واقعة سبتة وسؤال استباقية السياسات العمومية لعلاج شروط الأزمة ..

محمد النميش
جامعة سيدي محمد بن عبد الله
لم تعد موجات الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت تتكرر كلما توافرت ظروف معينة، من دون أن تنجح التفسيرات التقليدية في تفسير توقيتها أو تبيان أسباب حجمها. ففي كل مرة، يعود النقاش العمومي إلى الأسئلة نفسها: هل يتعلق الأمر بتدهور الأوضاع الاقتصادية؟ أم بتغيّر في سياسات مراقبة الحدود؟ أم بتنامي نشاط شبكات الهجرة غير النظامية؟ أم بتحولات إقليمية عابرة؟ ورغم أهمية هذه العوامل، فإنها تُقدَّم في الغالب باعتبارها أسبابًا مباشرة لحدث معقد، وكأن الظواهر الاجتماعية الكبرى يمكن اختزالها في سبب واحد أو متغيّر واحد.
غير أن نظريات التعقيد تدعونا إلى تغيير زاوية النظر. فهي لا تبدأ بالسؤال: «لماذا حدثت موجة الهجرة؟»، وإنما تطرح سؤالًا مختلفًا وأكثر عمقًا: «كيف تنبثق موجة هجرة جماعية من تفاعل قرارات فردية مستقلة، من دون تخطيط أو تنسيق مركزي؟» إن الفرق بين السؤالين ليس مجرد اختلاف في الصياغة، بل هو اختلاف في المنهج. فالسؤال الأول يبحث عن السبب المباشر، أما الثاني فيبحث عن الآلية التي تُنتج الظاهرة. إنه انتقال من تفسير الحدث بعد وقوعه إلى فهم الكيفية التي يتشكل بها قبل أن يصبح مرئيًا، ومن البحث عن الأسباب المباشرة إلى تفكيك ديناميات الانبثاق.
من هذا المنظور، لا يكون الهدوء الذي يسبق موجات الهجرة دليلًا على استقرار الظاهرة. ففي الأنظمة الاجتماعية المعقدة، قد يكون الاستقرار الظاهري أكثر المظاهر خداعًا؛ إذ تتراكم تحت سطحه تفاعلات صامتة لا يلتفت إليها أحد، قبل أن تبلغ نقطة تحوّل تجعل مئات القرارات الفردية تتقارب في الزمن. عندئذٍ، تنبثق موجة جماعية تبدو، لمن يراقبها من الخارج، مفاجئة وغير متوقعة، بينما تكون في الواقع ثمرة مسار طويل من التفاعلات التي بقيت غير مرئية. وهكذا، فإن ما يبدو حدثًا مفاجئًا ليس سوى المرحلة الأخيرة لمسار بدأ قبل ذلك بكثير داخل شبكة من التفاعلات الفردية التي لم تكن مرئية آنذاك.
يساعدنا في فهم هذا المنطق نموذجُ الباحث الأمريكي جوشوا إبستاين (Joshua Epstein) حول العنف المدني والحركات الاجتماعية، القائم على النمذجة متعددة الوكلاء. ورغم أن هذا النموذج لم يُطوَّر لتفسير الهجرة، فإنه يوفّر إطارًا نظريًا يفسّر كيف يمكن لقرارات فردية متفرقة أن تتفاعل فيما بينها لتنتج، في نهاية المطاف، أنماطًا من السلوك الجماعي واسع النطاق. وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يبدأ بالفرد لا بالمجتمع. فلا يفترض وجود إرادة جماعية سابقة أو خطة مركزية، بل ينطلق من أفراد يتخذ كل واحد منهم قراره وفق ظروفه وإدراكه الخاص، ثم يؤدي تفاعل هذه القرارات إلى انبثاق سلوك جماعي لم يكن أي فرد قادرًا، بمفرده، على إنتاجه. يفترض النموذج أن لكل فرد مستوى خاصًا من الاحتقان (Grievance) يتشكل بصورة ديناميكية تبعًا لدرجة الحرمان التي يعيشها، وإدراكه لقدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالبه. غير أن الاحتقان وحده لا يكفي لدفع الفرد إلى الفعل؛ إذ يوازن باستمرار بين دوافع التحرك والمخاطر المتوقعة، أي بين ما يأمل تحقيقه وما يعتقد أنه قد يخسره. وفي نموذج إبستاين، ترتبط هذه المخاطر أساسًا بإدراك احتمال تدخل قوات الأمن أو التعرض للاعتقال، فيصبح القرار النهائي نتيجة الموازنة بين مستوى الاحتقان ومستوى المخاطرة المتصورة.
غير أن قوة النموذج لا تكمن في هذه المتغيرات منفردة، بل في طبيعة التفاعل بينها. فكل فرد يراقب سلوك الآخرين ويعيد تقييم قراره في ضوء ما يلاحظه. ومع ازدياد عدد المتحركين، يتغير إدراك المترددين للمخاطر، إلى أن يبلغ النظام ما يسمى الكتلة الحرجة، حيث يصبح تغير محدود في سلوك عدد قليل من الأفراد كافيًا لإحداث تحول جماعي واسع. وهكذا، لا تكون الخصائص الجماعية موجودة مسبقًا لدى الأفراد، وإنما تنبثق من تفاعلهم المستمر. انطلاقًا من هذا المنطق، يمكن التساؤل: هل يمكن أن تساعد هذه الآليات في فهم بعض موجات الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة؟ لا يتعلق الأمر بالقول إن الهجرة والعنف المدني ظاهرتان متماثلتان، فلكل منهما دوافعه وسياقاته ونتائجه. لكنهما قد تشتركان في آلية الانبثاق نفسها، أي في الكيفية التي تتحول بها قرارات فردية مستقلة إلى سلوك جماعي واسع نتيجة التفاعل المستمر بين الأفراد. وعند نقل هذا المنطق إلى الهجرة الجماعية، يمكن النظر إلى إدراك المخاطر بوصفه مرتبطًا بعوامل مثل كثافة انتشار حرس الحدود، ومستوى المراقبة، واحتمال الإيقاف أو الإرجاع. غير أن استلهام نموذج إبستاين في تفسير الهجرة الجماعية يستدعي، في تقديرنا، إضافة عامل آخر لا يتضمنه النموذج بصورة مباشرة، هو «إدراك فرص النجاح». إدراك فرص النجاح: الراغب في الهجرة لا يوازن فقط بين الاحتقان والمخاطر، بل يعيد باستمرار تقدير احتمال نجاح المحاولة. وتتغير هذه التقديرات بفعل المعلومات المتداولة داخل الشبكات العائلية والمحلية، والقصص التي يرويها من سبق لهم العبور، وما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن أي تغير قانوني أو إداري قد يُفهم، بصورة صحيحة أو خاطئة، على أنه يزيد فرص الوصول.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في صيف سنة 2026، والذي قضى بعدم جواز تطبيق إجراء «الإعادة الفورية» (الرفض عند الحدود) على المهاجرين الواصلين بحرًا أو سباحة إلى مدينتي سبتة ومليلية، مع التأكيد على إخضاعهم للإجراءات الإدارية والقانونية العادية، وتمكينهم من المساعدة القانونية، وقصر الرفض المباشر على محاولات العبور عبر السياج البري. وبغض النظر عن الأبعاد القانونية لهذا القرار، فإن تداوله داخل شبكات الهجرة، وما صاحبه من تأويلات وتبسيطات، قد أسهم في إعادة تشكيل إدراك بعض الأفراد لفرص النجاح ومخاطر المحاولة. ومن منظور نظريات التعقيد، لا تكمن أهمية هذا المثال في القرار القضائي ذاته، بل في الكيفية التي يمكن بها لتغير محدود في البيئة القانونية والمؤسساتية أن يعيد تشكيل توقعات أعداد كبيرة من الأفراد في وقت متقارب، بما يؤثر في ديناميات السلوك الجماعي.
تكتسب سبتة المحتلة خصوصية تجعلها أكثر من مجرد نقطة حدودية؛ فهي فضاء تتداخل فيه الجغرافيا بالرمزية. فقربها المكاني، وحضورها المستمر في المخيال الاجتماعي، والتغطية الإعلامية المكثفة لمحاولات العبور، كلها عوامل تجعل المعلومات والقصص والتوقعات تنتشر بسرعة داخل الشبكات الاجتماعية. وما ينتقل بين الأفراد ليس الوقائع وحدها، بل أيضًا إدراكهم للمخاطر وفرص النجاح. ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول قرارات تبدو فردية إلى موجة جماعية. فكل شخص يتخذ قراره بصورة مستقلة، لكن استقلال القرار لا يمنع تشابهه مع قرارات الآخرين عندما تتشابه المعلومات والظروف والإدراكات. وفي لحظة معينة، تنبثق من هذا التفاعل موجة جماعية لم يخطط لها أحد، لكنها ليست أيضًا حدثًا عشوائيًا، بل نتيجة منطقية لديناميات النظام.
قد يقود هذا التحليل إلى سؤال طبيعي: إذا كانت عوامل مثل الاحتقان، والمخاطر، والشبكات الاجتماعية حاضرة باستمرار، فلماذا لا تحدث موجات الهجرة الجماعية كل يوم؟ الجواب الذي تقترحه نظريات التعقيد: هذه العوامل لا تعمل بصورة مستقلة، بل تتفاعل فيما بينها. فالاحتقان قد يبقى مرتفعًا لسنوات من دون أن ينتج موجة جماعية، كما قد تتوافر شبكات التواصل من دون أن تتحول إلى تعبئة واسعة. ولا تنبثق الظاهرة إلا عندما تتقاطع، في لحظة معينة، مستويات الاحتقان الفردي مع إدراك المخاطر، وتقدير فرص النجاح، وتأثير الشبكات الاجتماعية، بحيث يبلغ النظام عتبة حرجة يصبح معها انتقال السلوك من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي أكثر احتمالًا. وفي منظور نظريات التعقيد، لا تُفسَّر الظواهر الجماعية بمجرد تراكم العوامل، بل بالكيفية التي تتفاعل بها حتى تنبثق منها أنماط جديدة من السلوك الجماعي.
لا يعني هذا التحليل التقليل من أهمية المقاربة الأمنية، فهي تظل عنصرًا أساسيًا في تدبير الحدود وحماية النظام العام. غير أن المقاربة الأمنية تتعامل، بطبيعتها، مع نتائج الظاهرة بعد ظهورها، بينما تدعونا نظريات التعقيد إلى التفكير في الشروط التي تشكل بيئة القرار الفردي قبل أن يتحول إلى سلوك جماعي. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في توسيع الفرص الاقتصادية، وتعزيز الحركية الاجتماعية، وتقوية الثقة في المؤسسات، وتطوير قنوات المشاركة والتعبير، لا يمثل فقط سياسات تنموية، بل يسهم أيضًا في إعادة تشكيل البيئة التي تُتخذ داخلها القرارات الفردية، ويمنح الأفراد بدائل تقلل من جاذبية الخيارات عالية المخاطر.
إن أهم ما تضيفه نظريات التعقيد إلى النقاش حول الهجرة ليس تقديم تفسير جاهز، بل تغيير زاوية النظر. فهي تعلمنا أن الظواهر الجماعية ليست مجرد مجموع قرارات فردية، بل خصائص ناشئة لأنظمة اجتماعية معقدة. ومن هذا المنظور، لا تكون موجة الهجرة الجماعية حدثًا استثنائيًا بقدر ما تكون خاصية ناشئة لنظام اجتماعي بلغ مستوى معينًا من التفاعل بين الاحتقان الفردي، وإدراك المخاطر، وتقدير فرص النجاح، وتأثير الشبكات الاجتماعية. ولذلك، فإن فهم هذه الموجات لا يبدأ بالبحث عن سبب واحد، بل بفهم الكيفية التي تتفاعل بها هذه العناصر لتنتج، في لحظة معينة، سلوكًا جماعيًا لم يكن أي فرد، بمفرده، قادرًا على صناعته. ليس المهم أن نسأل لماذا حدثت موجة الهجرة، بل كيف انبثقت. فحين يتغير السؤال، تتغير زاوية النظر، وتتغير معها أيضًا طبيعة السياسات الممكنة. وهكذا، يعود المقال إلى السؤال الذي بدأ به: ليس المهم أن نسأل لماذا حدثت موجة الهجرة، بل كيف انبثقت. فحين يتغير السؤال، تتغير زاوية النظر، وتتغير معها أيضًا طبيعة السياسات الممكنة. ولعل الرهان الحقيقي لا يكمن في التنبؤ بالموجة القادمة، بل في فهم الشروط التي تجعل انبثاقها أكثر أو أقل احتمالًا. فكلما ازداد فهمنا للآليات التي تنتج هذه الظواهر، أصبحنا أقدر على بناء سياسات عمومية استباقية تعالج الشروط التي تسبق الأزمة، بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها بعد وقوعها.
المرجع
Epstein, J. M. (2002). Modeling Civil Violence: An Agent-Based Computational Approach. Proceedings of the National Academy of Sciences, 99(Suppl. 3), 7243–7250













