في إحتفاء خاص لاذاعة طنجة بالأيقونة المسرحي والذاكرة”محمد بلهيسي”

تازة بريس
عبد السلام انويكًة
عناية وتثمينا منها لذاكرة المغرب الثقافية والتراثية وتعريفا وابرازا منها لأعلامها وتقاسما لزخم ارشيفها، خصصت اذاعة طنجة عبر برنامجها الأسبوعي “ذكريات عبرت”، وهو مساحة اذاعية ثقافية فنية متميزة تبث عبر أثير إذاعة طنجة والأمواج الوطنية في حوالي 90 دقيقة، عبرها يتم استضافة شخصيات مبدعة مؤثرة لاستعراض مسيرتها مع المستمعين. برنامج من إعداد وتقديم الإعلامي القدير حميد النقراشي، يغوص في المسيرة المهنية والشخصية لأسماء لامعة في مجالات الفن والثقافة والنقد وغيره، مع شهادات حية من أصدقاء وزملاء المحتفى به. وكانت الحلقة الأخيرة من البرنامج (11 يونيو 2026) التفاتة رمزية خاصة إحتفاءً بالمسرح المغربي ممثلا في أحد أعلام زمنه الذهبي، المخرج المسرحي محمد بلهيسي الذي بغنى مسار تمثيلا وتأليفا واخراجا على امتداد أزيد من نصف قرن. وعليه، ما طبع مشواره من عمق تجربة نتحت الكثير والكثير من التراث المغربي والعربي، فكانت بما كانت من تميز أعمال أغنت وعاء خزانة المغرب المسرحية.
وكان ممن أطر هذا الاحتفاء الاذاعي بشهادته وحديثه، أسماء بقدر كبير من الأثر الفكري والابداعي في مسرح مغرب الأمس، من قبيل عبد المجيد فنيش عن ثلة سلف طبعه ما طبعه من تدفق حافظ به على وهج أب الفنون. وقد توزعت تجربته على التمثيل والاخراج والنقد الفني والدراسة والبحث، ما جعله في تقدير باحثين مهتمين صاحب مشروع مسرحي، توجه فيه للفرجة باعتبارها رسالة وللهوية المغربية باعتبارها مرآة وجدان مجتمع. وعليه، بقدر ما عايش تجارب المغرب المسرحي الحديث وفرجته منذ ستينات القرن الماضي، بقدر ما يعد ذاكرة مسرحية واحد وجوه المغرب الفني والفكري التي بمكانة في تاريخ مسرحه وحراس ذاكرته. وأما الشخصية الثانية التي اطرت احتفاء إذاعة طنجة بالأستاذ محمد بلهيسي، فهو محمد قاوتي الكاتب الأديب والمبدع المسرحي المغربي البارز منذ سبعينات القرن الماضي الذي بمساحة نصوص مسرحية تراثية عالية المستوى، ولعله من المؤسسين الرواد للحركة المسرحية والنقدية المغربية الحديثة. شهير في الوسط الفني المغربي بـ “فقيه الفرجة” لِما أسهم به على عدة مستويات تأصيلا منه لأشكال الفرجة المغربية واستنباتها في نصوص الدراما. اسم بأثر فكري مسرحي كبير جامع بين إرث حول اخلاقيات الممارسة الفرجوية واسهامات علمية ذات صلة داخل البلاد وخارجها. وقد ارتبط اسمه بالكتابة المسرحية المتعددة الابعاد والمنفتحة على جدل المسرح المسائل للتراث ولحوار الثقافات، ومن ثمة موقعه في ذاكرة المغرب المسرحية كأحد اعلام زمنها الذهبي، التي كانت بفضل في إغناء تجارب المجال على الصعيد العربي والدولي.
ضمن هذه القامات المسرحية المغربية عن الرواد/ الجيل الثاني وضمن زمن المغرب المسرحي هذا، يدخل إسم وتجربة وبصمة محمد بلهيسي حيث مجد تجارب المغرب المسرحية ومدارسها وحيث اطاراتها الأولى الحديثة، فرقة المعمورة، فرقة الطيب الصديقي، فرقة عبد القادر البدوي … وحيث اسماء مخرجين وكتاب مغاربة كبار من قبيل محمد حسن الجندي، عبد الكريم برشيد، عبد الله شقرون، الطيب لعلج، محمد الكغاط، المسكين الصغير، ثريا جبران … لهذه الفترة من زمن المسرح المغربي ولهذا الجيل والتجارب والاسماء والأعلام ينتمي محمد بلهيسي، تلك التي أسست وأصلت وجددت وكانت بما كانت من موهبة ونبوغ فني وموارد ابداع (زجالين، شعراء، موسيقيين، تشكيليين، باحثين.. فضلا عن موسوعية معرفة وثقافة). ضمن هذا الزخم المسرحي عن مغرب الأمس، كانت تجربة محمد بلهيسي التي يصعب القفز عليها وقد ألهمت عددا من رفاق دربه في هذا المجال منذ عقود من الزمن، لِما طبعها من مقام وصورة ورسالة ونهج خاطب به وجدان وعقل وأذن وعين المتلقي، ما جعل أعماله المسرحية منذ سبعينات القرن الماضي بمكونات عدة لافتة، من قبيل ما اثث فرجتها من حركة، لدرجة دينامية كل شيء فيها بين نص وعرض وخشبة وجسد وديكور وموسيقي وانارة وملابس وشخصيات وغيرها، ولدرجة كون أعماله وفرجته المسرحية ذات الاحالة التراثية خاصة كانت في سوادها الأعظم حركة في حركة، عبر ما توزعها وتقاسمها من احتفالية وحكي ومخيال ورمزية وخرجات فاصلة، تلك التي كانت تلتقي فيها ذات ومتعة جمهوره المثقف وذات ومتعة المتلقي البسيط منه.
ولعل محمد بلهيسي/ المؤسسة / المدرسة المسرحية/ والشخص ممثلا ومؤلفا ومخرجا، كان دوما مشرقا متدفقا متطلعا منصتا ملتفتا في مساره وتجربته المسرحية، ما جعله من التحف والدرر المغربية والعربية في هذا المجال. وقد ابان على امتداد أزيد من نصف قرن من الزمن عن علو كعب وموهبة ونبوغ واستعداد عبر ما أنجزه من أعمال فنية وابداعية تقدر بالعشرات، كان فيها مجددا متجددا باحثا عن فرجة مستقاة من التراث المغربي والعربي فضلا عن قضايا وجدل مجتمع. خاصية اشتغال ورؤية وردت عنه في مؤلف موسوم ب” الجماليات المسرحية في تجربة المخرج المسرحي محمد بلهيسي .. شهادات ودراسات”، الصادر بفاس عن مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية سنة 2017. ومحمد بلهيسي الذي الحديث عنه ذو شجون، يدخل ضمن من يقال عنهم من التجارب الفكرية والفنية الكبرى أنه ليس سهلا اقتحام عالمهم، وعالم هذا الأخير هنا مساره ومدرسته المسرحية التي بأزيد من نصف قرن من العطاء والتدفق والتفاعل والتدافع هنا وهناك، ما جعله مرجعا خبيرا بقدر كبير من الأهمية على عدة مستويات. مع أهمية الاشارة الى أن محمد بلهيسي في عالمه ومعبده المسرحي كان دوما حريصا على البعد الثالث في اعماله، والبعد الثالث هنا ليس لا الطول ولا العرض ولا الحجم انما السمو والرقي والنوع وجوهر الأمور وعمقها وإنسانية انسانيتها. ومن هنا عظمة الرجل وتميز إرثه وأرشيفه الذي يحيلنا على زمن المسرح الذهبي حيث مغرب الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات.
عن محمد بلهيسي الفنان والممثل والكاتب والمخرج، يمكن القول أنه خلق ليكون مسرحيا وأنه لو لم يكن مسرحيا لكان مسرحيا، ذلك أنه تنفس والتقط إشارات الفن والابداع والمسرح بشكل مبكر منذ طفولته حيث رحاب نشأة وتنشئة ومدرسة ودروب وأزقة وأثر ماض وأثاث مدينة عتيقة (تازة العليا)، فضلا عن زخم ثقافة وتراث وأدب عيش وصدى فرجة قرب (باب الجمعة). ولعل هذا الانفتاح المبكر على مكامن التعبير الفني محليا، سمح له باكتشاف ذاته وذات المسرح مشهدا وأثاثا منذ ستينات القرن الماضي. وهكذا ما حصل من تعميق رغبة وتقوية قراءة ومعرفة واطلاع واهتمام، ما تطور تدريجيا عبر ما انفتح عليه لاحقا من لقاءات ومساهمات واحتكاك وعروض وتكوينات وسفريات. تكفي الإشارة هنا الى أنه شارك في تدريب وطني مسرحي بمركز غابة المعمورة برئاسة واشراف الطيب الصديقي سنة 1969، وبنفس الوجهة وتحث اشراف نخبة من المسرحيين المغاربة والاجانب، شارك في تدريب وطني ثان سنة 1972، هذا قبل تكوين وتدريب مسرحي دولي بمدينة افينيون الفرنسية من سنة 1976 حتى 1980 بمعدل شهر كل سنة، وقبل تحمله إدارة تداريب مسرحية وطنية بعدد من الجهات، من قبيل تدريب المعمورة سنوات 1981- 1982- 1983، التدريب الوطني الذي اطره بمدينة الجديدة تحت اشراف الجامعة الوطنية لمسرح الهواة لسنتي 1978- 1979، التدريب الوطني الذي تقاسم فيه خبرته المسرحية بمركز باب بودير سنة 1980 .. الخ.
من جملة ما يطبع ويميز محمد بلهيسي الذي بهذا الماضي والتجربة المسرحية، ومن نقط قوته في هذا الشأن كونه ملما متمكنا عارفا بالتراث والتاريخ المغربي والعربي، وكذا بأشكال الفرجة الشعبية المغربية واصول المسرح العالمي ومحطاته التاريخية الكبرى واعلامه ومدارسه وفلسفته، ومن ثمة إلمامه ومعرفته بتاريخ وذاكرة المسرح المغربي ونشأته واعلامه وتجاربه وتراكماته، بل أيضا عارفا ملما بالجغرافيا المغربية وبخصوصيات الأمكنة والجهات وطنيا. وعليه ليس غريبا أن تكون تجربته المسرحية موضوع ابحات ودراسات وقراءات، باعتباره علامة وبصمة من بصمات تاريخ المسرح المغربي الحديث، من حيث طبيعة تحريرها واصولها ومرجعيتها الثقافية والفكرية والابداعية. ومحمد بلهيسي الذي بتكوين لغوي وادبي عميق، ذاكرة قوية وكفاءة وشجاعة أدبية وقدرة ارتجال بتفرد عال لا يضاهى، فضلا عن احتفالية تسكنه بما في ذلك لحظات مرحه ونكتته ومظهره وملبسه ومجلسه، ناهيك عن موسوعيته وغزارة انتاجه وحضوره اللافت أينما حل وارتحل، ما جعلته بمقام رفيع ضمن ثلة المغاربة والعرب المسرحيين المتميزين. وقد حصد ما حصد من جوائز وتقدير ممثلا ومؤلفا ومخرجا داخل المغرب وخارجه على صعيد عدة بلدان عربية. علما أنه عضوا في الرابطة العربية لمسرح بلا حدود التي مقرها بالأردن، عضو اتحاد كتاب المغرب، عضو مؤسس للجامعة الوطنية لمسرح الهواة في سبعينات القرن الماضي، عضو المكتب التنفيذي للنقابة المغربية لمحترفي المسرح ..الخ، وعلى مستوى تازة رئيس فرقة اللواء المسرحي سنوات الستينات، رئيس فرقة مسرح التأسيس التي لا تزال قائمة لحد الآن، ناهيك عن خبرته وتجربته في التنشيط التربوي لسنوات وسنوات، وادارته لشؤون وزارة الثقافة (مندوب إقليمي من 1990 الى 2006) (مدير جهوي من 2007 الى 2011). ونذكر فضلا عن اصداراته في مجال المسرح والزجل وتجارب لحن (مجموعة الكواكب التازية التي شارك بها في العراق وفاز بجائزة مهرجانها)، أعماله المسرحية التي بالعشرات إن تأليفا أو اخراجا، من قبيل مسرحية مقام النور، ليالي المتنبي، المنسي، محاين لبلاد، على باب الوزير، قاضي القضاة، سوق المزاد، جزيرة الاحلام، شياطين الحكاية، سالف لونجا، عرس الاطلس، النزيف، صالح ومصلوح، جنائزية الاعراس، رأيت كل شيء، مقامات الكغاط، الماء والقربان، عراف الجبل، ملحمة واحة الفرح، ملحمة حكاية القصبة..الخ، وعن اسهاماته في اعمال تلفزيونية نذكر المسلسل العربي”ملوك الطوائف”، المسلسل العربي “ربيع قرطبة”، المسلسل المغربي “الشفا”، السلسلة المغربية “ألف لام” .. الخ.
بعض فقط من أرشيف بلهيسي، الذي ارتبط اسمه بتازة عندما تذكر بذكره ويذكر بذكرها، لصداه في الوسط الفني المسرحي الوطني والعربي. وقد جعل المدينة منصة مسرحية مفتوحة لِما غرسه فيها من فعل مسرحي وما افرزته مدرسته بها من تجارب وأسماء رفيعة المستوى، فضلا عن منصة مواسم هنا وهناك يصعب القفز على بصمته في نشأتها وتنشيطها وإغنائها، من قبيل مهرجان مسرح الطفل الدولي، مهرجان تازة للشعر والأغنية، مهرجان باب بودير الثقافي والسياحي، ملتقى بلدة ارشيدة الثقافي، مهرجان اللوز بأكنول، مهرجان الزيتون بجرسيف، مهرجان عشر ليال وليلة من حدائق التراث، معرض تازة، موسم الولي أحمد زروق، موسم سونا، موسم البرية، موسم سيدي عزوز.. الخ. هكذا “محمد بلهيسي” ذاكرة مسرح تازة والمغرب والبلاد العربية، وأحد مضخات الدراما المغربية وفرجتها. اسما مبدعا عظيما بدليل زخم أعماله التي تجاوزت حدود البلاد، ايقونة من ايقونات زمن المسرح المغربي، التي يحق لتازة الفخر بها ومعها جميع مدرسته من الأسماء التي كانت بأثر فيما طبع المدينة ذات يوم من فرجة وتألق واشعاع وتدفق. مسرح بقدر ما كان لسان حال تازة الثقافي ووهجها، بقدر ما افرز جيلاً مفخرة من الدراميين التازيين المتميزين. هكذا أيضا بلهيسي”ديوان تازة البهي”، الذي وصف مستقره رائد احتفالية المسرح المغربي الاستاذ عبد الكريم برشيد ذات يوم ب”عش النسر”، في إشارة ذكية منه لعظمة الرجل ورمزية تاريخه ونبوغه وسمو مكانته وخبرته وسعة تجربته المسرحية. ولعله وصف دقيق ذلك أن بيت صاحبنا من حيث علوه وشرفته فيه ما يشبه عشا شامخا ساطعا، يبدو من خلاله حارس ذاكرة تازة وحكي وبصمات أزمنتها وأمكنتها وانسانية انسانيتها.
رئيس مركز ابن بري للدراسات والابحاث وحماية التراث












