تازة : لم يبق من عظمة وأثر مسبح بلدي أولمبي سوى الأطلال الى حين ..

تازة بريس
عبد السلام انويكًة
من روح مجالها وأرشيفها الترابي وذاكرة امكنتها، ومن صور حكى زمن مدينة رمزي كانت عليه بذكر وصدى الى عهد قريب. مسبح تازة البهي الأولمبي الذي كان، وقد جمع بين مجد وعطاء وحضور وتميز وأدوار ..منذ فترة الحماية على البلاد حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي، ذلك الذي بفضل شروط طبيعة موقع غني بالماء، كان في أول أمره ضاية مصدرها مياه فرشات باطنية، لعلها التي كانت بمكان غير بعيد “جنان البردعي”، الذي كانت تنساب منه مجاري سطحية بمعالم شاهدة حتى الآن، وهو المكان نفسه بحسب وثيقة تاريخية كان يعرف ب” مْراوَحْ لَجْمَال”، إسم مكان يستشف منه أنه كان ربما محط رحال إبل القوافل، للاستراحة أو الرعي أو المبيت بمدخل المدينة من جهة الجنوب، وأنه بهذا المكان كان يتم تجميعها بعد افراغ حمولتها وتركها للراحة قبل انطلاقها صوب وجهة اخرى. وهذا المكان الغني بمياهه الباطنية والذي هو عبارة عن مروج بمياه جارية طول السنة، هو مصدر المياه التي كان يتزود بها مسبح تازة والتي كانت ذات درجة حرارة مستقرة في 24 درجة صيفا وشتاء، وعليه فالسباحة فيها خلال فصل الشتاء كأنها سباحة في مياه دافئة. بل من هذا المكان باعتباره امتدادا لمنابع رأس الماء وجواره الجبلي بالمنطقة، كانت ولا تزال تتزود عين شهيرة محليا ب”عين النساء” (أنملي). شروط وطبيعة مياه جارية وباطنية، جعلت مسبح تازة بما كان عليه من خصوصية وبيئة، فضلا عن مشهد مرتفع محيط وغابة مطلة جعلته بمنظر على درجة من الروعة.
مسبح تازة هذا الذي باتت معالمه وتراثه في خبر كان، ربما يعود بناؤه لمطلع ثلاثينات القرن الماضي ضمن أول تصميم تهيئة وضعته السلطات الفرنسية للمدينة. في فترة كان فيها المسؤول عن المصالح البلدية بتازة الفرنسي”أبير موراتي” الذي شغل المنصب من سنة 1925 الى سنة 1935 وكان بأثر وطيب مكانة لدى الاهالي، ولعل اسمه لا يزال محفوظا بلوحة رخامية قديمة تعود لفترة الحماية، وهي مثبتة في سور أثري غبر بعيد عن باب “القبور” الشهير بالمدينة. وبقدر ما كان عليه مسبح تازة هذا من خلفية رياضية وترفيهية واستجمامية بالدرجة الأولى لفائدة الأجانب عموما والمعمرين منهم خاصة، بقدر ما كان له من أثر ثقافي كغيره من مرافق مجالات أخرى، على مستوى نشر نمط عيش الأخر الأروبي وقيمه بالمدينة. وعليه، ما حصل من انفتاح تدريجي لهذا الغرض وذاك لدى الاهالي، بما في ذلك رياضة السباحة خاصة مع نهاية الاربعينات وعلى امتداد فترة الخمسينات. علما أنه بعد استقلال المغرب تم نقل ادارته للمصالح البلدية بتازة. مع أهمية الإشارة الى أن الحديث عن مسبح تازة يطرح سؤال مآل الارشيف البلدي من وثائق ذات صلة وتصميم بناء واسماء مكاتب دراسات ومهندسين … ؟ وأهمية الأرشيف ايضا للتعرف على ما كان عليه من انشطة وتظاهرات وأبطال واقصائيات؟. علما أن مسبح تازة شهد بعد الاستقلال خاصة خلال فترة السبعينات بروز وتميز اسماء تازية تألقت في مجال السباحة، من قبيل نبيل التوزاني الذي كان بمشاركات وارقام مشرفة في تنافسيات وطنية ودولية. هكذا اذن هو مسبح تازة الذي كان بمعايير أولمبية والذي لم يتبق منه الآن سوى المكان، فقد انتهى نبضه وصداه وحتى طبيعة وجودة وخصوصية مياهه منذ حوالي الثلاثة عقود، فبعدما كان متنفسا بات مكان خلاء في مظهره بدون روح اللهم اطلال وذاكرة مكان. معلمة رياضية تاريخية واقعها وما آلت اليه يدعو للشفقة لشدة ما طالها من اهمال، وقد فقدت ما فقدت من عبر تجارب اصلاح وتهيئات وتعدد رؤى وقراءات وحسابات جعلت منه مجرد هيكل شاهد لا غير… وشتان بن عظمة مسبح زمن الحماية ومطلع الاستقلال، وبين ما هو عليه من بؤس منظر وخلاء ولا مبالاة .. ولا حول ولا قوة الا بالله.
ويسجل فضلا عن خلفية مسبح تازة الرياضية بالأساس، كان فضاءً ومدرسةً للتنشئة على القيم البيئية والتنافس الشريف والمبادرة والتشارك والموهبة والتجربة والتحدي في علاقة بالماء والغوص …، وهو ما كان تحت عيون مراقبين مشرفين متتبعين لكل ما كان يجري على امتداد مجاله إن منه الخاص بالكبار أو الآخر الخاص بالمتوسطين ثم الصغار. ومن هؤلاء المراقبين عدة أسماء لمعلمين للسباحة من ابناء تازة التي تألقت ولمعت منذ ستينات القرن الماضي، من قبيل بن شلال maître-nageur رحمه الله والذي كان دوما بقميصه وسرواله الرياضي القصير حتى في الاجواء الباردة جدا. ونذكر حول علاقة مسبح تازة بأهالي المدينة العتيقة، أن اقبال الأسر التازية عليه لم يكن للسباحة فقط، انما ايضا للترويح عن النفس والترفيه في اجواء الصيف وارتفاع درجة الحرارة نهارا. وعليه، كانت هذه تقصده للاستمتاع بطيب اجواءه وظلال اشجاره المترامية فروعها واغصانها على جنبات المياه، فضلا عما كانت توفره مياهه من انتعاش وراحة ومتعة. ولعل من وجهات هذه الاسر بالمسبح مقصفه الجميل الذي بمساحة وهندسة واثاث وموقع خاص جاذب على يسار الباب الرئيسي، غير بعيد عن سواقي كانت تجري بها مياه قادمة من المسبح، تلك التي كانت تتجدد بشكل طبيعي بفعل تدفق مياه الآبار المزودة من الاعماق، والتي كانت تدفع بدورها طبيعيا لخروج مياه اخرى من الجهة الاخرى، وهذا التجدد والخاصية تعد من نقط تميز مسبح تازة ونظافته المتفردة وجودة مياهه التي كان يضرب بها المثل.
على وقع كل هذه الاجواء خاصة في صيف تازة بحكم بعد المدينة عن البحر وطبيعة مناخها القاري الجبلي الحار خلال هذه الفترة من السنة، كان مسبحها دوما بدينامية واحتفالية واقبال أسري “اسرة بناني واسرة شيبوب واسرة الغيساسي واسرة البوعراقي واسرة بنحمو ..”، وغيرها مما هو غير خاف عمن عاش مجد مسبح المدينة خلال ستينات وسبعينات حتى ثمانينات القرن الماضي. وكانت درجة اقبال هذه الأسر التازية عالية خاصة مع نهاية كل اسبوع حيث السبت والأحد، لقضاء بعض الوقت به والاستمتاع باجواءه وما كان يوفره من مساحة انتعاش في هواء طلق تحت الظلال. وكانت متعة هذه الأسر تكتمل بما يتوفر من فرجة مفتوحة على مياه منعشة قريبة يؤثثها صراخ اطفال وشباب ومشاهد ألعاب وقفز من منصات كانت بأركانه من جهة الجنوب، وهي التي تم هدمها مع الأسف من اجل الاصلاح والترميم ولا شيء حصل حتى الآن. واعتقد أنه كان من الأفيد التفكير في بناء مسبح جديد حديث بهندسة اخرى في مكان آخر من المدينة، والابقاء على تراث وذاكرة وهوية هندسة هذا المسبح الكولونيالية بجميع اثاثه، وتوظيفه واستثماره لاغراض اخرى ذات طبيعة ترفيهية وسياحية وثقافية وابداعية ومتحفية وتفاعلية ….
بعض من زمن وذاكرة مسبح وهوية ترابية محلية، وما كان عليه من حفل مستديم وترفيه ورياضة وتربية وبيئة ومواهب وانسانية انسان..فضلا عن نبض حياة، لِما كان يحتضنه إن خلال فترة الحماية أو بعد الاستقلال حتى ثمانينات القرن الماضي، من ثقافة تنافسيات ومباريات في كرة الماء بين فرق محلية وأخرى زائرة عن مدن اخرى. على وقع ما كان ذات يوم من مشهد مشجعين متفرجين على امتداد حواجز حديدية محيطة من جهة الغرب حيث الباب الرئيسي، وما كان ذات يوم بتازة من مسبح أولمبي سارت بذكره الركبان كما يقال، ذلك الذي بقدر ما تحول الى أطلال وشتات تربة بدون روح بقدر ما لا يزال محتفى به ذاكرة المدينة الى حين ..

















