تازة : لم يبق من عظمة وأثر مسبح بلدي أولمبي سوى الأطلال الى حين ..

تازة بريس13 يناير 2026آخر تحديث : الأربعاء 14 يناير 2026 - 2:29 صباحًا
تازة : لم يبق من عظمة وأثر مسبح بلدي أولمبي سوى الأطلال الى حين ..

تازة بريس 

عبد السلام انويكًة

من روح تازة المجال، ومن ارشيفها الترفيهي الرياضي السياحي ذات يوم، ومن ذاكرة وتجليات امكنتها التي كانت عنوان قيمة وشأن وفخر، بل من تراثها المادي وصور حياة تحكى زمنا وانسانا ومجدا، ومن مساحات ذاكرة المدينة الجماعية التي ترتبط بماض رمزي مشرق، كانت عليه تازة الى عهد قريب بصدى وذكر هنا وهناك.

من روح تازة المجال وذاكرته، مسبحها البلدي البهي الشهير الأولمبي الذي كان، وقد جمع كما يظهر جليا في الصور اسفله بين فترة مجد وعطاء وحضور وتميز وأدوار .. منذ زمن الحماية حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي. وهو الذي بفضل شروط طبيعة خاصة كان بموقع متميز ارتبط اساسا بعنصر الماء وغنى المكان به، بحيث كان في أول أمره مجرد ضاية واسعة مصدرها مياه فرشات باطنية محيطة، لعلها التي كانت توجد جنوبه بالمكان الذي يعرف محليا ب”جنان البردعي”، والذي كانت تنساب منه مجاري سطحية الى عهد قريب، وهو المكان نفسه بحسب وثيقة تاريخية كان يعرف في الماضي ب ” مْراوَحْ لَجْمَال”، الاسم الذي يستشف منه أنه كان مكانا تحط فيه إبل القوافل رحالها، إما للاستراحة أو الرعي والمبيت في مدخل المدينة من جهة الجنوب، وربما في المكان كان يتم تجميعها بعد افراغ حمولتها وقبل انطلاقها صوب وجهة اخرى وهي محملة بمواد اخرى محلية. فهذا المكان الغني بمياهه الباطنية والذي كان في الماضي عبارة عن مروج يجري فيها الماء بشكل دائم شتاء وصيفا، هو مصدر المياه التي كان يتزود بها مسبح تازة البلدي وهي المياه التي كانت ذات درجة حرارة مستقرة في 24 درجة صيفا وشتاء، وعليه فالسباحة فيها خلال فصل الشتاء كأنها سباحة في مياه دافئة. بل من هذا المكان كانت ولا تزال تتزود العين الشهيرة محليا ب”عين النساء” (أنملي). كل هذه الشروط الطبيعة تحديدا عنصر الماء الجاري والباطني، هي التي جعلت مسبح تازة البلدي بما كان عليه من خصوصية وقيمة بيئية، فضلا عن مشهد محيط وغابة كثيفة جعلته بروعة منظر وطبيعة.

مسبح تازة البلدي هذا الذي باتت معالمه وتراثه في خبر كان، ربما يعود بناؤه لمطلع ثلاثينات القرن الماضي ضمن أول تصميم تهئية وضعته السلطات الفرنسية للمدينة. وفي فترة كان فيها المسؤول على المصالح البلدية بتازة هو الفرنسي “أبير موراتي” وقد شغل هذا المنصب من سنة 1925 الى سنة 1935 وكان بأثر طيب ومكانة محترمة لدى الاهالي، ولع اسمه بالفرنسية لا تزال تحفظه واحدة من اللوحات الرخامية القديمة التي تعود الى فترة الحماية، وهذه اللوحة توجد مثبتة في سور أثر غبر بعيد عن الباب الشهير في المدينة ب”باب القبور”. وبقدر ما كان عليه مسبح تازة هذا من خلفية رياضية وترفيهية واستجمامية لفائدة الأجانب والمعمرين منهم خاصة، بقدر ما كان له من أثر ثقافي كغيره من مرافق اخرى في مجالات أخرى، على مستوى توسيع ونشر نمط عيش الأخر الأروبي وقيمه بالمدينة. وعليه، ما حصل من انفتاح محدود وتدريجي لهذا الغرض وذاك من قبل الاهالي، بما في ذلك رياضة السباحة خاصة مع نهاية الاربعينات وعلى امتداد فترة الخمسينات. علما انه بعد استقلال المغرب تم نقل ادارته للمصالح البلدية بتازة. مع أهمية الإشارة الى أن الحديث عن مسبح تازة البلدي، يطرح سؤال مآل الارشيف البلدي من وثائق ذات صلة وتصميم بناء واسماء مكاتب دراسات فرنسية ومهندسين … ؟ وأهمية الارشيف ايضا للتعرف على ما كان عليه من انشطة وتظاهرات رياضية وسباحين وابطال واقصائيات؟. علما أن مسبح تازة شهد بعد الاستقلال وبخاصة خلال فترة السبعينات بروز وتميز اسماء تازية تألقت في عدد من انواع السباحة، من قبيل نبيل التوزاني الذي كان بمشاركات عدة وارقام مشرفة في تنافسيات وطنية ودولية. هكذا اذن هو مسبح تازة الذي كان بمعايير أولمبية والذي لم يتبق منه الآن سوى المكان، فقد انتهى نبضه وصداه وحتى طبيعة وجودة وخصوصية مياهه منذ حوالي الثلاثة عقود، فبعدما كان متنفسا بات مكان خلاء في مظهره بدون روح اللهم الاطلال وما هو ذاكرة. معلمة رياضية تاريخية تدعو للشفقة لشدة ما اصابها من اهمال ولا مبالاة، وقد فقدت ما فقدت من هوية عبر تجارب اصلاح وتهيئات وتعدد رؤى وقراءات وحسابات جعلت منه مجرد هيكل شاهد لا غير ….. وشتان بن عظمة مكان ومسبح زمن الحماية ومطلع الاستقلال وبين ما هو عليه من بؤس منظر يدعو للشفقة .. ولا حول ولا قوة الا بالله. 

وفضلا عن خلفية مسبح تازة الرياضية بالاساس، كان فضاء ومدرسة للتنشئة على القيم البيئية والتنافس الشريف والمبادرة والتشارك والموهبة والتجربة والتحدي في علاقة بالماء والغوص …، وهو ما كان تحت عيون مراقبين مشرفين متتبعين لكل ما كان يجري على امتداد المسبح بين مجاله الخاص بالكبار والآخر بالمتوسطين ثم الصغار. ومن هؤلاء المراقبين معلمين للسباحة من ابناء تازة، تلك التي تألقت ولمعت منذ ستينات القرن الماضي، من قبيل بن شلال  maître-nageur رحمه الله والذي كان دوما بقميصه وسرواله الرياضي القصير حتى في الاجواء البادرة جدا . ونذكر حول علاقة مسبح تازة بأهالي المدينة العتيقة، أن اقبال الأسر التازية عليه لم يكن للسباحة فقط، انما ايضا للترويح عن النفس والترفيه في اجواء الصيف وارتفاع درجة الحرارة نهارا. وعليه، كانت هذه تقصده للاستمتاع بطيب اجواءه وظلال اشجاره المترامية فروعها واغصانها على جنبات المياه، فضلا عما كانت توفره مياهه من انتعاش وراحة ومتعة. ولعل من وجهات هذه الاسر بالمسبح مقصفه الجميل الذي بمساحة وهندسة واثاث وموقع خاص جاذب على يسار الباب الرئيسي، غير بعيد عن سواقي كانت تجري بها مياه قادمة من المسبح، تلك التي كانت تتجدد بشكل طبيعي بفعل تدفق مياه الآبار المزودة من الاعماق، والتي كانت تدفع بدورها طبيعيا لخروج مياه اخرى من الجهة الاخرى، وهذا التجدد والخاصية تعد من نقط تميز مسبح تازة ونظافته المتفردة وجودة مياهه التي كان يضرب بها المثل.

على وقع كل هذه الاجواء خاصة في صيف تازة بحكم بعد المدينة عن البحر وطبيعة مناخها القاري الجبلي الحار خلال هذه الفترة من السنة، كان مسبحها دوما بدينامية واحتفالية واقبال أسري “اسرة بناني واسرة شيبوب واسرة الغيساسي واسرة البوعراقي واسرة بنحمو ..”، وغيرها مما هو غير خاف عمن عاش مجد مسبح المدينة خلال ستينات وسبعينات حتى ثمانينات القرن الماضي. وكانت درجة اقبال هذه الأسر التازية عالية خاصة مع نهاية كل اسبوع حيث السبت والأحد، لقضاء بعض الوقت به والاستمتاع باجواءه وما كان يوفره من مساحة انتعاش في هواء طلق تحت الظلال. وكانت متعة هذه الأسر تكتمل بما يتوفر من فرجة مفتوحة على مياه منعشة قريبة يؤثثها صراخ اطفال وشباب ومشاهد ألعاب وقفز من منصات كانت بأركانه من جهة الجنوب، وهي التي تم هدمها مع الأسف من اجل الاصلاح والترميم ولا شيء حصل حتى الآن. واعتقد أنه كان من الأفيد التفكير في بناء مسبح جديد حديث بهندسة اخرى في مكان آخر من المدينة، والابقاء على تراث وذاكرة وهوية هندسة هذا المسبح الكولونيالية بجميع اثاثه، واستغلاله واستثماره لاغراض اخرى ذات طبيعة ترفيهية وسياحية وثقافية وابداعية ومتحفية وتفاعلية ….

بعض فقط من زمن وذاكرة مسبح وهوية ترابية محلية، وما كان عليه من حفل مستديم وترفيه ورياضة وتربية وبيئة ومواهب وانسانية انسان..، فضلا عن نبض حياة، لِما كان يحتضنه إن خلال فترة الحماية أو بعد الاستقلال حتى أواخر ثمانينات القرن الماضي، من ثقافة تنافسيات ومباريات في كرة الماء بين فرق محلية وأخرى زائرة عن مدن اخرى. على وقع ما كان ذات يوم من مشهد مشجعين متفرجين على امتداد حواجز حديدية محيطة من جهة الغرب حيث الباب الرئيسي، وما كان ذات يوم بتازة من مسبح أولمبي سارت بذكره الركبان كما يقال، ذلك الذي بقدر ما تحول الى أطلال وشتات تربة بدون روح بقدر ما لا يزال محتفى به ذاكرة المدينة الى حين .. 

 1 - تازة بريس - Tazapress

 3 - تازة بريس - Tazapress

11 - تازة بريس - Tazapress

2 2 - تازة بريس - Tazapress

3 3 - تازة بريس - Tazapress

4 4 - تازة بريس - Tazapress

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق