تازة بريس

من تجليات قيم المغرب المعاصر والراهن ورمزية ذاكرته في التنوع والتعايش ..

-

تازة بريس 

عبد السلام انويكًة

لِما هناك من مشترك متمثل في التوحيد بين الديانات الثلاث ومن دعوة الإسلام لحرية العقيدة فضلا عن عدل وتسامح وجدل بالتي هي أحسن، يحضر ما كان عليه الغرب الإسلامي عموما من ثقافة تعايش لاسيما بين أهل الكتاب والمسلمين. ولا شك أن هذه الثقافة هي ضرورة حياة ومجتمع واستمرارية، تلك التي تظل قائمة كلما ظل ما لا يخدمها ويرسخها. ولعل ما هناك من تنوع عرقي وديني بقدر ما هو بحاجة لهذه القيم بقدر ما بلوغها ليس أمرا سهلا، لما تقتضيه من تمرين وسؤال حول الذات من اجل تأهيلها كي تكون قابلة لاستنبات قيم تعايش خدمة للاستقرار والأمن ومن ثمة للحياة. وإذا كان مكون التعايش بحاجة للفرد والمجتمع والقانون والدولة والاعلام والمدرسة والثقافة وغيرها، فهو بحاجة أيضا لحسن قراءة التاريخ والذاكرة والماضي، لالتقاط ما هناك من إشارات وتجارب وصور حياة وعِبر واسهامات انسان ومؤسسات عبر أزمنة وأمكنة هنا وهناك.

عن التعايش ومكانة غير المسلمين في المجتمع المغربي، ارتأينا اطلالة حول ما طبعه من مكونات تحديدا منها الجماعة اليهودية. سياق من المفيد الاشارة فيه لِما تذكره النصوص حول انتقال اليهودية الى بلاد الغرب الاسلامي منذ القرن الثالث قبل الميلاد أي قبل المسيحية والاسلام، ولِما حصل من هجرة ثانية بلغت المغرب مطلع القرن السابع الميلادي عندما غادر يهود خيبر اليمن باتجاهه متخذين من جباله مكان استقرار بعيدا عن الناس، وهو ما تؤكده سائر الدراسات التي تناولت أصول يهود المغرب الذين عاشوا زمن الامارة الادريسية جنبا لجنب مع المسلمين، دون تمييز عبر تقاسم خدمة تجارة وحرف ولباس وحمام .. بل كثيرة هي حالات وقوف مسلمين الى جانب يهود ضد كل اعتداء. وعن هؤلاء يذكر “البكري” أنهم كانوا أكثر تجمعا بفاس، وانهم زمن المرابطين كانوا يسكنون بجوار أقدم جامع بهذه المدينة، وأن الدولة لما قررت توسيعه ارضتهم بسخاء من تحولهم الى جهة أخرى، ولعل الانحراف الواقع في قبلة هذا الجامع ربما يعزى لعدم قبول أحد اليهود تغيير سكناه. ويسجل أنه ليست هناك فترة زاد فيها موقع اليهود في الدولة بالمغرب أكثر من فترة بني مرين، حيث بلغوا مناصب سامية من قبيل “هارون” و”شاويل” الوزيرين في عهد السلطان عبد الحق أبو سعيد خلال القرن الخامس عشر. كما اتخذ السعديون منهم مستشارين وكذا سفراء بدول أروبية، بل وسطاء زمن المولى رشيد مؤسس دولة العلويين، فضلا عمن كان مكلفا منهم بمصالح البلاط على عهد المولى إسماعيل، وهو ما استمر خلال فترة حكم السلطان محمد بن عبد الله.

تجليات تعايش بقدر ما تعد من قيم الدولة منذ العصر الوسيط، بقدر ما تدخل ضمن ما نشأ عليه المغاربة من فضيلة قبول بتباين ملل ونحل، وما طوروه من أجل مجتمع منسجم بتوفيرهم شروط تعايش طائفي من خلال ضوابط فقهية، ارتأت مصلحة البلاد وحفظ مصالحها واستقرارها. علما أن الدولة المغربية على تباين مرجعياتها كانت دوما ملزمة بتطبيق الشرائع والقوانين خدمة وحفظا منها لتعددها ثقافي، بما في ذلك احترام استقلالية الجماعة اليهودية في تدبير شأنها عبر مؤسسات خاصة وأعيان، من قبيل ما كان يعرف ب “التجيد” أو شيخ اليهود الذي كان يعينه أو يبارك تعيينه السلطان، وهو التدبير الذي أبقت عليه السياسة الاستعمارية الفرنسية زمن الحماية خلال القرن الماضي. وإذا كان جل يهود المغرب قد ارتبطوا بالمدن من حيث سكنهم وتجارتهم وحرفهم، فإن بعض مجموعاتهم ظلت تعيش في مناطق جبلية أو صحراوية نائية من قبيل بلاد سوس ودرعة وتافيلالت والاطلس الشرقي. علما أن عددا من هؤلاء تمكنوا خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، من التحول الى تجار كبار مستقرين في المراسي المغربية مستفيدين مما طبع البلاد خلال هذه الفترة من انفتاح تجاري على اروبا، بل كانوا بدور كبير في التجارة البحرية عبر خدمتهم للسلطان الذي كان يسمح لهم باستثمار أموال الدولة في تجارة الوسق والاستيراد. وعليه يسجل أنهم كانوا الفئة الأكثر استفادة من سياسة الانفتاح التي دشنها السلطان محمد بن عبد الله، بل منهم من استفاد من تراخيص تصدير بعض المواد ومنهم من تحمل مهمات سياسية بدول أروبية. وتذكر الدراسات التاريخية التي توجهت بعنايتها للموضوع، انها كانت بدور هام في انفتاح البلاد فضلا عما شهدته من تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية خلال القرن التاسع عشر. وعن مكانتها في المجتمع المغربي خلال نفس الفترة، من جملة ما جاء في ظهير للسلطان محمد بن عبد الرحمن تفاعلا منه مع جملة تطورات تخص وضع هذه الفئة. “.. بأمر من يقف من يقف على كتابنا .. من خدامنا وعمالنا والقائمين بوظائف اعمالنا، أن يعاملوا اليهود الذين بسائر ايالتنا بما أوجبه الله تعالى من نصب ميزان الحق والتسوية بينهم وبين غيرهم في الأحكام، حتى لا يلحق أحد منهم مثقال ذرة من الظلم .. ولا ينالهم مكروه.. وأن لا يتعدوا هم ولا غيرهم على احد منهم  لا في انفسهم ولا في أموالهم.. لان الظلم ظلمات يوم القيامة، ونحن لا نوافق عليه لا في حقهم ولا في حق غيرهم، ولا نرضاه لأن الناس كلهم عندنا في الحق سواء.. وهذا الأمر الذي قررناه وأوضحناه وبيناه كان مقررا ومعروفا محررا، لكن زدنا هذا المسطور تقريرا وتأكيدا ووعيا في حق من يريد ظلمهم، وتشديدا ليزيد اليهود أمنا الى أمنهم..”. وفضلا عما تضمنته هذه الوثيقة من تعاطف وتسامح وانفتاح، كان السلطان الحسن الأول وقبله عبد الرحمن ابن هشام ومحمد بن عبد الرحمن، يأمرون الأمناء في أحوال الشدة بتوزيع الصدقات على يهود المدن المعوزين بالملاحات التي كانت تتكاثر ساكنتها بسبب نزوح يهود البوادي عقب موجات الجفاف.

وكان تعايش المسلمين واليهود في المغرب بوقع خاص عبر العصور حتى الآن، مستمدا قوته واستمراريته من مواقف سلطانية عدة منها ما حصل من ضمان لهذا التعايش من قبل السلطان محمد بن يوسف في ظروف داخلية ودولية صعبة، لا سيما بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وإقدام الإقامة العامة الفرنسية على إدخال قوانين حكومة فيشي للمغرب، ومحاولة تطبيقها على اليهود المغاربة في الفترة ما بين 1940 و1942، بحيث واجه المغرب مخاطر ما كان يهدد مظاهر التعايش التي طبعته في هذا الاطار، وحتى رواد الحركة الوطنية خلال هذه الفترة الحرجة ومعهم مؤسسو كتلة العمل الوطني، كانوا بإلحاح على وحدة المغاربة مسلمين ويهود وهو ما تم تناوله من خلال عدة مقالات عبر جريدة “عمل الشعب”، والتي تحدثت على أن المغرب للمغاربة جميعا وأن الجميع مدعو للدفاع عن البلاد. وكان السلطان محمد بن يوسف قد خاطب وجهاء الطائفة اليهودية الذين جاءوا لتقديم التهاني بمناسبة عيد العرش في 18 نونبر 1943، قائلا: إنكم كسائر المواطنين المسلمين .. وجبت علينا مواطنتكم .. وقيدتنا بأمانة السهر على امنكم، فلكم عند المسلمين أخوة وصداقة تواصلت على الزمان .. ولتتأكدوا أننا سندرج ما درج عليه جدنا ونسير على هديه..، حتى تظلوا أنتم واخوانكم محل عناية يتصل بقاؤها على مدى الأيام وهدفا لرعاية يزيد نماؤها على مر الشهور والاعوام.” وعليه ما كان عليه المغرب المعاصر من حرص على انسجام مكونات البلاد، ومن عناية بهذه الفئة قبل وبعد الاستقلال سواء منها الذي ظل مستقرا بها أو ممن هاجر الى الخارج. وجدير بالإشارة الى أنه فور حصول المغرب على استقلاله استقبل السلطان محمد بن يوسف الجماعات اليهودية المغربية في سان جرمان يوم 5 نونبر 1955، من خلال كلمة له أكد فيها أن المغرب يوجد على عهد جديد، يفرض تمتع جميع ابناءه بكل الحقوق التي تضمن المساواة بينهم. بحيث اعطى تعليماته للباشا “البكاي” بضم وزير يهودي للحكومة الائتلافية الأولى، حيث وقع الاختيار على “ليون باتريكون” الذي كلف بحقيبة البريد والتلغراف، ما أكد عزم المغرب على تجاوز ما كان عليه خلال فترة الحماية من اجل تعزيز ثقافة التسامح والتعايش، وهي الخاصية التي بادرت القوى الوطنية لتوطيدها وتأسيس ما عرف آنذاك ب”الوفاق” خدمة للوئام الوطني والتضامن الاجتماعي.

إن ما طبع المغرب من ميثاق شرف سمح للطائفة اليهودية به تنظيم حياتها الخاصة، بحيث كانت لها محاكم حاخامية تفصل في منازعاتها، أما ما تعلق بأحوالها معيشها ومعاملاتها فقد كانت تخضع للشرائع المنظمة لمختلف مرافق الحياة المدنية، بحيث لا فرق بينها وبين باقي فئات الشعب الأخرى. ولعل مما يؤكد كون يهود المغرب كانوا مواطنين كاملي المواطنة ما جاء في احدى مقالات الاستاذ العربي المساري قائلا:” حينما سنت في فرنسا وهي واقعة تحت الاحتلال النازي قوانين تمييزية ضد اليهود، رفض محمد الخامس وبلاده محتلة وسيادتها تحت حجر نظام الحماية، رفض أن تطبق تلك القوانين في المغرب بحكم أن للبلاد وضعا اعتباريا متميزا عن فرنسا من حيث القانون الدولي، لا يجعل تلك التشريعات التمييزية الفرنسية قابلة للتطبيق تلقائيا في المغرب.” ومن الأسماء التي وردت في تاريخ المغرب المعاصر والتي تؤكد أن اليهود المغاربة كانوا كاملي المواطنة، مساهمين ومنخرطين في كل شيء وليس فقط متعايشين متسامحين، نذكر تول كل من “روبير الصراف” و”سيرج برديغو” لمناصب وزارية في عهد الملك الحسن الثاني، والذي عهد أيضا ل”اندري ازوااي” بمنصب مستشار له والذي لا يزال يحتفظ به حتى الآن. وفي اطار التآخي والتعايش والتسامح والعمل المشترك، انخرط عدد من اليهود المغاربة في العمل النضالي ضمن الحركة الوطنية من اجل استقلال البلاد بل منهم من تم اعتقاله. وممن ساهم منهم في العمل الوطني نذكر “جرمان عياش” وشقيقه “أبير عياش”، و”فليكس النتاف” و”بن عروش” و”مايير توليدانو” و”دجو أحنا” وغيرهم. هذا الأخير الذي أورد في البرلمان المغربي خلال ثمانينات القرن الماضي، معبرا كأحد أبرز ممثلي الطائفة اليهودية المغربية عن درجة اندماجه وانخراطه في المجتمع المغربي وقضاياه السياسية، قائلا:” لقد تعلمت الوطنية في مدرسة المهدي بن بركة، وتعلمت السياسة في مدرسة الحسن الثاني”. دون نسيان ما كان عليه اليهود المغاربة من حضور في الجماعات المحلية كمنتخبين وفي المعارضة السياسية وفي حقوق الانسان وفي الاقتصاد والدفاع عن وحدة البلاد الترابية، فضلا عن حضور معبر في الجامعة المغربية وفي مجالي الفن والابداع. مع أهمية الإشارة الى أنه خلال السنوات الأولى لاستقلال البلاد انخرطت جماعة من اليهود المغاربة الشباب، في صفوف حزب الاستقلال مشجعين الطائفة اليهودية للاندماج في الحياة السياسية والانخراط في الأحزاب دعما للوفاق بين المسلمين واليهود، وفي هذا الاطار تأسست لجنة الوفاق وصدرت مجلة تحمل اسم “الوفاق” في يوليوز من سنة 1956. ومن تنظيمات المغرب الحزبية التي انخرط فيها اليهود المغاربة، هناك حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وجبهة حماية المؤسسات الدستورية، والحزب الاشتراكي الديمقراطي..

ويسجل من مظاهر التعايش بالمغرب، ما كان لليهود به من حرية في ممارسة الحقوق السياسية الانتخابية سواء البرلمانية أو البلدية. ففي عام 1960 مثلا بالدار البيضاء ساند اليهود الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي فاز ب 43 مقعدا من مجموع 51 مقعد بالمجلس البلدي، بحيث خلال هذه الاستحقاقات المحلية هزم رئيس الطائفة اليهودية “مانير عوفايديا” عن حزب الاستقلال أمام اليهودي المغربي المحامي “مانير توليدانو”. وفي انتخابات سنة 1963 فاز اليهودي عوفاديا بحصوله على 11 ألف صوت من أصل 19 ألف صوت، وكان نصف المصوتين عليه من المغاربة. وفي انتخابات مغرب 1960 البلدية الأولى فاز 15 مرشحا يهوديا عن المدن ونفس الأمر في انتخابات 1968. وعن المشترك الرمزي والتعايش بالمغرب، من المعطيات اللافتة في الممارسات الروحية بعدد من جهات البلاد، ما يمكن نعته بازدواجية الأولياء من خلال حديث عن حوالي 40 وليا مشتركا كان يزوره المسلمون واليهود معا نهاية اربعينات القرن الماضي، من قبيل “سيدي قاض حاجة” في ناحية قصبة تادلة الذي قيل عنه أنه هاجر من القدس الى المغرب قديما، وبات بشهرة واسعة وكرامات لفائدة زواره بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية علما أنه ليس له ضريح خاص بل فقط مكان بجوار مقبرة. ولعل من تقاليد اليهود المغاربة زيارتهم للأضرحة وهو ما يعرف ب”الهيلولا” التي تقابل ما يعرف في المجتمع المغربي ب”الموسم”. وفي هذا الاطار يقدر عدد اضرحة اليهود الشهيرة بالمغرب حوالي 650 ضريح منها 145 لسيدات، ضمنها شخصيات مسلمة أحيطت هي الأخرى من قبل اليهود المغاربة بتقديس وتبجيل وخلفية تراث مشترك.

يبقى أن المغرب عبر التاريخ كان دوما بلد تلاقي وتعايش وتسامح وغنى ثقافي وتنوع، وتظهر قيم ومظاهر هذا التنوع الذي لا شك أنه نتاج موقع البلاد المتميز كمشترك ووعاء حضارة متعددة الروافد، فيما هناك من مستويات تجليات من قبيل ما هو لباس ونطق وطبخ وتقاليد وطبوع تراث وفنون .. وغيرها. خصوصية وهوية بقدر ما هي إرث يورث جزء منه ويتم تناقله عبر الزمن بين الأجيال، بقدر ما الجزء الآخر منه يبقى ورشا مفتوحا ومنفتحا على التجدد وإعادة التشكل انسجاما وتفاعلا مع ما يحكم البلاد والعباد من تحولات.

رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث 

إلغاء الاشتراك من التحديثات