تازة بريس

ثقافة السوق وما يميزها من تهافت وتبسيط وتسطيح وتبخيس وتتفيه..

-

تازة بريس

عبد الإله بسكمار

في خضم التحولات الهائلة التي يشهدها عالم اليوم، أصبحنا بإزاء مفارقات مخجلة أحيانا ففي الوقت الذي غدا الصراع حول المعلومة معطى أساسيا في هذه التحولات، نشهد في ذات الوقت تراجعا بينا للثقافة الرصينة بما يطبعها من مظاهر العمق والشمول وميكانيزمات التحليل والتركيب والمفهمة، مقابل استئساد ثقافة السوق بما يميزها من تهافت وتبسيط وتسطيح وتبخيس وتتفيه (من التفاهة وهناك حاليا نظام كامل للتفاهة فعلا) الكم مقابل الكيف/ السطح التافه مقابل العمق الجوهري/ الاستهلاك المتهافت مقابل الأنتاج البناء، هذا فضلا عما تتعرض له ثقافات الشعوب من اختراقات وتهجمات مختلفة الأشكال والألوان لحساب ثقافة واحدة أوحد.

إذا كانت هذه المحددات أبرز سمات العصر الحالي، عصر الثورة المعلوماتية وحقبة ما بعد الصناعة، فإن الأعطاب مزدوجة على صعيد البلدان الباحثة عن نموذجها التنموي (حتى لا نحتفظ بالمفهوم الكلاسيكي بحسبانها”لدانا متخلفة تابعة”)، ولنحصر حديثنا في الفعل الثقافي بما هو كذلك أي كنشاط محدد محكوم بشروط معينة مؤسساتية/ مادية ومعنوية/ قانونية وضمن مجال محدد هو المغرب على أن نحصر حديثنا لاحقا حول بعض المعالم المميزة للثقافة بمجال تازة تحديدا وفي مناسبة قامة بحول الله .

أولى الحقائق الصادمة في هذا المجال تتمثل في غياب كلي لأي مشروع ثقافي لدى الدولة وأجهزتها المختلفة وعلى رأسها وزارة الثقافة، وحيث لا يمكن إخفاء الشجرة بالغابة فغياب مشروع مجتمعي واضح يشكل قاعدة ضمور المشروع الثقافي ككل، وخضوع مجمل السياسات (ومنها السياسة الثقافية) إلى تدبير ماهو يومي وظرفي دون أي رؤية استراتيجية للبلاد والعباد، علاوة على اعتبار قطاع الثقافة مجالا ثانويا لا يعتد به مع أن المنتظم الدولي نفسه ( نقصد منظمة الأمم المتحدة ومعها اليونيسكو) ألح في السنوات الأخيرة على أهمية الرأسمال اللامادي والرمزي للشعوب(تراث شفوي ومكتوب – تراكم إبداعي في المجالات المختلفة كالشعر والقصة والرواية – بحوث أكاديمية وثقافية – ثقافة شعبية من لهجات ورقصات وأهازيج وزجل شعبي– مآثر تاريخية ومعالم طبيعية – مخطوطات – عادات وتقاليد ..).

ما الذي نريده من الثقافة؟ باختصارودون منبرية جوفاء، الثقافة هي جوهر الإنسان الواعي بحاضره والمتطلع إلى مستقبله، فهي حاملة القيم، وكابحة للنوازع الشريرة التي تعم البشر، والمرتقية بالإنسان من مستواه الحيواني أو الاستهلاكي حتى إلى مجاله الإنساني الاجتماعي الحقيقي، فليس بالخبز وحده يحيا البشر، وإنما بالثقافة والمعرفة وقيم الحق والخير والجمال، ودون ذلك حيوانية حقيرة حتى لو بلغ الإنسان ما بلغ من تقدم أو رفاهية. الدولة المغربية للأسف الشديد تسير عكس هذا التيار تماما، فأين الندوات الفكرية العميقة للسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي؟ وأين الأطاريح الجامعية التي كان يستغرق النقاش فيها الساعات الطوال؟ وأين نحن من الجمعيات الثقافية الوازنة كاتحاد كتاب المغرب وجمعية الإمام الأصيلي ومسرح الناس ومسرح الهواة والأندية السينمائية؟ وأين هي رصانة وغنى الملاحق الثقافية للجرائد الوطنية وعها المجلات الثقافية ؟

قد يقول قائل:إن تلك المظاهر النشيطة المبهجة كانت نتاج مراحل الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين، والآن بعد تحطيم جدار برلين لم يعد لها كبير معنى، قد ينطلي هذا الطرح على الكثيرين، مع أنه صحيح جزئيا بالفعل،  لكنه في الحقيقة والمحصلة غير مقنع تماما، فما المانع ياترى من استمرار الثقافة الرصينة وبمعزل عن كل تجاذب أيديولوجي؟ وعلى قاعدة القبول بالاختلاف ودمقرطة المجتمع وإشاعة قيم الثقافة المتحررة الطامحة لغد أفضل قوامه العدل والإنصاف ودولة الحق والقانون وتحرير المواطن من قيود الفقر والجهل والظلم .

الحقيقة مرة أخرى تتمثل في غياب إرادة سياسية للتعاطي الجاد مع الشأن الثقافي، وربما اقتضت مصلحة بعض الأطراف داخل وعلى هامش الدولة المغربية إشاعة ثقافة هز البطون ومطربي الكباريهات وأشكال التبندير دون مراجعة أو نقد ذاتي، مما أدى إلى سيادة ثقافة الهجنة حتى لا نقول العجنة والبهرجة وأشكال الربح الاستهلاكي التبسيطي الهجين وبأي ثمن حتى ولو تم على حساب قيم المجتمع بما تفرضه من احترام ووقار ونستحضر هنا مقولة السوسيولوجي المرحوم محمد جسوس “إنهم يخلقون أجيالا من الضباع”.

الإشكال الأكبر في تقديرنا علاوة على غياب المشروع الثقافي، هو في تبخيس كل شيء حتى ما يفترض أنه علاقة قدسية روحية بين الإنسان وربه. وأظن أن المسالة مقصودة ووراءها مصالح محددة بالطبع ونعرف أن من قاد مجتمعات معينة نحو مدارج الرقي والتقدم هي النخب السياسية والاقتصادية والثقافية، فهل ما زال بالإمكان الحديث عن هذه النخب في بلادنا ؟ سؤال شائك وعريض …

إلغاء الاشتراك من التحديثات