في رحاب ذاكرة أعيان تازة .. الباشا هاشم السملالي زمن مغرب الحماية ..

تازة بريس18 أبريل 2026آخر تحديث : السبت 18 أبريل 2026 - 10:30 مساءً
في رحاب ذاكرة أعيان تازة .. الباشا هاشم السملالي زمن مغرب الحماية ..

تازة بريس

عبد السلام انويكًة

لم يكن المغرب بلدا بياضا من حيث أجهزته الادارية الترابية، عندما اخضعته سلطات فرنسا الاستعمارية لنظام حمايتها مطلع القرن الماضي. وعليه ما كان من أهمية إرث محلي توجهت اليه بعنايتها لاعتماده ركيزة في تدبير شأن البلاد ضمن ما عرف مكراً ب”سياسة التهدئة”. ولعل برؤيتها الاستراتيجية وخلفيتها الترابية، تمكنت سلطات الحماية من توظيف ما كان من سلطة ونفوذ قائم هنا وهناك، لتيسير توغلها وتثبيت وجودها بما يحقق مشروعها الاستعماري. وقد استفاد ما حصل من احتلال تدريجي إن تجاه المدن أو جوارها، من كائن بنيات بشرية تقليدية من قبيل المحلي من أعيان وزعامات، لإنجاح توغلها وتحكمها وفرض أمر واقعها. ويسجل أن ممن كان بأثر في تثبيت نظام الحماية بمدن البلاد، نجد الباشوات الذين كانوا بدور هام تدبيري لشؤونها ومراقبتها تحت سلطة الاقامة العامة. ولعل مؤسسة “الباشا” زمن مغرب الحماية كانت ذات أهمية من حيث سلطتها ورمزيتها وهيبتها، علما أن الباشوات عموما خلال هذه الفترة كانوا من الأعيان، وممن منهم بمكانة اجتماعية ومادية ودينية .. فضلا عما يحضون به من احترام. ونظرا لِما وضع نظام الحماية لدى هؤلاء من سلطة، فقد كانوا يختارون مساعدين وأعوان لهم من المنتمين محليا لعائلات مخزنية.

هكذا تم تأثيث أجهزة نظام الحماية بالمغرب بما هو محلي، بجعله تابعا مخلصا منفذا لِما يوجه اليه من قرارات عن الادارة الفرنسية والمخزن مركزيا. ومن ثمة عبر هذا الجهاز الإداري تم فرض الأمن وبسط السلطة الاستعمارية، فضلا عن تحكم فعلي ترابي عبر إدارة مستوحاة من تراث وذاكرة وتاريخ محلي. عندما تم اعتماد زعماء وأعيان محليين لهم نفوذهم الرمزي، قدموا ما قدموا من خدمة على هذا المستوى وذاك، إن لمخزن ما قبل فرض الحماية على البلاد أو للسلطات الاستعمارية خلالها بعد 1912. ومن هؤلاء الاعيان والزعماء من كان بأثر ممهد لاحتلال مدن هنا وهناك من قبيل ما حصل بتازة، وعليه عينوا باشوات مكافأة لإخلاصهم وتضحياتهم وإفادتهم. علما أن هذا التعيين بقدر ما كان بظهير (مرسوم سلطاني)، بقدر ما قام على معايير انتقاء واختيار من إدارة الحماية. وعما حصل من التجارب في هذا الاطار لا يمكن الحديث عن تازة زمن الحماية، دون ذكر أحد أبرز رموز هذه الفترة ويتعلق الأمر بالباشا “هاشم السملالي”، الذي بقدر ما طبعه من اخلاص للسلطات الاستعمارية، بقدر ما أحيط به من احترام وأوسمة ومرتبة إن في حياته أو عند وفاته. ما يظهر منه طبيعة ما كان من علاقة بين باشوات مدن مغرب الحماية وإدارتها من مشترك مصلحة، بحيث على قدر اخلاصهم وتمكنهم وقدرتهم على ضبط محيطهم وتعاونهم، كانت استفادتهم وامتيازاتهم وسلطتهم وهيبتهم التي حرصت فرنسا على حفظها لهم وضمانها. علما أنهم كانوا تابعين لمراقبين مدنيين فرنسيين وكذا لرؤساء المصالح البلدية، وأن ظهير تعيينهم كان يجعلهم عمليا واداريا في ارتباط بإدارة سلطات الحماية، من حيث ممارسة السلطة التنظيمية وتنفيذ نصوص القانون فضلا عن القرارات الوزارية.

عن باشوات مدن مغرب الحماية خلال القرن الماضي، ارتأينا ورقة حول “هاشم السملالي” الذي عين باشا على تازة بعد احتلالها يوم 10 ماي 1914. ولعله ابن الحاج المدني السملالي بن محمد بن الحاج عبد الله السملالي، ولد في قرية “واركًين” بجوار تازة عن تراب قبيلة غياتة سنة 1875. وهو ينحدر من أسرة أبو الحسين علي السملالي الشهير بابي حسون، عن بلدة تزروالت بمنطقة سوس جنوب البلاد، حيث موسم “سيدي حماد أموسى” الشهير الذي ينظم سنويا بالمنطقة. ويسجل في هذا السياق أنه لظروف تاريخية وتحولات مع نشأة وتأسيس الدولة العلوية تحديدا ستينات وسبعينات القرن السابع عشر، تفرق شرفاء سعديون عن بلاد تافيلالت صوب جهات عدة جنوب البلاد وجنوبها الشرقي. وكان الشريف محمد بن عبد الله السملالي جد باشا تازة المذكور، قد اختار الاستقرار زمن السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام حيث القرن التاسع عشر، بمنطقة تازة تحديدا من مجالها الواسع آنذاك بلدة “المرادة “Marada شرقا غير بعيد عن جرسيف حيث قبيلة أحلاف هوارة. تلك التي بها أنشأ زاوية له قبل انتقاله الى بلاد قبيلة غياتة جنوب شرق تازة تحديدا بلدة “واركًين”، وقبل أيضا أن يتوجه للحج حيث توفي ودفن في مكان بين المدينة ومكة يعرف ب”رحاير” وكان يبلغ من العمر حوالي الخمسين سنة.

محمد بن عبد الله السملالي هذا ترك أربعة أبناء هم أحمد وعبد الله ومحمد ثم المدني، وهذا الأخير الأصغر هو الذي ورث امتيازه الروحي وزاوية “واركًين” التي تكلف بها رفقة اخوته وقد كان بها آنذاك حوالي سبعين من الاتباع (الطلبة)، حيث تحول المدني السملالي (ابن واركًين) كما سبقت الإشارة الى شيخ مستقل. ومع مطلع القرن الماضي استجاب لطلب مخزني من أجل انضمامه لحملة محاربة الفقيه الجيلالي الزرهوني (بوحمارة). إثر رسالة من السلطان مولاي عبد العزيز لمحلة تازة كي تلتحق بوجدة خريف سنة 1903. هكذا توجه “المدني السملالي” رفقة ابنه هاشم على رأس متعاونين مقاتلين، ضمن حملة خاض فيها معارك ضد الزرهوني بالمغرب الشرقي، حيث منطقة العيون سيدي ملوك، واد اسلي، بني زناسن، تافوغالت وغيرها، قبل أن يتعرض لهزيمة رفقة متعاونيه في منطقة “بورديم” ناحية بركان، لدرجة أن عددا هاما من القتلى تركوا أرضا في ماي من سنة 1903 وأن الناجين من جماعته لجأوا الى قصبة السعيدية، علما أنه في هذه العملية سقط المدني السملالي قتيلا، لينقل جثمانه الى وجدة ويدفن في مقبرة “باب الغربي”. وبعد الحملة على “بوحمارة” خلال هذه الفترة التي اضطربت فيها أوضاع المغرب الشرقي، قام ابنه “هاشم” (الذي سيعين لاحقا باشا على تازة) بطلب لجوء الى وجدة، حيث حصل اتصال له مع السلطات الفرنسية فضلا عن صداقة مع قائد عسكري فرنسي “لويس موجان”، الذي تحول الى مساعد له فظل بجانبه ولم يغادر وجدة إلا سنة 1913، ليستقر معه بمركز/ قصبة مسون، في وقت كانت فيه تازة هدفا للاحتلال عبر عمل سياسي وآخر عسكري. وهنا كان دور ونشاط “هاشم السملالي” الذي وضع طاقته وتأثيره العائلي رهن إشارة قيادة الحملة، مسهلا الاتصال بقبائل المنطقة من قبيل بني وجان، بني بوقيطون، غياتة الغربية.. فضلا عن أهل الثلث بقبيلة بني وراين. ومكافأة لِما قدمه من عمل لفائدة السلطات الاستعمارية من أجل سير ونجاح الحملة واحتلال تازة، عين بظهير 22 جمادي 1332 ه 10 ماي 1914 باشا على المدينة، مع اسناده أيضا رتبة ضابط في فرقة الشرف للحرب.

يذكر من أسرة السملالي بتازة وإخوة هاشم، هناك “أحمد” الذي عين قائدا على بلدة “كًلدمان” (غياتة) وقد قتل من قبل شخص عن قبيلة بني وراين صيف سنة 1919، أما ادريس السملالي الذي حل محل أخيه في القيادة، فقد قتل سنة 1923 في معارك احتلال قبيلة بني وراين تحديدا منطقة بني جليماسن وبني بوزرت. ونذكر أيضا عبد السلام السملالي الذي كان كاتبا لأخيه هاشم الباشا، فضلا عن “جلول السملالي” الذي عمل خليفة بتازة ثم إبراهيم. وفي علاقة لأسرة السملالي بأحداث تازة مطلع القرن الماضي إثر حركة الفقيه الزرهوني (بوحمارة) الذي اتخذ المدينة مقرا له، وبعد القتال الأول معه وما حصل للجيش العزيزي من كبوة، وعندما توجه (بوحمارة) صوب وجدة، حلت بتازة قوات المخزن التي كان دخولها اليها بأثر مقلق عنيف. بحيث عن نصوص تاريخية من جملة ما جاء، أنه حصل هجوم على ملاح تازة وعلى ساكنتها من المسلمين أيضا، وأنه عبث جيش غير مضبوط بما عبث، وأنه في هذه الظروف الصعبة إلتحق بالمخزن “الشريف المدني السملالي” الذي انتهب بوحمارة داره وزاويته. وأن السملالي هذا رافق الجيش العزيزي الى وجدة. بل هو من حث القائد المنبهي على احتلال قصبة مسون خوفا من سبق (بوحمارة) اليها، ولعله ما حصل حيث اختير السملالي رئيسا مشرفا على عملية الاحتلال. وعن هذه الفترة من زمن مغرب مطلع القرن الماضي، ورد ايضا” ثم احتل الجيش تازا..وامتلأت الأيدي بالأسلاب، بعد أن قطعت الرؤوس وقصفت الأصلاب .. وكان احتلال تلك المدينة على العنيد نقمة”. بل مما جاء في كتاب “الإتحاف” وهو مصدر مخزني، “ودخلت الجنود المخزنية مدينة تازة عنوة، وفعلت بالمستضعفين من أهل البلاد الأفعال التي تخجل منها المروءة ولا ترضاها الإنسانية، فقد افتضت الأبكار وهدمت الديار وذلك في شهر صفر الخير سنة 1321، وكان دخول المنبهي .. بجنوده لتازا، بمساعدة الشيخ أبي هاشم المدني الوركًيني السملالي الحسني المعتمد عند أولائك القبائل النافذ الكلمة فيها”.

بعض من زمن تازة الحديث وذاكرتها في علاقتها بأحداث كبرى طبعت البلاد مطلع القرن الماضي من قبيل حركة الفقيه الزرهوني (بوحمارة)، وفي علاقتها أيضا بفترة مغرب الحماية وما كان بها من صدى أسماء إدارة مخزنية وحضور وسلطة لها فضلا عن نفوذ وصورة ورواية عنها. من قبيل أول باشا عين بها “هاشم السملالي” منذ أزيد من مائة سنة، هذا الذي وافته المنية أواخر خريف سنة 1928 بقدر ما أنيط به من حرص على مهام تنظيمية إدارية تخص المدينة، بقدر ما أحيط بطيب ذكر واحترام وفق ما لا يزال ممتدا من رواية، إثر ما حافظ عليه من خيط ناظم وعلاقة وخدمة للساكنة، ليبقى بهذا وذاك في جميع الأحوال جزءا من ذاكرة تازة وتراثها اللامادي وأثراً من مساحة تاريخ حديث محلي.  

رئيس مركز ابن بري للدراسات والابحاث وحماية التراث

 السملالي الشريف في مركز امسون 1913.. في اطار الإعداد للدخول الى تازة - تازة بريس - Tazapress

 باشا تازة هاشم المدني السملالي نونبر 1928 - تازة بريس - Tazapress

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق