الرميد: مواصلة اضراب المحامين تهدد المهنة بوضع غير قابل للترميم ..

في إطار الجدل المهني الذي أثاره إضراب المحامين احتجاجاً على القانون الجديد المنظم للمهنة، خرج المحامي والقيادي والحقوقي ووزير العدل والحريات الأسبق مصطفى الرميد، بموقف له عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك” وقد جاء كما يلي :
قام المحامون بإعلان إضراب شامل بسبب القانون الجديد المنظم للمحاماة، وهو إضراب بدأ منذ أن كان القانون مشروعاً بين يدي البرلمان، واستمر إلى ما بعد صدور القانون في الجريدة الرسمية. وقد اتسم النقاش بشأنه بشيء من التجاوز والانفلات بوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة لدى بعض الفئات المهنية، حد الإساءات البليغة للمخالفين، دون احترام للأعراف والتقاليد الرفيعة التي كانت محل تميز المهنة وسموها. غير أنه، والحمد لله، هناك محاميات ومحامون عقلاء، وما أكثرهم، يستحقون الدخول معهم في نقاش موضوعي مفيد. وبناء عليه، يشرفني أن أبسط وجهة نظري كالتالي:
أولاً: إن استمرار الإضراب الشامل للمحامين، منذ أن كان القانون مشروعاً، وبعد المصادقة البرلمانية عليه، وصدور الظهير الملكي القاضي بالأمر بالتنفيذ، وبعد ذلك نشره بالجريدة الرسمية، وفي زمن ميت وهو زمن الانتخابات البرلمانية، والتي لا يُنتظر خلالها أن يسفر استمرار الإضراب عن أي نتيجة كيفما كان نوعها، يبقى إضراباً لا معنى له وغير مقبول مطلقا. ذلك أن المنطق السليم يقتضي إيقاف الإضراب، على الأقل في هذه المرحلة، إلى حين تشكيل الحكومة المقبلة وفتح حوار جديد معها، وبعد ذلك لكل حادث حديث، أما الاستمرار في الإضراب في سياق هذه المعطيات فهو استمرار في الحفر وتعميق الحفرة بدون فائدة.
ثانياً: إن القانون خضع لعدة تعديلات جعلت منه قانوناً آخر غير المشروع الذي تقدمت به وزارة العدل ابتداءً، ولذلك لم نعد ندري ماذا يقبل المحامون وماذا يرفضون. ما أراه وأسمعه أجد أن أكثره لا علاقة له بالنص المصادق عليه، وأجد في كثير من الأحيان الاعتراض بمبادئ وعبارات فضفاضة لا صلة للنص بها ولا صلة لها بالنص. نعم، إن في النص اختلالات عديدة تتطلب التعديل والإصلاح، لكن الاحتجاج عليها بإضراب مفتوح لا أرى أنه مقبول ولا معقول، خاصة في السياق المشار إليه. ذلك أن الاختلالات المسجلة على القانون كما تمت المصادقة عليه ليست من السوء إلى درجة الاستمرار في إضراب شامل، وإن كانت تستحق الاستمرار في النضال بالأساليب الملائمة بما دون الإضراب. ويبقى من الواجب على الهيئات المهنية بيان المواد التي ما زالت محل الاعتراض والتي تتطلب المراجعة، لأني لم أطلع على أي وثيقة متفق عليها صادرة عن الجهة الداعية إلى الإضراب بعد المصادقة على القانون، وما وقفت إلا على آراء شخصية لمحامين، أو سب وشتم واستهزاء وسخرية لا تليق بمهنة النبلاء.
ثالثاً: إن منطق التدافع يفضي إلى الحسم لفائدة الجهة التي تستند إلى ثقل المجتمع ومؤسساته، بحكم معقولية المطالب المقدمة وصدقيتها ونجاعة التواصل وأهميته، وأي معركة مطلبية خاضتها فئة مجردة عن الدعم المجتمعي إلى درجة الإضراب الشامل فإنها ستعود منها بخفي حنين، لأنها لم تستطع قراءة موازين القوى جيداً ومراعاتها، وهذا ما وقع ويقع حالياً، حيث يخوض المحامون مواجهة غير متكافئة مع الحكومة، مع العلم أنه وبمقتضى المعطيات الموضوعية فإن النتيجة محسومة مسبقاً.
رابعاً: أنه إن كان من حق المحامين الدفاع عما يرونه سلباً لحقوق أو إخلالاً بأوضاع، فإن الإضراب ليس هو الأسلوب المناسب لمهنتهم، ذلك أن الإضراب يكون في مواجهة أصحاب القرار قصد الضغط عليهم بالنيل من مصالحهم وبالتالي إلزامهم بمراعاة ما يجب، أما بالنسبة لإضراب المحامين فإنه يؤدي فقط إلى الإضرار بحقوق الموكلين وبمصالح المحامين لا أكثر، أما الوزارة ومعها الحكومة فلن تعبأ أبداً بإضراب المحامين، وهو ما وقع بالفعل للأسف، واسأل به خبيراً.













