تازة بريس
عبد السلام انويكًة
عبر “سوس العالمة” في شأن زمن المغرب، كان المختار السوسي أول من نبه لأهمية ورش تاريخ البلاد المحلي قائلا: ” في المغرب حواضر وبواد، وتاريخه العلمي العام لا يمكن أن يتكون تكوناً تاماً إلا من التواريخ الخاصة لكل حاضرة من تلك الحواضر ولكل بادية من هذه البوادي”. مشيرا الى أنه مقابل ما سلط من أضواء حول مناطق لا تزال أخرى مغمورة بحاجة لباحثين، متسائلا حول ما يمكن أن يسهم به هؤلاء على مستوى ابراز ازمنتها وأمكنها وما طبعها من احداث وجوانب حضارة لا تزال وأثارها بادية حتى الآن عبر ما هناك من معالم مادية وذاكرة جماعية، مضيفا مقترحا أهمية انفتاح الباحث على أعمال مونوغرافية من شأنها تغطية جهات البلاد، لافتا الى أنه لو تعبأ باحثون عن كل منطقة من اجل هذا الغرض، لانتهت جهودهم حول التاريخ المحلي لنصوص بقدر عال من الأهمية المرجعية من اجل تاريخ المغرب العام. هكذا التاريخ المحلي عبر جميع مستويات قضاياه، بأثر هام فيما يمكن طرحه حول ماضي أمكنة هنا وهناك، علما أنه لا يزال مجالا خصبا من اجل مزيد اهتمام واضافة وقضايا بحث، يقتضي ليس فقط الحفاظ على قواعده الشكلية بل ما ينبغي من جديد مضمون، عوض تدوير كائن مألوف من مادة معرفية شائعة، غالبا ما يتم إعادة ترتيبها من جديد بتعبير وملاحظة وجيهة للأستاذ الباحث عثمان المنصوري، مضيفا في هذا السياق ما يميز بين باحث رصين مجدد، وبين باحث مجرد كاتب تافه متهافت غير خاف حاله عن أعين الناس وإن كانوا لا يصارحونه بذلك.
حول تاريخ تازة تأسيسا على ما جاء عند المختار السوسي، وعملا بملاحظة وجيهة الأستاذ عثمان المنصوري، وانفتاحا على ما ينبغي من معرفة تاريخية تراثية حضارية وثقافية وبيئية، من شأن تقاسمها تحقيق إغناء ومساحة جدل. وتفاعلا مع تاريخ تازة وجوارها البيئي إثر إعلان عن المركز الجهوي للاستثمار لجهة فاس مكناس، وقد تعلق بفتح بحث عمومي يخص مشروع استغلال منجم للنحاس بجماعة مغراوة (دوار بوسعيد). ارتأينا ورقة متواضعة اثارة منا لبعض ما يحيل من زمن حول أنشطة تعدين ومعادن معادن بالمنطقة، متسائلين عما هناك من مواطن ومكامن وتجارب وأثر..، من اجل ما ينبغي من مساحة نقاش ودراسات، تنويعا لتيمة التاريخي المجالي المحلي واغناءً لنصوص الخزانة المحلية بما يفيد على مستوى ابراز وتسويق التراب. مع أهمية الإشارة لِما هناك من جدل بيئة بين “المعادن والتعدين” كزمن وبين ما هناك من بنى جيولوجية كمجال، ولِما هناك من صور استغلال وأثر هذا وذاك على استقرار بشري ونمط عيش..، دون نسيان ما هو أرشيف شاهد على بيئة أنشطة.
وليس التعدين حديث عهد في زمن المغرب وجهاته كما هو غير خاف، بل ممتد في القدم منذ العصر الوسيط عبر من حكم البلاد من إمارات اسلامية منذ الادارسة، وأن مما تم استثماره من معادن على امتداد هذه الفترات نجد الفضة والنحاس والرصاص… مع أهمية الإشارة الى أن الموضوع احيط بتقارير هامة فضلا عن دراسات توجهت بعنايتها لِما هو جيولوجي معدني خلال فترة الحماية الفرنسية عن القرن الماضي، وقد كشفت عن معطيات بقدر كبير من الأهمية حول المغرب المعدني. ويسجل أن من المعادن التي كانت مستغلة في مغرب ما قبل الاستعمار، نجد الرصاص والحديد والزنك والنحاس فضلا عن الذهب. سياق مادام المقال يتوجه بعنايته لتاريخ تازة وجوارها الجبلي، من المفيد فيه السؤال حول ما كان من نشاط معدني بالمنطقة؟ وماذا عن أمكنته وشواهده وارشيفه الى غاية نهاية فترة الحماية ؟ ثم ماذا عن توزع معادن المنطقة بين ترابها الذي ضمن مقدمة الريف شمالا والآخر الذي جزء من الأطلس المتوسط جنوبا؟ وأية ابحاث مفيدة كائنة ذات صلة ؟ بل أيضا أية حفريات حول مواطن هذا النشاط المعدني بالمنطقة، ولا نقصد هنا ما يخص موقع كيفان بلغماري وما ارتبط به من عمل (أثري) وما عثر فيه من بقايا بحاجة لاعادة قراءة اركيولوجية، من اجل اضواء أركيولوجية أوسع وأدق بعيدا عن الاستكشاف الاستعماري وما كان من هاجس معلومة استعلامية؟ ثم أيضا ماذا عن خريطة معادن المنطقة ومنها الرصاص وصناعته وعلاقته ببارود قبيلة غياتة، ما أورده شارل دوفوكو عندما دخل تازة متحدثا عن احوالها، مشيرا لحمل أهل غياتة لبنادق لا تفارقهم ؟
والى حين ما ينبغي من نص بحثي شاف حول الموضوع إغناء للمكتبة المحلية، من المفيد الإشارة الى أن من مواقع معادن الأطلس المتوسط الذي يمتد من منطقة بني ملال حتى منطقة تازة، نجد ما يرتبط بتكوينات جبل تازكا القديمة، الامتداد الذي يتوفر على مكامن منجمية تخص النحاس والحديد. ويظهر من خلال إشارات “شارل دوفوكو” في “التعرف على المغرب”، أن معدن الرصاص بالمنطقة كان مستغلا بها أواخر القرن التاسع عشر من طرف قبيلة غياتة، وأن هذا المعدن بعد استخراجه كان يباع في وهران ومليلية قبل سنة 1908. وبحسب تقارير بحثية أنجزت حول الموضوع، ورد أنه في مكان عُرف ب”ركبة بونوح” rokbetbounouhm ، كان منجم عبارة عن بئر عميق بمعالم واضحة شاهدة على أثر استغلال القبيلة لهذا المعدن في الماضي. وأن في مكان ثان عرف ب”باب الحاجة” بنفس المجال الترابي الجبلي (تازكا) جنوب تازة حيث الاطلس المتوسط الشمالي الشرقي، هناك حفر واشغال معدنية قديمة. بل في موقع ثالث عُرف محليا ب”رأس الكولة” raselkoula هناك بناءات تشير لانشطة معدنية قديمة، هذا فضلا عن موقع رابع عُرف ب”شيكر” كان مستغلا مطلع القرن الماضي قبل فرض الحماية على البلاد، من قبل شخص كان يسمى “عزوز الحاج القريشي” من قبيلة غياتة. وأنه كان يقوم بتدويب معدن الرصاص بنفس المكان معتمدا على فحم حطبي، قبل نقل منتوجه منه الى الحدود الجزائرية المغربية “زوج بغال” فضلا عن مليلية. وعن معادن مرتفعات تازكا ورد حديث عن الحديد واستغلاله منذ القدم، وأن تحويله كان يتم في عين المكان بدليل بقايا يمكن ملاحظتها بمواقع عدة في المنطقة، من قبيل “الشقة” “تاسدلت” “وطاط مرزوكً” “تامطروست” “دار الحداد” “باب مسعود” “تاكًورارت” ثم “ايش ايرشان”.
يبقى موضوع التعدين كنشاط بشري وأثر مهجور ومواقع بتازة وجوارها، حديث عن تراث مادي ولا مادي يخص المنطقة، وهذا التراث بفهم الأستاذ محمد عابد الجابري هو ما يحضر معنا وحولنا وفينا وبجوارنا، فضلا عن كونه ذاكرة ماض قريبه وبعيده، بل صلة وصل بين ماضي الانسان وحاضره عبر السؤال وما لا يزال مستمرا هنا وهناك ضمن زمن محلي، وعبر أيضا ما هناك من شاهد على ما هو اجتماعي ثقافي اقتصادي. وعليه، ما يقتضيه هذا التراث لأهميته من بحث ودراسة، باعتباره حلقة بقدر عال من الأهمية في كتابة التاريخ المحلي، ووعاء من اجل ما ينبغي من سؤال تاريخي حول المكان والزمن والانسان في بعده المحلي، من خلال ما هناك من وثيقة وارشيف بما في ذلك مناظر البيئة المحلية الطبيعية فضلا عن أثر بشري. وعيا بأهمية المنشود من هذا وذاك على مستوى إبراز صور تاريخ محلي وتراث وذاكرة جماعية، الى جانب التعريف بما هناك من زخم ونبض حياة ماض، لا شك أنه بقدر كبير من الإفادة الرافعة لكل تربية وتكوين وتثقيف وهوية وتلاقح محلي ترابي. ولعل نشاط تازة وجوارها المعدني موضوع هذه الورقة، بقدر ما يروم بمختصر مفيد اثارة ما هناك من مخلفات مادية ولا مادية بيئية ذات صلة، من قبيل ما لا يزال شاهدا من أمكنة تعدين مهجورة، تلك التي من شأنها تيسيير بلوغ تعَرف وفهم أوسع لزمن المنطقة في كل أثاثها. بقدر ما يدخل هذا النشاط التعديني ضمن ما أثاره الأستاذ عبد الله العروي من حديث في”مفهوم التاريخ”، حول أهمية الأرشيف المادي البيئي في سبر أغوار الماضي، من خلال ما هناك من أثر يعكس انغماس الانسان في محيطه الطبيعي متأثرا به مؤثرا فيه ومن ثمة ما يترك بالضرورة من شاهد عليه، وهو ما يعني كون التاريخ ليس فحسب عمل جماعات وافراد انما أيضا عمل وسط طبيعي.
