من المسؤول عن أزمة وواقع مقابر المسلمين المؤلم بمدينة تازة ؟..

واقع حال مؤلم توجد عليه مقابر المسلمين بمدينة تازة خلال السنوات الأخيرة، ذلك انها لم تعد تستوعب دفن الموتى بما في ذلك مقبرة المدينة العتيقة الشهيرة ب “المصلى” لعدم كفاية عقارها الذي امتلئ عن آخره، فضلا عن باقي مقابر المدينة التي منها من أغلقت نهائيا، ومنها من يطوف بها الانسان دون أن يجد مكانا لدفن أحد أقاربه وهو بات مهزلة حضرية حقيقية. دون تفكير من قبل الجهات المعنية من سلطات محلية وهيئات منتخبة ومصالح خارجية رغم النداءات في فتح مقابر جديدة، فضلا عما يسجل بخلاف ما طبع ماضي المغرب والمغاربة، من غياب حس الاحسان والتبرع وتوقيف قطع أرضية لهذا الغرض كما كان في الماضي.
هكذا بات واقع مقابر تازة يؤرق الساكنة لدرجة الحديث عن “أزمة قبر” على مستوى مجال المدينة الحضري، ذلك الذي يجمع بين مقابر قديمة تم اغلاقها منذ أكثر منذ عقود مثل مقبرة سيدي عيسى، مقبرة سيدي عبد الجليل وغيرهما، وبين مقابر تقلصت مساحتها بشكل مقلق، لدرجة باتت غير قادرة على استيعاب موتى جدد، ناهيك عما يسجل في فضاءاتها من انتهاك بحاجة لإجراءات حماية. فهل ضاقت أراضي تازة لهذا الحد على أهلها من الموتى، أليست هناك سبل لحماية مشاهد هذه المقابر، أين الخلل ومن يتحمل مسؤولية ما يوجد من إهمال وبؤس. ألا يقلق وضع المقابر وامتلائها مدبري الشأن المحلي، لماذا غياب مقترحات اصلاح لجعلها أكثر انسانية واسلامية ومكانا محترما آمنا. لماذا النظر للمقابر باعتبارها مجالات ميتة لمجرد أنها تأوي”موتى”، وليس جزءا حيا بحاجة لحرمة وأمن ونظافة الخ، متى يتم التفكير في عمل تدبيري تشاركي من اجل هذا المرفق، متى تكون مقابرنا بحراس وسجلات دفن ونظام تدبير .. الخ. من اجل مقابر ببعد ديني ، لتجاوز ما هناك من إهمال وقلة نظافة الخ، حتى تكون فضاء للترحم في جو مفعم بخشوع وصفاء وتأمل في مصير الجميع.
يذكر أن وزير الداخلية الأسبق (أ، م)، كان قد بعث بدورية لولاة وعمال الأقاليم في 29 ماي 2000، جاء فيها أنه “بمقتضى دوريتي عدد 159 بتاريخ 5 يوليوز1989 حول المحافظة على المقابر وصيانتها، سبق لي أن لفتت انتباهكم إلى الوضعية المزرية التي توجد عليها غالبية مقابر المسلمين عبر تراب المملكة… كما دعوتكم من خلالها إلى حث الجماعات التابعة لدائرة اختصاصكم على الاعتناء بالمقابر الإسلامية بتنظيمها وصيانتها والمحافظة عليها. ويؤسفني- يضيف الوزير- “أن أذكركم مرة أخرى بكون المقابر الاسلامية لا زالت في معظمها على حالتها المزرية، حيث رغم النداءات المتكررة من هذه الوزارة قصد الاعتناء بها، ورغم الأسئلة النيابية المتعددة التي قدمت للحكومة بصددها، لم تبذل الجماعات المعنية أي مجهود ملموس للخروج بها من تلك الأوضاع المزرية”. إن ما جاء في هذه الدورية الوزارية من توجيه وملاحظات بعد أكثر من عقدين من الزمن، يبدو أنه لازال أمرا قائما واضحا منسجما مع واقع حال مقابر تازة، ما يقتضي التفاتا لروح هذه الأخيرة ولحرمتها ولما توجد عليه من خصاص بعدما ما بات يقلق ويشغل بال مواطنين بسبب صعوبة ايجاد قبر لدفن موتاهم، ولعل مقبرة الرضوان بجوار مسجد الرضوان المجاور لحي السعادة لصورة معبرة. ونعتقد أن مقابر تازة ينبغي أن تكون جزء لا يتجزأ من مجال المدينة الترابي العام وضمن رؤية تخص تدبيره، بل واقع مقابر المدينة يحتاج لمساحات جديدة لتجنب ما هناك من اكتظاظ مسجل، يتبين منه أنها تجاوزت طاقتها الاستيعابية في سوادها الأعظم. ولتجنب ربما أيضا أزمة حقيقية في هذا المجال خلال السنوات القادمة إن بقي الوضع على ما هو عليه. جدير بالاشارة الى أن معظم مقابر تازة لا تتوفر على حد أدنى من التجهيز (سكن حارس، ماء، إنارة ممرات راجلين .. ناهيك عن أسوار محيطة وحتى وإن هي وجدت فهي مهترئة..)، والى أن الجماعات المحلية هي الوصية على تدبير القطاع وفقا للفصل 50 من الميثاق الجماعي. وعليه، ما هناك من مسؤولية لجماعة تازة وما يسجل صوبها من لوم إثر ما يظهر من تجاهل لحالة مقابر وما باتت عليه من وضع غير لائق. ولعل من واجب كل مهتم متتبع أن يسأل ايضا عن واجب وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، تجاه واقع مقابر تازة وما هناك من خصاص مهول مقلق.
ضمن تقريره الأخير 2024-2025، “رسم المجلس الاعلى للحسابات صورة قاتمة عن تدبير مرفق المقابر بالمغرب، مثيرا مسؤولية الجماعات المحلية في توفير الأوعية العقارية والأغلفة المالية الخاصة بها، فضلا عن تهيئتها وصيانتها وتتبعها. مشيرا الى أن عدد المقابر المتوفرة على الشروط الدنيا للتجهيز والتنظيم اقل عن 0.4 بالمائة من مجموع المقابر الموجودة على الصعيد الوطني. لافتا لما هناك من ضغط على مقابر تجاوزت طاقتها الاستيعابية الحقيقية من خلال الحفر والدفن في الممرات والقبور القديمة بها، ولتدهور وضعية المقابر نتيجة ضعف الصيانة مما يؤثر سلبا علىها ويحول دون أدائها وظيفتها بالشكل المطلوب. المجلس ذاته أثار الغياب شبه التامّ للجماعات الترابية، فيما يتعلق بأدوارها في تجهيز وصيانة وتوفير الموارد البشرية واللوجستية المرتبطة بعمليات الحراسة والدفن وتجهيز اللحود على مستوى المقابر. كاشفا عدم مسك الجماعات سجلا للدفن خاصا بكل مقبرة، تدون فيه الوفيات وعمليات نقل واستخراج الجثث، ما لا يسمح للمرتفقين بتحديد أماكن قبور ذويهم بناء على أسمائهم وتواريخ وفاتهم بسبب عدم تسلسل عمليات الدفن، كما لا يمكن من معرفة عدد الجثامين التي تم دفنها بالمقابر. موصيا الجماعات بالأخذ بعين الاعتبار متطلبات وحاجيات مرفق مقابر المسلمين، عند إعداد وثائق التخطيط الإستراتيجي الترابي وكذا مخططات التهيئة العمرانية، مع اتخاذ الإجراءات الضرورية لتكوين رصيد عقاري كاف مخصص لهذه المرافق، وتجهيزها بالتجهيزات الضرورية لسيرها واحترام تجانس القبور من حيث الحجم والعلو والمساحة المشغولة بالقبر وتوفير ممرات ومسالك واحترام عملية تسلسل الدفن. فضلا عن رقنَ سجلات الوفيات في نظام موحد لضمان توثيق المعلومات، واعتماد برنامج معلوماتي يمكن الجماعة الحضرية من تتبع وتسيير مقابرها، مع السهر على تنظيفها وصيانتها الدورية وتسريع استصدار قرارات تنظيمية لإحداثها وتهيئتها وحسن تدبيرها واستغلالها.












