التاريخ الديني للأطلس المتوسط بعيون كلية الآداب سايس فاس ..

حفظا لما هناك من ذاكرة جماعية واستجلاء منه لمعالم إرثه الرمزي في التعايش وقيم الحوار والتسامح، احتفل المغرب مؤخرا بالذكرى السبعين لـ “اللقاءات الدولية لتومليلين 2026” بمنطقة أزرو. حدث بقدر ما استهدف إعادة قراءة سياق لقاءات “تومليلين” وقوفا على حمولتها الرمزية وتأملا في امتداداتها بما يبرز قيمتها، بقدر ما اعتبر هذه اللقاءات محطة وتجربة رائدة في ترسيخ ثقافة انسانية الانسان. تلك التي كانت في بدايتها مجرد فكرة بسيطة تقاسمها اشخاص عن اهتمامات عدة، ارتأوا اللقاء لتبادل رؤيتهم حول هذا وذاك من اختلاف تعبير بعد ثلاثة أشهر فقط من استقلال المغرب. وقد حصل ما حصل من تقاسم وفضاء وانفتاح وتعزيز لرؤى تنوع وتباين، اثر ما سجل من حروب وحركات تحرير وتطور اجتماعي وثقافي، كان له ما كان من اثر على الانسانية خلال القرن الماضي. هكذا كان لقاء “تومليلين الدولي الأول بأزرو مجالا لتفكير جماعي من أجل أفق سلام وأمن أوسع للإنسان، وقد أطرته مشاركة ستة وعشرين دولة فضلا عن ثلاثين جامعة عن العالم (اروبا، أمريكا، اسيا، افريقيا)، والمناسبة بحسب شعارها كانت خدمة حوار ثقافات وحضارات وتراث ديني روحي.
اللقاءات الدولية ب”تومليلين” 2026 هذا الحدث الذي توزع برنامج اشغاله أيام 6- 7-8 يوليوز الجاري بين الرباط وأزرو، وقد جمع مسؤولين مؤسساتيين باحثين أكاديميين فضلا عن مشاركين سابقين مغاربة وأجانب. صادف وتزامن مع حدث علمي متميز على صعيد فاس حيث جامعة سيدي محمد بن عبد الله، وقد تمثل في مناقشة أطروحة جامعية بقدر كبير من القيمة المضافة والأهمية والتناغم مع الحدث والجدل والأفق والتاريخ والذاكرة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس. أطروحة نوعية في اثاثها وقد جاءت موسومة ب”الرهبان في الاطلس المتوسط في الفترة ما بين 1928- 1968″، من إعداد الطالب الباحث محمد زروال تحت اشراف الدكتور لحسن اوري. بقدر ما طبعها من إشارة وكذا احالة حول خريطة وطبيعة الاهتمامات البحثية التاريخية الجامعية المغربية وتراكماتها، بقدر ما ابانت أن الجانب الثقافي الاجتماعي الروحي لا يزال دون ما هو شاف من عناية لدى الباحثين، وأن جل الدراسات توجهت لما هو سياسي وعسكري ودبلوماسي واقتصادي خلال مغرب القرن التاسع عشر ومغرب الحماية، وأن البحث فيما هو ديني بالمقابل لا يزال بحاجة لإنصات وإلتفات من اجل نصوص علمية مرجعية. علما أن الدين كان طيلة هذه الفترة الحرجة من زمن المغرب، عنصرا حاضرا محركا لما كان من اطماع استعمارية في البلاد، مرسخا لنظام حماية فيها لاحقا، بل مرتكزا لما حصل أيضا من حركة وطنية ومقاومة مسلحة انتهت بالاستقلال .
اطروحة ” الرهبان بالأطلس المتوسط ..” التي نوقشت مؤخرا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس، توجهت بعنايتها لموضوع تاريخي بقدر كبير من الأهمية مستحضرة ما طبع ضفتي البحر المتوسط من تفاعل ديني (الكنيسة) من خلال دراسة حالة المغرب في عهد الحماية وفترة مطلع الاستقلال، مع التركيز زمنا ومكانا على عملية توطين الرهبان بجبال الأطلس المتوسط، آخذة بالاعتبار تجارب هؤلاء على مستوى مناطق محددة “القباب” ثم “أزرو”. وكانت خلفيات اختيار مجال الدراسة ومساءلة أدوار سلطات الحماية الفرنسية فيما حصل، إشكالية الأطروحة الأساس التي استهدفت رصد ظاهر ومضمر وظائف هؤلاء، فضلا عن ابراز مستويات أثرهم الديني / الثقافي. ولعل الأطروحة منهجا تدخل في حقل البحث التاريخي المنوغرافي تحديدا تاريخ المغرب الديني الثقافي الاجتماعي، مع أهمية الإشارة الى أن مبحث موضوعها غير مسبوق على مستوى ما تناوله البحث التاريخي الجامعي لحد الآن حول زمن المغرب المعاصر، وأنه رغم ما يطبعه من حساسية معرفة وفكر وقراءة فضلا عن خلفية، يسجل له كونه ملأ بياضا في المجال وبالتالي قيمة مضافة للمكتبة المغربية من اجل اغناء النقاش والتراكم، وأنه ببعد استشرافي محفز على أبحاث أخرى ضمن نفس النهج على مستوى جهات أخرى من البلاد، في أفق ما ينبغي من عمل تركيبي بين هذا وذاك لفائدة تاريخ شامل متكامل.
أطروحة ” الرهبان بالأطلس المتوسط ..”، التي انتهت الى جملة أجوبة بقدر كبير من الأهمية المجالية الترابية والتراثية والتاريخية فضلا عما هو ذاكرة جماعية، وقد تأسست على أرشيف وبيبليوغرافيا هامة علما طبعا ان ما تم بلوغه من نتائج يبقى غير نهائي لكون التاريخ والبحث في التاريخ وحتى المعلومة التاريخية تتجدد مع تجدد الوثيقة والفكرة والمقاربة. توزعت على أبواب ثلاثة جاءت متوازنة متكاملة، الأول منها رصد عام تقاسمته ثلاثة فصول، وأما الثاني فقد خصص لدراسة حالة منطقة “القباب” وقد تقاسمته ثلاثة فصول، فيما تناول الفصل الثالث والأخير حالة منطقة أزرو “دير تومليلين” وقد تقاسمته بدوره فصول ثلاثة. وقد انتهت لجملة استنتاجات منها نذكر : – أهمية الموضوع في توسيع وعاء نصوص قراءة تاريخ المغرب المعاصر والراهن من زاوية ثقافية دينية. – أهمية التأسيس في الدراسة على ما هو عام تاريخي مجالي قبل الانتقال لِما هو خاص محلي “الأطلس المتوسط وتجارب الرهبان..”. – كون التدافع الديني والحضور المسيحي في مغرب أمس، جزء من تاريخه مع الآخر ضمن مستويات أزمنة وأمكنة (ساحل، داخل..) فضلا عن وقائع وأحداث. – الأثر الديني فيما تعرض له المغرب من ضغوط استعمارية أواخر القرن التاسع عشر، ما تقوى أكثر عمليا ومجاليا بعد فرض الحماية على البلاد إثر اتفاقية 1912. – تجارب الرهبان التي تم الاشتغال على مسارها بالأطلس المتوسط، شكلت جزءا من سياق استعماري بالمغرب وإفرازاته. – هشاشة بيئة الأطلس المتوسط الاجتماعية التي كانت بأثر في انفتاح الساكنة دون ردود رافضة. – أدوار الرهبان وخدماتهم ومن ثمة تجاربهم كانت بأثر في تثبيت نظام الحماية بالمغرب. – الرهبان كانوا استمرارا لمن سبقهم من فاعلين “شارل دوفوكو ..” مكملين ما كانوا عليه من أهداف وتطلعات. – مشروع الرهان بالمغرب حالة “الاطلس المتوسط”، كان بأدوار روحية فضلا عن خدمات منوطة توافقت مع مهام السلطات الاستعمارية بالمغرب. يذكر أن اطروحة ” الرهبان في الأطلس المتوسط من 1928 الى 1968″، التي يمكن اعتبارها عنوانا للموسم الجامعي التكويني الحالي 2025- 2026 بكلية الآداب سايس فاس، لحمولتها العلمية البحثية ونهجها وقيمتها المضافة فضلا عن مستوى توثيقها وطبيعة إشكالية موضوعها. جرت مناقشتها مؤخرا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس عن مركز الدراسات في الدكتوراه والآداب والعلوم الإنسانية والفنون وعلوم التربية، أمام لجنة علمية مقتدرة جمعت الأستاذ الدكتور سيدي محمد الكتاني، الأستاذ الدكتور عبد السلام انويكًة، الأستاذ الدكتور على العلام، ثم الأستاذ الدكتور لحسن اوري مشرفا، وقد نال صاحبها شهادة دكتوراه بميزة مشرف جدا.












