيه نهشت ملامح وجه الشيخ، وكذلك الأمر مع الأخير، وان اختلفت الطاقات، أو الحرارة، أو الحماس، شابت النظرات حيرة في جهة، وفي جهة أخرى تساؤلات، طبعا بطعم غرور رجل المخزن، حركات الخدين، و الشفتين، صارت أدوات تشكيل، لتكتمل قراءة المعاني، و لمزيد من التوكيد أضاف الفقيه، ملاحقا أي شك عند صاحبه ليمحقه : عاد البارح والطريق ديالنا كان ما دسلك فيها غي البكمة، وحتى البكمة فيها و فيها..غي الطيور اللي كانوا متعين.. الواحد منين اينزل عليه لقضا ويمرط كانوا ايحملوه اما ع لكتاف كي الميت، او على طهر دلبغل كي لمرصص دفرنسا ايام المقاومة، لمخير اللي لاباس عليه كان ايلاغي على مول مازدا زرقة ويقول لو يوا انده، ومنين ادوصل للصبيطار فديك الحالة، شكو يرحب بيك ؟ من الباب ايعرفوك لاصق، يخرج منك لوسخ واها، اما عشرة الدراهم و عشرين و مية. فين الجياب الصحاح دي يحوطوها، وادجبر الفرمليا ادبكي مع نوفل ورزق وفهد ، ومناين ادوصل للباياص د قدور ادقول لو: صبر اعمي ..دبا بهاد لامبيلانص.. يستقبلونا بالزغارت.. بحال العرسان.. ثم نحى بصره إلى ابن الدوار، المهاجر المغوار، ورافقت نظراته ابتسامة اطمئنان عميق، ضرب جذوره غور الأعماق، كان يسلم المفاتيح للسيد القائد هبة، و يشترط عليه مجانية الخدمات، سيارة اسعاف صفراء فاقع لونها تسر الناظرين أحدقت بصفرتها حمرة قانية جعلت لها إطارا، و الكتابة، باللون الأزرق براقة تكاد تضيء، من يملك سيارة إسعاف كهذه التي عند جماعتنا؟ من؟ .
لولا تدخل السيد رئيس الجماعة لساد القرية الرخاء وما نقصت منها بركة، كونه مباشرة بعد التسليم رشح ابن أخته سائقا بصفة رسمية، حقيقة لا شيء في دوارنا يكتمل، كان باب المروج في ألواح القدر اختزلت صورة السجن واللا خروج، انزلقت السيارة بالفتى الغر انقلبت على ظهرها في إحدى الشعب، كان همه الاحتفال بظفره لما ولج باب نزل فريواطو، حيث أمضى ليلة حمراء أترعت مجونا، كأنه أراد إكمال ما نقص الإله ديونيزوس من ليالي المتع، أو كأنه والمومس بجانبه، يكمل ما نقص يطو والراعي، مجنون ليلى، عنترة وعبلة، من ليالي عشق لم تخطر على بال، لكن الليلة شذت عن إيقاع السرور، حادت عن مسار الهناء، بدأت بغروب شاعري، عبقته غيوم حمراء أحدقت بالشمس، وهي تتخلص من وهجها و حرارتها، كأنها تنقع في حمام حزن لذيذ، و كآبة فاتنة، يستمد منها الليل حسنه و بهاءه، وتناثرت قطرات الرذاذ على زجاج النوافذ كالنذر تنبيها للغافلين، جعل استمرارها الى السحر الليلة شاتية، كانت السماء بزخاتها ورعدها تعبر عن غضب، كان هطول الطل في البداية يوافي سعادة الساكنة بما أحرزوا، لكن السماء مخلوق عجيب، تضيق درعا بأخطاء البشر، وبينما كان ابن اخت رئيس الجماعة منشغلا بعد الكؤوس التي أفرغها في جوفه، ليدرك حدود ذروته، كي يتفاخر بين ندماءه مستقبلا بالعدد، كانت السماء تهيج، رحمة بارواح ستهدر بعد الثمالة، بعد توغل الفساد، فحولت الطل و الرذاذ في غضب الى صيب فيه ظلمات و رعد و برق، وصار الحادث أمرا مقضيا، وقضاء الله لا مفر منه و لا مهرب: يومها استعمل من أراد التفكه جملة / كورا على قفاها/ كانت قمة في وصف ميزته دقة اختيار الحرف والمقاطع الصوتية، وصارت لانبيلانص للرعاة متنفسا، لعبوا بعجلاتها طيلة يومين، تسلل بعضهم عبر الأبواب المكسر زجاجها إلى الداخل، بحثا عن أشياء تشبع فضولهم,
ولولا خوف أغلبهم من المخزن، ذاك الخوف الملازم للإنسان كفطرته، لولا قلة جرأتهم أو انعدامها بالمرة، ما بقي بها شيء صالحا، فضل المرعوبون الإحداق بها، إمعان النظر فيها، محللين وضعها إلى أن تصرف السيد الرئيس. لأربعة أيام متتالية بقيت السيارة مقلوبة على ظهرها كضفضع نافق يكاد بطنه ينفجر. في انتظار دورة يدرج الأعضاء في برنامجها مشروع الإصلاح ليناقشوه ويتبنوه، لذلك، ورفقا بالساكنة، رجا الأعيان رؤوس المعارضة التزام الصمت ونسيان حق الفيتو حتى يتم الاتفاق والإصلاح. تردد على الألسن كيف نال إبن أخت الرئيس رخصة السياقة، في قصة مثيرة، مضحكة وطويلة، مضمونها صباح يوم التباري, لمحه البعض يومها يحمل سلة ملأى بأنواع التين، الغدان، الشتوي، عنق حمام، النابـوت، الزرقة، جاعلا وجهته محطة سيارات الأجرة، ومن يرى بالمحطة، تعرف وجهته، المدينة لا محالة، وبالضبط تازة، فاكهة الغدان لا تتحمل كثرة الحركة وطول المسافة، بدا الأمر في بدايته عاديا، الكل يستفيد من غلات أراضيه ببيعها، ما العيب؟ لكن من شاركه التواجد بساحة التباري حول بملاحظاته المعنى، أو لنقل، أكمل ما كان ناقصا في فهم الأولين، لمح بتلميحات أثارت شكوكا، قال أن حضوره كان شكليا، وعلى خلاف باقي المتبارين تعاملت معه لجنة التحكيم كضيف مدلل، ومن رأى .. ليس كمن سمع، قالوا تسلم الرخصة كانت غايته، أما الإجابة عن الأسئلة، سعدات اللي عندو فدارو الزيت ولعسل و الكرموس. الفواكه التي اقسم بها الله جل وعلا، والنحل الذي ذكر في الكتاب الحكيم كأنبياء يوحى اليها ما يوحى، والشراب الذي يخرج من بطونها شفاء، هي ما نملك في الدوار عملة محلية تليدة وأي عملة هي؟ شافية، كافية، لذيذة،.
والساكنة، على الرغم من تعطل فرص الاستشفاء بانقلاب السيارة، لم تعاتب أحدا، ولا لامته، حمدت الله كثيرا، رددوا فيما بينهم، أن الله ما أوقعه في الشعبة، إلا لحكمة جليلة لا يعلمها سواه، كأنهم لمحوا في أقوالهم، ان السائق بدون تلك الحادثة، كان سيفني أبناء الفقراء جميعا. فكر السي حميدة في أصحاب السيارات بجوار إقامته مليا، خطر على باله صاحب السي 15، محمادي د العربي، لكن نفسه حدثته في همس، جاءه بقوة الصراخ، أنها مهترئة، و ببابين، لا تصلح لايواء جسد الفقيه الذي قارب وضعه وضع الجثمان، فعبر عن رفضه الفكرة برمتهاـ بعصر شفتيه.. ممتعضا، خطر على باله بوعوينة صاحب الرونو4، لكنه لوح بيمينه في الفضاء بقوة، كأنه يرشق العفاريت بشيء لا تراه الأعين، فأجثت اصول الموضوع من تفكيره بالمرة هي بأربعة أبواب، أي نعم، لكنها من عهد ذي القرنين، يستمتع رجال الدرك خارج المدار الحضري، و رجال الأمن داخله، باعتراض سبيلها عند كل سد أو منعطف. أين السيارات رباعيات الدفع التي ملأت باحة الدار قبل دقائق مضت؟، أين أبناءه اللذين ملكوا أفخرها ؟ لم يبق في خدمته سوى هاتفه النقال، ولكي يتصل بمن أراد عليه العودة إلى الداخل، لأن التغطية بالدوار ككنز يستوجب على الواحد التنقيب.
كاتب أديب وفاعل جمعوي











