من ذاكرة تازة..”الأمراني” بين التنظيم الطلابي والسياسي وتجارب الاعتقال

تازة بريس
عبد السلام انويكًة
تذكره تازة من خلال عدد ممن جايلوه ورافقوه وتقاسموا معه رحلة تمدرس وطلب جامعي ونقابة وسياسة وفعل صحفي على امتداد نصف قرن من الزمن، بكونه أحد علامات فترة سبعينات المدينة من القرن الماضي. مؤسسا للشبيبة الاتحادية بها بعد المؤتمر الاستثنائي لحزب القوات الشعبية وهو طالب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر مهراز بفاس، ومؤسسا ايضا بها للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بتازة كأستاذ بثانوية علي بن بري آنذاك، قبل انتقاله للعيش بالدار البيضاء ملتحقا في تجربة صحفية مهنية أولى بجريدة الاتحاد الاشتراكي. ولعل صاحبنا ابن تازة بشخصية قوية ومواقف وقلم لا يغيب عنه رأيه الذي لا تأخذه فيه لومة لائم، فضلا عن خلفية مسار نضالي بكثير من جوانب تفرد وصدق ذاكرة وتطلع منشود.
ذلكم هو الأستاذ عبد الكريم الأمراني، ابن تازة البار الذي بقدر ما ارتبط اسمه بمحطات وتجارب عدة محليا ووطنيا، لعل منها رئاسته تحرير جريدة الأحداث المغربية وما طبعها من صدارة ووقع فاصل في تاريخ الصحافة المغربية المكتوبة، لاعتبارات عدة زمنا ومنعطفا وصدى وكلمة فضلا عن أفق. بقدر ما كان ولا يزال بمكانة محفوظة وتقدير خاص حتى من قبل من اختلف معه في مواقفه، لِما هو عليه ومعروف عنه من وضوح وتلقائية كلمة حق وسلوك وطيب صفات “القلب الكبير”، كيف لا والرجل تربى في حضن أسرة وطنية ارتبطت بالحركة الوطنية المغربية “حزب الاستقلال”، أسرة تازية أصيلة ميسورة جمعت بين أعيان وعلماء وفقهاء بحيث جده كان نقيب الشرفاء العلويين بظهير سلمه له السلطان مولاي يوسف ووالده ورث “تامزوارت” بظهير أعطاه له الراحل الحسن الثاني.
عبد الكريم الامراني هذا الى حين صدور مذكراته التي لا شك أنها ستكون وثيقة بمادة غنية دسمة في اشاراتها وتوثيقها لما جرى على عدة مستويات، التحق أواسط سبعينات القرن الماضي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، بعد انهاء مساره الدراسي الثانوي وحصوله على الباكالوريا. وهي الفترة ذاتها التي التحق فيها بصفوف حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فرع الرباط آنذاك، قبل أن يأخذ اسم “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعد المؤتمر الاستثنائي. وكان أول من تعرف عليه في الساحة الطلابية خلال فترة بداية الطلب الجامعي بفاس “عبد الهادي خيرات”، الذي يقول عنه أنه ” أحد أنبل وأشرف المناضلين الاتحاديين” وأنه مناضلا من طينة استثنائية جامعة بين بين عدد من الصفات والمبادئ فضلا عن قدرة استعداد لأية تضحية. مشيرا الى أنه بعد تحمله مسؤولية الاشراف على التنظيم الطلابي الشبابي بفاس خلفا لـ “خيرات” الذي التحق بالرباط بعد حصوله على الاجازة، وجد نفسه أيضا مشرفا على التنظيم الحزبي بمدينة تازة. وأنه ليس سوى بضعة أشهر عن كل هذا وذاك من النشاط الطلابي والحزبي السياسي بين فاس وتازة، حتى كان أول اعتقال له بتازة عشية عيد الأضحى. سياق يذكر فيه أنه بمجرد وصوله الى تازة قادما من فاس رفقة “خيرات” الذي كان في مهمة حزبية ولقاء له مع الكاتب الإقليمي للاتحاد الاشتراكي “عزوز الجريري” آنذاك، وبعد افتراقه مع رفيقه السابق الذكر وتوجهه صوب بيت الأسرة بحي باب الزيتونة بتازة العليا، القي القبض عليه من قبل عناصر الشرطة الذين تعقبوه من فاس، حيث توجهوا به الى بيته وفتشوا جميع كتبه ووثائقه وما كان بحوزته من منشورات (مؤلفات ماركسية، مجلات، أرشيف المحرر، وثائق المؤتمر الاستثنائي للحزب..). قبل اقتياده الى مقر ولاية الأمن بتازة وادخاله زنزانة قضى بها يومي العيد، وقبل التوجه به معصوب العينين الى جهة اكتشف بعد الوصول اليها أنها فاس، تحديدا مفوضية الشرطة القريبة من الحي الجامعي ظهر مهراز. مضيفا في حديثه أن مساء نفس اليوم بدأ استجوابه من خلال أسئلة تخص الحزب وسياق الانتماء اليه فضلا عن علاقاته بالمسؤولين عنه محليا ووطنيا، وعما يخص الاسرة والمحيط الاجتماعي بتازة ثم الجامعة وما هناك من تيارات سياسية وفكرية. كل هذا – يضيف – وهو معصوب العينين الا في بعض الحالات الى حين اطلاق سراحه، مشيرا الى أنه لم يتعرض لأي تعذيب اللهم زنزانة منفردة وعصابة كانت توضع على عينيه خلال التحقيق معه، لافتا لحدثين مؤثرين فيه بعد اطلاق سراحه الأول منهما لقاءه واستقباله من طرف عبد الرحمن غندور، والثاني خبر اغتيال القيادي النقابي والسياسي الاتحادي عمر بن جلول في 18 دجنبر 1975 بالدر البيضاء، ذلك أن التقاطه الخبر جعله لا يتمالك نفسه فضلا عن نوبة بكاء عميقة. مضيفا في حديثه أن في عدد جريدة “المحرر” الذي ورد فيه خبر الاغتيال ضمن الصفحة الأولى، ورد أيضا في صفحته الثانية خبر اعتقاله “اعتقلت السلطات الأمنية بتازة الأخ عبد الكريم الأمراني المسؤول عن الشبيبة الاتحادية والقطاع الطلابي الاتحادي بفاس، عند عودته لقضاء عطلة العيد مع أسرته بتازة”.
والأمراني هذا، سرعان ما واصل وتقوى نشاطه بعد تجاوزه صدمة الاعتقال وصدمة اغتيال القيادي عمر بن جلول خاصة على مستوى التنظيم الحزبي بتازة، بحيث يذكر أنه في ظرف قياسي تمكن من توسيع التنظيم الشبابي للحزب على صعيد المدينة وبشكل لافت، نظرا لِما حصل من استقطاب واسع للفعاليات الشبابية خاصة من كان بعلاقة بهم ضمن العمل الجمعوي الموازي لحزب الاستقلال(منظمة الكشاف المغربي)، ولِما قام به أيضا من تعبئة وإقناع في صفوفهم وهو ما جعلهم يغادرون حزب الاستقلال واللحاق بحزب الاتحاد الاشتراكي، تحديدا منه “الشبيبة” التي باتت تظم حوالي خمسمائة شاب منظم ببطاقة انخراط على مستوى المدينة تازة لوحدها. ولعل عبر هذه القاعدة الشبابية الاتحادية تمت إعادة الشرعية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب المحظر منذ 1973، من خلال انتخاب تعاضديات الكليات فضلا عن إحياء ما كان يعرف آنذاك ب”وداديات الثانويات”. سياق وعمل ميداني يذكر الأمراني أن فيه تم الشروع في تطبيق المقررات من خلال عقد اجتماعات خلايا الشبيبة الاتحادية بالمؤسسات التعليمية الثانوية الثلاثة التي كانت بتازة آنذاك. بحيث تقرر خوض اضراب بهذه المؤسسات كان مشروطا انهاءه باعتراف مدراءها ب”الوداديات” المذكورة كمخاطب. مستحضرا أنه فضلا عما جرت به الأمور وفق ما كان منشودا، حصلت خارج المؤسسات انزلاقات مظاهرات للتلاميذ لم تكن مبرمجة مما استدعى تدخل الأمن بعنف، وأن من هذه المظاهرات التحق مئات التلاميذ بمقر الحزب بساحة ” باب الجمعة”. التطورات والمشهد اللافت الذي كان تحت أعين الشرطة والسلطات المحلية خاصة وأن ما حصل كان غير مسبوق في المدينة، وعليه، بمجرد خروج “الأمراني”من مقر الحزب في وقت متأخر مساء، تم اعتقاله ثانية وهذه المرة رفقة ثلاثة آخرين من رفاقه وهم “أحمد اطرطور”، “عزوز الهلاوي”، ثم “محمد بوطالب”، وهو الاعتقال الذي كان ب”تعذيب وحشي” بتعبيره في حق هؤلاء وبشهر ونصف بسجن تازة المحلي.
رئيس مركز ابن بري للأبحاث وحماية التراث











