تازة بريس
عبد السلام انويكًة
على وقع بهاء ربيعها وصور منظره واطلالته ونزهته وجواره من الجبل فضلا عما يطبعه من طفوحات شجرة النارج به، وعلى وقع روح المدينة وتراث دروبها وأزقتها العتيقة وفضاءاتها الأثرية وزمنها المتفرد اللامادي. توجد تازة على موعد مع موسم الزهر في دورة سابعة، ارتأت لها الجهة المنظمة شعارا “جميعاً من أجل مدينة عتيقة في مستوى تحديات القرن 21” على امتداد الفترة ما بين 24 ابريل و17 ماي 2026. ولعل الموسم كعادته كل سنة هو بتطلعات لافق أوسع وأرحب من حيث سبل الاغناء والتجويد والانفتاح من اجل اثاث احتفائي جامع بين فكر رافع وابداع محفز داعم فضلا عن منشود أثر تراث من اجل ما ينبغي من تنمية محلية واعتبار للمدينة العتيقة، خدمة وحفظا لهويتها ومخزونها التاريخي الانساني .
ولعل موسم الزهر بتازة الذي بلغ دورته السابعة، فضلا عما يرومه من حدث ثقافي وحفل وتلاقي وتلاقح أجيال، هو تثمين ووعي بالتراث لدى الجهة المنظمة وبأفق الاشتغال عليه بجعله مكونا واقعيا للنهوض بتازة العتيقة ورد الاعتبار لموقعها من اجل حاضر ومستقبل مستثمر لعظمة ماضيها وغنى موروثها الثقافي المادي واللامادي. بل موسم الزهر بالمدينة دعوة لمزيد التفات وانصات لذاكرتها التي بتقاليد وأدب عيش وصور حياة وزخم وغنى حضارة أهالي، وأن روح تازة العتيقة هو تراثها اللامادي وأن حماية هذا الأخير تثمين لأصالتها. هكذا موسم الزهر في دورته السابعة نداء بقدر كبير من الأهمية والرسالة والاشارة للجميع كل من موقعه، لما ينبغي من حفظ لهوية المدينة مع إبراز الهوياتي التراثي المحلي والتحسيس بقيمته وجوانبه الانسانية اللامادية المتفردة، ولفت الانتباه لِما يمكن أن يسهم به هذا التراث لفائدة الترابي المحلي على عدة مستويات، بما في ذلك إعداد الناشئة على التراث ومن ثمة التربية والتنشئة على الهوية المحلية والوطنية المغربية “تمغريبت”، فضلا عن غرس معنى التراث وعبقه في نفوس الأجيال من أجل ما ينبغي من تلاقح ومشعل واستمرارية.
وغير خاف أن موسم الزهر بتازة الذي بلغ دورته السابعة، هو اشتغال على مشترك تراثي جمعي محلي من المهم حفظ زخمه وغناه الإنساني الجامع بين ذخائر شفوية وزخم تقاليد فضلا عن أثر شاهد، حتى لا يطوي هذا الموروث الإتلاف والإهمال والنسيان وحتى لا تكون المدينة بلا معنى ولا قيمة ولا ذوق ولا طعم ولا رائحة إن هي فقدت روحها وعبق تراثها اللامادي. وكما لأهل تازة تقاليد لباسهم واحتفاءاتهم وموائدهم وطبخهم..، لهم أيضا تقاليد أصالتهم وتميز عمق علاقتهم ببيئتهم ومستقرهم ومن ثمة تراثهم اللامادي الذي من جملة تحفه “تقليد تقطير ماء الزهر”. وإذا كان قد تم تصنيف تازة تراثا وطنيا قبل عده سنوات لِما هي عليه من أثر مادي تاريخي هام، فإن ما تزخر به من إرث لامادي من شأنه أن يكون رافعا لأفقها الإنساني مستقبلا. وعليه، ليس موسم الزهر بها فرجة واحتفاء ونزهة روحية ووجدانية فقط، انما ايضا واساسا موعدا لإنتاج ما ينبغي من فكر ورأي ومقترح لمزيد من وظيفية المناسبة وإغنائها.
وموسم الزهر الذي جزء من أثاث تازة ربيع كل سنة، هو بإحالات على مكونات محلية عدة منها ما كان ولا يزال لعنصر الطبيعة في معيش الأهالي سلفهم وخلفهم، وما كانوا عليه من تقليد وعادة تقطير الزهر. ومن هنا ما يحسب لموسم تازة من روح صلة رحم بين ماض وحاضر وسلف وخلف، مستحضرا محتفيا لافتا لِما كان يطبع بيوت الأسر التازية ويملأ دروب المدينة ربيع كل سنة، من إعداد واستعداد لهذا التقليد التراثي المحلي بدءا باقتناء الزهر مرورا بمراحل تقطيره ضمن طقوس خاصة، قبل تخزينه وتقاسم بعضه بين هذا وذاك من جار وقريب. علما أن موسم الزهر هو صلة رحم ايضا مع جملة أمكنة عن مجال المدينة العتيق، تلك التي بذاكرة رمزية لدى الأهالي،(قبة السوق الشهير بالمدينة، زنقة باب الزيتونة وما كان يعرض بها من قفاف زهر وورد، ضمن مشهد يضفي رونقا خاصا عليها كل صباح لعدة أسابيع. وقد ارتبطت بها أسماء عدة اشتهرت ببيع الزهر والورد لا تزال تحضر ذاكرة المدينة. والشيء بالشيء يذكر كما يقال، من أمكنة تازة العتيقة التي بذاكرة في ثقافة تقطير الزهر، ما كان ولا يزال يعرف بـ “القزدارين”. ولعل المكان هذا المركب الحرفي التراثي، كان بمحلات وحرفيين متخصصين في صناعة وإصلاح بعض الأثاث المنزلي من قبيل قطارات الزهر. ومن أمكنة المدينة ذات الصلة ايضا سوق العطارين والعشابين الذي لا يزال نفسه المكان الخاص بالأعشاب الطبية والعطور وماء الزهر والورد .. . ولعل جميع هذا وذاك يترجم ويشهد على ما هناك من هوية حضارة محلية تازية ضاربة في القدم، لا شك أنها تراكمت بفعل ما كانت عليه المدينة من أدوار علمية ودينية وسياسية وغيرها في الماضي، خاصة خلال فتراتها الذهبية التي لعبت فيها دور المدينة عاصمة البلاد لفترات. ومن هنا الأثر السلطاني المادي واللامادي لتازة من خلال معالم أثرية شاهدة من قبيل مشور المدينة وجامعها الأعظم السلطاني ودار الإمارة / القصر، فضلا عن مدفن ملكي مريني وجنان سلطان ومحج مصارة وغيرها. بل ايضا من تراث لامادي جامع بين تقاليد وعادات عريقة من قبيل العطر وتقطير الزهر واصالة تقاليد إعداده، انسجاما مع مناسبات احتفاء محلية لا شك أن منها ما كان بطابع سلطاني.
على وقع ماضي تراث تازة هذا، تحتفي المدينة بموسم تقطير الزهر في دورته السابعة، تحت شعار “جميعاً من أجل مدينة عتيقة في مستوى تحديات القرن 21″، في الفترة من 24 أبريل إلى 17 ماي 2026، من خلال حفل افتتاح رسمي استضافت فعالياته دار السماع ودار الباشا السملالي التحفة الأثرية التاريخية يوم 24 ابريل الجاري، وقد تضمن مراسم تقطير الزهر على الطريقة التازية التقليدية، بمشاركة جوق “معاني ومغاني” عن مدينة فاس. علما أن ضيف شرف دورة الموسم هو “ائتلاف ذاكرة المغرب” تعزيزا من الجهة المنظمة لسبل ما هو ثقافي حضاري، وأن برنامج الحفل هو بقدر معبر من مساحة نوع وتنوع، من قبيل قضايا الشراكة والمجتمع المدني والمؤسسات العمومية وورش تأهيل التراث، فضلا عن معارض فنية ذات خلفية تراثية لا مادية من قبيل معرض غير مسبوق للزليج التازي بشراكة مع ائتلاف ذاكرة المغرب، وكذا معرض تعاوني خاص توجه بعنايته ومحتواه للأعشاب الطبية والعطرية. ناهيك عن أمسيات فنية تراثية أصيلة عدة تؤثثها أسماء عدة محلية ووطنية مع إلتفاتة عرفان لعدد من التجارب حول هذا وذاك من الاسهامات عن المدينة. ولعل من ليالي الوفاء ضمن برنامج موسم الزهر لهذه السنة، أمسية فنية كبرى بمشاركة فرق فنية تراثية عدة، تكريما وعرفانا للفنان الكبير وايقونة تراث السماع والمديح والانشاد وطرب الآلة بالمغرب الحاج محمد باجدوب. وعن نزهة الدورة السابعة للموسم بتازة، ارتأت الجهة المنظمة بلدة “كًلدمان” المجاورة وجهة لها من خلال لحظات تراث يؤثثها تراث المغرب العيساوي عن مدينة مكناس.
يبقى جوهر واعظم ما يحضر موسم الزهر منذ دورته الأولى حتى الآن، تكريمه وتثمينه ومباركته شجرة “النارنج”، من خلال استحضار طيب غرستها ومنظرها ورائحتها وجمالها وبيئتها، باعتبارها نباتا تراثيا جزءا من هوية المدينة ومن خلالها بيوتها الأصيلة. فضلا عن اعادة الاعتبار لها عبر سبل التعريف بها وبقيمتها البيئية والتحسيس بأهمية حمايتها وتوسيع وعائها، وعيا بما يمكن أن تضفيه هذه اللشجرة من منظر حضري جاذب ومورد وخزان واعد رافع لتطلعات دوات موسم الزهر القادمة. وفق طبعا ما ينسجم مع روح المدينة العتيقة وتراثها، ومع ما من شأنه رد الاعتبار لها واستعادة ما كانت عليه من إشعاع ومكانة ودينامية إلى عهد قريب. هكذا موسم الزهر بتازة التي قال عنها المؤرخ والأديب والشاعر “لسان الدين بن الخطيب” ذات يوم عن مغرب العصر الوسيط، مخصصا فقرة برمزية خاصة لها قائلا : “تازة .. بلد امتناع وكشف قناع ومحل ريع وايناع وطن طاب ماؤه وصح هواؤه وجلت فيه مواهب الله وآلاؤه”..
