“تيزي وسلي”ذاكرة ملحمة كفاح وطني يحفظها التاريخ ويشهد لها الجبل ..

تازة بريس
عبد السلام انويكًة
بذاكرة وتاريخ رمزي وطني متفرد فضلا عن بصمة في كل حديث عن مغرب الحماية تحديدا منه سنوات كفاح المغاربة المسلح من أجل الاستقلال. هي بلدة “تزي وسلي” باقليم تازة من جهة الشمال حيث مقدمة جبال الريف، والتي مجالا وطبيعة ومنظرا مورفولوجيا وجبلا وارتفاعا (حوالي 1300م)، هي ممر(فج) فاصل بأعالي واد امسون الشهير بالمنطقة. علما أن “تزي وسلي” هذا الجبل الموطن الشامخ هو باستقرار وتعمير بشري قديم، استوطنته قبيلة بني يونس التي هي جزء من قبيلة اكًزناية الكبرى بربوع شمال شرق البلاد.
بلدة تزي وسلي هذه، شكلت بعد فرض الحماية على المغرب نقطة تماس بقدر كبير من الأهمية الاستراتيجية بين وفي علاقة منطقة الاحتلال الفرنسي/ المنطقة السلطانية جنوبا بمنطقة الاحتلال الاسباني/ المنطقة الخليفية شمالا. وبالنظر لموقها خلال هذه الفترة الدقيقة من تاريخ المغرب الحديث، شهدت ما شهدت من زخم أحداث ووقائع وتفاعلات وكفاح مسلح ضمن ما عرف ب”مثلث الموت” أواسط خمسينات القرن الماضي، والذي كان بأثر في استقلال البلاد إثر انطلاق عمليات جيش التحرير بالشمال. ويسجل أنه فضلا عما أسهمت به المنطقة في مواجهتها للاحتلال الاستعماري وتوسعاته بالمغرب الشرقي، وبخاصة خلال الإعداد للهجوم على تازة عبر مركز “امسون” منذ أواخر سنة 1913. برزت “تزي وسلي” موقعا ودورا وقبيلة وصدى، إثر اندلاع الثورة الريفية مطلع عشرينات القرن الماضي، عندما تحولت الى قاعدة خلفية داعمة لها في مواجهتها للاحتلال الاسباني بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي (معركة انوال). وأمام فشل القوات الفرنسية في التضييق عليها ومن خلالها على المقاومة الريفية، وفي حفظ التراب التابع لها أيضا وإحكام السيطرة على “تزي وسلي”، لجأت الى خطة الاستعانة ببعض أعيان المنطقة من الأهالي ذوو النفود، من قبيل “القايد المذبوح” فضلا عن القايد “عمر دحميدو”، عندما وفرت لهم السلاح والحماية مستهدفة بذلك ادخال المنطقة في حرب أهلية محليا، حتى يسهل عليها بعد ذلك تفكيك القبيلة واضعافها ومن ثمة إحكام السيطرة عليها.
ضمن هذا السياق حاول القايد “عمر دحميدو” انطلاقا من مركز بورد سنة 1925، استرجاع تزي وسلي التي كانت تحت سيطرة المقاومة الريفية قبل أن يتعرض للهزيمة ويتراجع الى من حيث انطلق. بل من مركز “تزي وسلي” كرد فعل نظم المقاومون الريفيون هجومات عدة على القوات الفرنسية، متعقبين إياها حتى أماكن على مقربة من مدخل تازة المدينة جنوبا. الوضعية والتطورات التي دفعت السلطات الفرنسية للاستعانة ب” القايد المذبوح” من اجل هجوم مضاد على تزي وسلي مدعمة إياه بالسلاح والتغطية الجوية. ونظرا لعدم تكافؤ القوة والعدة والعتاد العسكري والتموين بين الجبهتين، تمت السيطرة على مركز تزي وسلي الاستراتيجي، حيث اقدمت القوات الفرنسية على إحداث مركز للشؤون الأهلية به سنة 1926، فضلا عن حامية عسكرية مقيمة لها بعين المكان من اجل التدخل السريع عند الضرورة (الكًوم، المخازنية ..). هذا قبل بدأ عمل استكشاف وجمع للمعلومة حول كل ما هو مجالي جغرافي ثقافي قبلي ..، من اجل معرفة دقيقة لبيئة قبيلة اكًزناية (فرقة بني يونس) ونقط قوتها وضعفها، حتى يسهل عليها تفكيك وحدتها واضعافها وإنهاء مقاومتها واستدامة التحكم فيها.
إلا أن انطلاق الكفاح المسلح وعمليات جيش التحرير بشمال المغرب، غير الوضع وقلبه رأسا على عقب منذ خريف سنة 1955 حتى استقلال البلاد، عندما تحول تزي وسلي الى فوهة بركان من جديد ضمن أهم مراكز انطلاق عميات جيش التحرير وفق ما كان مخططا له من قبل القيادة بمدينة الناظور، بحكم قربه وانفتاح مجاله الترابي وسهولة التواصل معه. وبالتالي سهولة نقل السلاح صوب المنطقة والتدريب عليه قبل اندلاع أولى العمليات في ثاني أكتوبر من السنة المذكورة، من خلال هجوم موحد على مركز تزي وسلي وبورد ثم أكنول ضمن ما عرف ب”مثلث الموت”. فكان ما كان عبر هذا الهجوم المفاجئ الأول من حرق للمرافق الإدارية الاستعمارية الفرنسية بالمنطقة، فضلا عن السيطرة على كمية هامة محفزة من السلاح، والذي استعمل في هجومات جيش التحرير اللاحقة هنا وهناك. ولعل ما حصل من مقاومة شرسة غير مسبوقة مستفيدة من مناعة وخلفية بيئة جبلية وعرة، جعل أحد القادة الفرنسيين العسكريين الميدانيين يصف رجال جيش التحري ب”الأشباح” في الميدان، نظرا لأسلوب قتالهم ومناوراتهم ودقة تصويبهم وتنقلاتهم وسرعة حركتهم وهجوماتهم مستغلين معرفتهم بمجالهم وجبالهم. وعليه، أمام الأمر الواقع لم تجد القوات الفرنسية سوى أسلوب عقاب جماعي، عبر قصف جوي عشوائي وقنبلة للدواوير وأهاليها المدنيين العزل ترهيبا للساكنة ب “مثلث الموت”. فضلا عن اعتقال شيوخ القبيلة في محاولة لانتزاع المعلومة منهم دون جدوى عن أبنائهم، وعن أمكنة تواجدهم لمعرفة نقاط انطلاق عمليات مقاومتهم. هؤلاء الذين ابانوا في كفاحهم ضد المستعمر الاسباني أولا ثم الفرنسي ثانيا كما سبقت الإشارة لذلك، عن تضحيات جسام وقوة عزيمة وايمان بقضية وطن من اجل الاستقلال واستعادة السيادة، بعد صمود اسطوري رسموه وملحمة كفاح يحفظها التاريخ وتذكرها الأجيال وتشهد بها ولها الجبال.
رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث











