تازة بريس

قبيلة غياتة بتازة .. بعض من الزمن والمكان والانسان والذاكرة الرمزية ..

-

تازة بريس

عبد السلام انويكًة

لِما كانت عليه القبيلة به من دينامية الى عهد قريب تأسيسا على ما هناك من حصيلة مقاربات ونصوص، يعد المغرب وعاء خصبا لدراسة هذا المكون الاجتماعي وإختبار ما يرتبط به من مفاهيم ومعطيات ومقومات. علما أن البلد عموما تمكن من حفظ خاصية تنوعه وتعدده فضلا عما هو إثني سسيولوجي فيه، لكون قبائله هنا وهناك لم تتعرض لصدمات قوية مثلما حصل بأقطار بلاد الغرب الاسلامي. وهو ما جعل رصيده القبلي بدراسات عدة وجاذبية دارسين انتروبولوجيين وسسيولوجيين  زمن الحماية خلال القرن الماضي، استهدفت فهم أسس كيان القبيلة وآليات تحكمه في شأنه وترابه ومجاله الحيوي. نظرا لِما شكلته قبائل المغرب عموما وبمنطقة وممر تازة من انتماءات بشرية وعقبة في وجه التسرب والتوغل الاستعماري. مع أهمية الاشارة لِما كانت عليه القبيلة منذ مغرب العصر الوسيط، من موقع محوري في بنية المجتمع وتفاعلاته، بحيث كان نسبها اطارها الحقيقي، وموطنها جوهر لحمتها وصيرورتها، وفق فهم ونظر ابن خلدون ونهجه.

إن ما أنجز من تقارير من قِبل باحثين مستكشفين أجانب حول القبيلة المغربية عموما، كان لافتا في معطياته سواء قبل فرض الحماية على البلاد أو خلالها. علما أن هذه القبيلة لا تزال تحفظ بعض أطر وجودها اجتماعيا وجغرافيا، من حيث ما هناك من اندماج وقدرة على تحديد تقسيمات لها على مستوى بعض مناطق البلاد. دون قفز عما شهدته عبر زمنها الحديث والمعاصر، من تحولات كانت بأثر في قوتها وحجمها ووظيفتها وامتدادها من فترة لأخرى. وقد كانت متفاوتة في درجتها من منطقة لأخرى، لِما هناك من محدد ايكولوجي مجالي ومن طبيعة تفاعلات وجوار ونمط انتاج وعلاقات داخل مجال محدد، فضلا عما كان لزعماء وأعيان وصلحاء هذه القبيلة وتلك من دور في توازنها الداخلي وانتظامها. ويسجل أنه إذا كانت الحياة القبلية قد انتهت سياسيا واقتصاديا وبدرجة أقل اجتماعيا وثقافيا منذ فترة بالمغرب، فإن ما هو ذهنية وعقليات ووعي لا يزال قائما حاضرا ممتدا فيما هناك من علاقات اجتماعية على عدة مستويات لحد الآن.

وغير خاف عن باحثين مهتمين كون المجتمع المغربي ظل بتميز خلال القرون الأخيرة، وقد جمع هذا التميز بين ثلاث متغيرات ذات علاقة بنسيجه الثقافي. فإلى جانب عنصر التنوع وما أسهمت به الفتوحات والغزوات والتجارة والهجرة والرحلات الحجية وغيرها من تباين في خريطة البلاد القبلية، هناك عنصر الحركية في بعدها الأفقي المجالي الترابي نظرا ِلِما حصل من هجرة وتنقل مستمر لمجموعات قبلية صوب هذه الوجهة وتلك، فضلا عن حركة ذات طبيعة عمودية همت ما هو وظيفي فضلا عن أدوار ومراتب ومكانة اجتماعية، علما أن دينامية القبيلة المغربية اجتماعيا كانت تحكمها مكونات وأعراف وتقاليد. ناهيك عما شهده المجتمع المغربي من تغيرات خلال القرون الأخيرة من حيث فعل اندماج قبائله، وما ترتب عنه من تنوع ثقافي إثني ساهم في بناء مرتكزات هوية مغربية جماعية ووطنية.

اشارات ارتأينا أنها ذات أهمية من أجل حديث بمختصر مفيد عن واحدة من قبائل المغرب، وقد استوطنت مجال تازة وممرها ومن خلالهما جبال الأطلس المتوسط الشمالي الشرقي منذ زمن بعيد. فكانت بما كانت عليه من إشارة وحضور في مصادر تاريخية مغربية وزمن كيانات سياسية حكمت البلاد منذ العصر الوسيط. ويتعلق الأمر بقبيلة غياتة الشهيرة التي يمكن اعتبارها عينة من عينات قبائل المنطقة التي بقدر ما تحيل على وضع استقرار بشري قديم، بقدر ما طبع هذا الاستقرار من أثر وتعبير وعلاقات وتعايش وتقاليد ونمط عيش خاص بكل قبيلة على حدة.

ويسجل أنه رغم قدم استقرار قبيلة غياتة، وما كانت عليه من أدوار منذ مغرب العصر الوسيط، فإن ما يخص أصولها الاجتماعية يبقى بغموض وعدم وضوح، ذلك أنه عند تفحص المصادر التاريخية لا نجد ما هو شاف من إشارة ومعطى وإفادة، سوى كونها من برابرة المغرب الأقصى وفق ابن خلدون الذي ذكرها ايضا ب “مطغرة” قائلا : “كانت البطون التي فيها الكثرة والغلب من هؤلاء البربر كلهم لعهد الفتح، أوربة وهوارة وصنهاجة من البرانس، ونفوسة وزناتة ومطغرة ونفزاوة من البتر”. وكون قبيلة غياتة ذات أصول عدة أمر وارد نظرا لِما يطبع بنياتها ومكوناتها من تباين. نذكر منه كون فرقة “أهل الواد”(وهي فرقة من فرق قبيلة غياتة التي يمتد مجالها على ضفاف وادي ايناون حيث جماعة باب مرزوقة)، تضم فخدات (فرق صغيرة) منها ما يعرف محليا ب”العربيين” الذين ينتمون لقبيلة البرانس بحسب ما أوردته دراسات أكاديمية توجهت بعنايتها البحثية للمنطقة. وضمن فرقة أهل الواد ايضا هناك ما يعرف ب”ولاد بوشعيب” الذين ينتمون لقبيلة التسول المجاورة من جهة الشمال. وضمن فرقة أهل الواد ايضا هناك ما يعرف ب:”البلابلة” والذين ينتمون لقبيلة بني وراين، ونذكر ايضا ضمن فرقة أهل الواد ما يعرف محليا ب: لمقادة” وهم من منطقة فكًيكً، بل يسجل أن ضمن فرقة أهل الواد بقبيلة غياتة، هناك فخدات مجهولة الأصول من قبيل ما يعرف محليا ب”ولاد لمربحيين”.

وحول قبيلة غياتة التي تستوطن جبال تازة من جهة الجنوب، هناك حديث يقول بأنها ذات أصول أمازيغية وأنها تعربت خلال القرن التاسع عشر الميلادي، بدليل فرقة منها لا تزال ناطقة بالأمازيغية محافظة على تقاليدها وتعبيرها لحد الآن. وفي سياق المجموعات الأمازيغية الثلاث الكبرى أي مصمودة وصنهاجة وزناتة، يمكن تصنيف غياتة ضمن هذه الأخيرة. ورغم أنها مجموعة بشرية كبرى ومن أعرق برابرة المغرب الأقصى بمنطق وتعبير ابن خلدون، فليس هناك ما يفيد حول أصل تسميتها ب”غياتة”، فقط ما هناك من روايات تقول بأن المولى ادريس الأول زعيم إمارة الأدارسة في مغرب نهاية القرن الثاني الهجري، دعا لها إثر دعمها لحركته واجتماعها عليه وبيعته الى جانب كل من زواغة ولواتة وسدراتة ونفرة ومكناسة وغمارة وكافة برابرة المغرب بتعبير ابن خلدون، وقال لها “تغيتو ما تغاتو” أي أن تظل غياتة قوية مساندة له منيعة في موطنها وجبالها دون حاجة لمساعدة من أطراف أخرى.  هكذا تسكن هذه الرواية ذاكرة قبيلة غياتة الشعبية، وتقول بأن اسمها له علاقة بالدعاء الادريسي، ومن ثمة حملت القبيلة هذا الاسم منذ نشأة إمارة ادريس الأول في مغرب العصر الوسيط.

ولعل هذه الرواية بقدر ما يصعب الاطمئنان اليها ولقصدها وسياقها، بقدر ما ربما هي رواية حديثة عهد تعود لأواخر القرن التاسع عشر زمن حكم السلطان الحسن الأول، وما حصل خلال هذه الفترة الدقيقة من وضع داخلي غير مستقر لعل من تجلياته ما وقع بمنطقة تازة بين المخزن وقبيلة غياتة من صدام عسكري، إثر “حرْكة” قادها السلطان ذاته عندما كان متجها لبلاد الريف، وكانت وقائع هذا الصدام بصدى كبير وقد خلف ما خلف من خسائر لدى الطرفين (مخزن- غياتة) على مستوى جبل بوكًربة ومرتفعات ومسالك ما يعرف محليا ب “الشقة” حيث واد “تازة” أو “واد الهدار”. وقائع تذكرها جل المصادر المغربية المعاصرة، في ارتباطها بوضع البلاد وتنقلات سلطانها لوقف تمردات القبائل هنا وهناك والقبض على زعمائها. ويسجل حول سبب ما حصل من قتال بين غياتة و”حرْكة” السلطان والذي كان بصدى كبير تذكره جل المصادر التاريخية المغربية، كونه يعود لتأخر إتيان قبيلة غياتة بواجب تموين حرْكة المخزن ولوازمه في وقته، لاعتقادهم أن السلطان لن يمر بمنطقتها وترابها وأن باشا تازة “محمد بن الطاهر” الذي طالبهم بذلك يريده لنفسه فقط. قبل أن تفاجأ القبيلة بنزول جنود المخزن ونصبهم لخيامهم في مكان غير بعيد كان يعرف ب”دراع اللوز” (المدينة الجديدة حاليا).

 ورغم أن قبيلة غياتة بادرت وقامت بما ينبغي من واجب تموين حرْكة السلطان رغم تأخرها، فإن ما كان بينها وبين باشا المنطقة السابق الذكر من سوء تفاهم، جعله يبلغ السلطان بذلك ويطلب منه زجرهم ليبدأ إلقاء القبض على من يأتي بمؤونته، الأمر الذي ترتب عنه ضجيج كبير وردود فعل قبيلة غياتة، وهو ما أغضب السلطان واضطره لاعطاء أمر تأديبها بتوجيه فرقة مخزنية فاجأتها في جبالها، حيث تم هدم دورها واحراق زرعها وخيامها فضلا عن قطع رؤوس بعض أهلها. ورغم مساعي التخفيف صمم المخزن شن هجوم ثان على القبيلة لوقف ردود فعلها، حيث نهض السلطان الحسن الأول لقتالها بنفسه ذات يوم جمعة من أواخر شهر جمادى الثانية سنة ألف ومائتين وتسعين هجرية، بمكان فاصل وعر المسالك بين تازة المدينة وجبال غياتة جنوبا، وهو المكان الذي لا يزال يعرف ب”الشقة”. حيث اقتحم بجيشه وعدته المكان، واستعدت القبيلة لقتاله معتمدة كمائن وكهوف فضلا عن معرفة دقيقة لها بمجالها، قبل أن تفاجأ الجيش المخزني بنيران بنادقها من كل جانب وبخاصة من خلفه، بحيث من شدة القتال والقتلى والمصابين وبعدما تم جر المحلة المخزنية الى شعبة بوكًربة، امتلأت هذه الأخيرة بالجثث من الأدامى والدواب التي كان يُمر عليها بالخيل والأرجل، وبعد هدوء واقعة “بوكًربة” هذه بجنوب تازة مساء، بدأ البحث عن السلطان هناك ليتم العثور عليه رفقة حاجبه أبي عمران موسى بن أحمد، حيث تم اخراجهما بعد عناء وتم الاعلان عن سلامة السلطان ونجاته لطمأنة النفوس. قبل أن يوجه السلطان لقبيلة غياتة في اليوم الموالي لهذه الواقعة جيشا ثانيا، تعرضت فرقه لِما تعرضت له من ضغط وهجوم وقتال غياتي شرس معتمد على مناعة الجبل وتحصيناته، الى أن تمكن المخزن من حسم صراعه بعد وقعة شنعاء بقبيلة غياتة، حيث قام السلطان بعد إعلان توبتهم على عزل الباشا “ابن الطاهر” الذي كان سببا في هذه الفتنة وعين على المنطقة القائد منصور حيطوط.

ومن اشارات المصادر حول ما حدث ببلاد غياتة نذكر :” وقعت بينه وبين غياتة.. وقعة مشهورة وعثرة بالبوار(الهلاك) لولا لطف الله، وكان النصر فيها أخيرا للسلطان..فهدم لهم الديار وحرق الأشجار ومحا منهم الأثار، وطلع عليهم في جبالهم التي هم بها معتصمون وأراهم خلاف ما كانوا يضنون.. لكن انمحص من جيوشه وعساكره شيء كثير..سقطوا في هوة غامضة لم يكن عندهم علم بها، حيث اضطرهم الأعداء وألجأوهم اليها.. وماج الناس موجا ضنوا به وقوع الكارثة على نفس السلطان، وانبهمت المسالك بكثرة الغبار والدخان وكادت الهزيمة تتم على المحلة.” هكذا اذن في سياق ما حدث من صراع مخزني غياتي، ربما تبلورت مقولة “تغيتو ما تغاتو” التي قد تكون استهدفت توحيد الصف والاستعداد للقتال اعتمادا على الذات والبيئة المحلية الجبلية. وهي الرواية التي يعتقد أنها أصل تسمية القبيلة بهذا الاسم”غياتة”، وأنها تعود لدعاء ادريسي زمن نشأة امارة الأدارسة أواخر القرن الثاني الهجري بمغرب العصر الوسيط. هكذا يظهر أن أصول قبيلة غياتة وتسميتها لا تحيل على أي تجمع سلالي (جد معين)، إنما هي تسمية بطبيعة رمزية فقط حيث أصبح اسم غياتة مجرد شعار يهم عددا من الفرق التي سكنت الجبل. ونعتقد تأسيسا على اشارات نصوص تاريخية مصدرية، أن أصل اسم غياتة يمكن أن يكون بعلاقة مع مجموعة أفراد وأسر عرفت في المنطقة ب”ولاد غيات”، وقد كانت تنتمي لفرقة بني محسن إحدى فرق قبيلة غياتة التي لا تزال لحد الآن، وأن هؤلاء الأفراد أو الأسر كانت تتعاطى لقطع الطريق والنهب، تلك التي تم القضاء عليها أواسط القرن الثامن عشر الميلادي.

وعن قبيلة غياتة ومجال استقرارها، يعتقد أنها كانت تستوطن مرتفعات جبال الأطلس المتوسط الشمالي الشرقي (جنوب تازة)، قبل أن تلجأ صوب أسافل هذه المرتفعات تدريجيا ومن ثمة امتدادها وبلوغها ضفاف وادي ايناون، على إثر ما عانت منه وما تعرضت له من ضغط وصراع مع قبيلة بني وراين المجاورة لها من جهة الجنوب. وعليه، ما شهدته قبيلة غياتة من تدرج في استقرارها لتستوطن مجالا جبليا غابويا بمسالك وعرة وفجاج وقمم بارزة، من قبيل جبل تازكا الشهير بالمنطقة الذي يبلغ علوه حوالي ألفي متر وجبل بومسعود الذي يبلغ علوه حوالي ألف وثمانمائة متر ثم جبل تومزيت الذي يبلغ علوه حوالي ألف متر. وعندما نقول استقرار القبيلة في هذا المجال الجبلي بهذه المورفولوجية، نستحضر ما يحكمه من مجاري مائية ومشهد نباتي غابوي وزراعة ومدرجات ومنابع مياه وكهوف ومناعة، فضلا عما لهذه المكونات البيئية من أثر على بنية الانسان وديناميته وكذا مصادر عيشه وأنشطته وتقاليده وثقافته وتعبيره، من لباس وتغدية ونمط عيش ووعي وسلوك وعقليات. وكانت قبيلة غياتة ولا تزال تعيش ضمن دواوير وتجمعات صغيرة متفرقة، من خلال بيوت يمكن التمييز فيها بين ما هو قريب من منابع ومجاري مائية وأخرى بعيدة عنها، وبين منها ما يوجد في الأسافل وأخرى بالجبال، مع ما يوجد بجوارها من كهوف كانت بأغراض عدة منذ الماضي، ولعل تجليات ومظاهر وأدوار ورمزية ومشاهد هذه الكهوف، لا تزال قائمة بادية للعيان إن على مستوى جوار المدينة تازة واجرافها المحيطة، أو على مستوى دواوير قبيلة غياتة المجاورة من قبيل دوار “مكًوسة” و”بوحجار” والشقة” وغيرها.  

وفي قبيلة غياتة، التي تحد شمالا بقبيلة البرانس والتسول وغربا بواد بوحلو كحد فاصل بينها وبين قبيلة بني وراين، وجنوبا بجبل تازكة وشرقا ب: واد مللو(الفحامة)، يمكن التمييز بين غياتة الفوقية (الجبل) وتضم فرقة متركات وبني وجان وبني بوقيطون وبني بوحمد ثم أهل الدولة، أما غياتة السفلية أو التحتية (ضفاف واد ايناون) فتضم فرقة مكًصة وأهل الطاهر وبني مكًارة وأهل الواد. وهذا التموضع المجالي يتبين منه أن قسم قبيلة غياتة الفوقي كان يتحكم فيما كان  يتدفق من المياه باتجاه الأسافل حيث واد ايناون ومدينة تازة. وعليه تسجل المصادر التاريخية ما حصل أثناء فترات صراع وعدم استقرار، عندما كان يتم اللجوء الى تحويل مياه منبع رأس الماء (راس الواد) وقطعه عن مدينة تازة. وفضلا عما أورده حول الموضوع عن القرن الرابع عشر الميلادي صاحب معيار الاختيار من اشارات ذات صلة، جاء عند كاربخال: “يخترق المدينة (تازة) نهر ينحدر من جبل مطغرة (غياتة)، بحيث أن البربر يحولون مجراه إذا كان لهم نزاع..”.

وكانت قبيلة غياتة (تازة) وجهة للمولى ادريس الأول لأهمية موقعها من جهة، ولتوسيع مجال نفوذ إمارته ونشر الاسلام بها أواخر القرن الثاني الهجري من جهة ثانية، نظرا لِما كان يسود هذا المجال من اعتقادات دينية. ولعل من اشارات طوبونيميا المنطقة التي لا تزال تطبع تراب تازة وجوارها ومن ثمة غياتة، مرتفع جبلي من جهة الغرب يحمل اسم “قرن(كًرن) النصراني”. وغير معروف هل هو توصيف قديم يعود لفترة انتشار المسيحية بالمغرب قبل الفتح الاسلامي، أم هو حديث عهد له علاقة بواقعة ما خلال فترة ما من تاريخ المكان وبيئته البشرية والثقافية. نفسها الملاحظة التي يمكن تسجليها حول ما هناك من اشارة طوبونيمية، تخص موضعا مجاورا للمدينة من جهة الغرب حيث واد الهدار، وهو الموضع الذي يدخل ضمن سفح جبل تومزيت ويحضر في الذاكرة المحلية ب “مكًوسة”. وربما الأصل فيه هو”مجوسة” نسبة للديانة المجوسية التي كانت منتشرة وسط برابرة المغرب الأقصى، عندما  تمت بيعة المولى ادريس الأول وفق ما أورده ابن خلدون قائلا: “ولما تمت دعوته (ادريس الأول) زحف على البرابرة الذين كانوا بالمغرب على دين المجوسية واليهودية والنصرانية.. فأسلموا على يديه طوعا وكرها وهدم معاقلهم وحصونهم”. فهل كانت بعض قبيلة غياتة على دين مجوسية ويهودية ونصرانية، وأية اشارات واحالة رمزية ذات علاقة هنا وهناك على المستوى وذاك، شأنها في ذلك شأن ما تتقاسمه المنطقة من أثر مادي ولا مادي.

بعض فقط من زمن ومجال قبيلة غياتة، التي بقدر ما تحضر مصادر تاريخ المغرب منذ العصر الوسيط، بقدر ما يصعب القفز عليها باعتبارها عينة وجزءا من تاريخ المغرب الجبلي. ذلك أن نفوذها في الماضي قد يكون بلغ مشارف بلاد سايس، مع ما قد يكون من جوار لها مع قبيلة أوربة التي تقاسمت معها بيعة ومساندة المولى ادريس الأول، فضلا عما قد تكون استغلته من أحداث نشأة وانهيار كيانات سياسية، لتوسيع مجالها الحيوي وإرساء إقامةٍ وعيش لها على ضفاف وادي ايناون، مع ما قد يكون حصل من توسع لها على حساب قبيلة مكناسة، إثر ما شهدته هذه الأخيرة من ضعف بعد نهاية امارة بني العافية. أسئلة وغيرها لا شك أنها بحاجة لإنصات باحثين دارسين، مع فعل حفريات وتدقيق وتوثيق من أجل خزانة تاريخية محلية بنصوص مؤسَّسَة مفيدة رافعة.

عضو مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

إلغاء الاشتراك من التحديثات