تازة بريس

في رحاب أعلام الجامعة.. عبد الرحمن المودن مؤسس تاريخ البادية المغربية

-

تازة بريس

عبد السلام انويكًة

حول الجامعة المغربية وعن الأثر والثقافة والمعرفة البحثية والنهج الأكاديمي بها الى عهد قريب، يسجل ما شهدته من تميز وبروز أثثه وبلوره ورسمه جيل متكامل بهيبة خاصة من الباحثين، فضلا عن بصمتهم ومقامهم الذي يصعب القفز عليه في كل تلاقح علمي بحثي، وقد طبعوا بإسهاماتهم وأعمالهم العلمية في جل التخصصات دون استثناء، على امتداد فترة سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي. ولعلهم لا يزالون الأحياء منهم والأموات كما لا يخفى على أحد من المهتمين بالزمن الجامعي المغربي، بصدى معبر وشهادة هنا وهناك بدليل أثر وتميز نصوصهم ومقارباتهم ونهجهم وتجديداتهم وطبيعة درسهم الجامعي وخطوطهم التحريرية الفكرية. يسجل لهؤلاء ما كانوا عليه من أثر وأفق بحثي اكاديمي رفيع المستوى، لعل من هذه الآفاق والصفحات الجامعية الشامخة ما طبع حقل التاريخ والكتابة التاريخية والجدل التاريخي الجامعي المغربي، من نفَس وروح نبش ورؤية ومقاربة وتنقيب وفحص وأرشيف واضافات، كانت بدور في تسليط الضوء على جوانب مهمة كانت مغمورة ببياضات في تاريخ المغرب، ومن هذا التاريخ ما تعلق بزمن قبائله وزواياه ومدنه وبواديه ومخزنه وأزماته وعلاقاته..، فضلا عما شمله البحث التاريخي ايضا وما توجه اليه بالعناية من نظم اجتماعية وثقافة ونمط عيش وعلاقات بين مشرق ومغرب وشمال وجنوب.

هكذا يسجل لهذا الجيل الذهبي الجامعي المغربي من الباحثين المؤرخين، من إغناء لحقل الدراسات التاريخية تيمة ووجهة ومدة ورؤية ووثيقة وتحليلا وتركيبا ونهجا ..، مستفيدين مما شهدته مناهج العلوم الانسانية عموما من تطورات. ولعل من أعلام وأسماء وبصمات الجامعة المغربية خلال فترة مجدها وعطاءها واشعاعها وقمة تعبيرها العلمي البحثي، والتي كانت بدور في صنع صورة ما شهدته الجامعة المغربية من تدفق في مجال الدرس التاريخي والبحث والكتابة التاريخية، نجد ابن قرية وزاوية “سيدي عبد الجليل”غير بعيد عن تازة غربا، المرحوم الأستاذ عبد الرحمن المودن، الذي يحسب له كونه من مؤسسي العناية بتاريخ البادية المغربية في الجامعة المغربية منذ سبعينات القرن الماضي، وهو الاهتمام الذي انتهى به الى إنجاز أطروحته الجامعية لنيل ديبلوم الدراسات العليا في التاريخ، في موضوع موسوم ب”البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر”، وقد ناقشها سنة 1984 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أمام لجنة علمية رفيعة ضمت أقطاب الدرس التاريخي في الجامعة المغربية آنذاك، حيث تشكلت من الأستاذين الراحلين إبراهيم بوطالب رئيسا وجيرمان عياش مقررا والأستاذين أحمد التوفيق والعربي مزين عضوين للمناقشة. وقد بلغت رسالة الراحل “المودن” الجامعية هذه، ما بلغته من توثيق ووثيقة وببليوغرافيا، تحمل مشاق النبش والبحث عنها هنا وهناك بين عدد من المكتبات ومراكز الأرشيف التاريخي بعدة دول أوروبية، لاسيما الوثائق الموجودة بوزارات الخارجية لإسبانيا وفرنسا وبلجيكا، ووثائق مركز الدراسات العليا حول إفريقيا وآسيا الحديثة بباريس، فضلا عن أرشيف مكتب السجل العام في لندن. 

ولعل الحديث عن تجربة الأستاذ عبد الرحمن المودن البحثية الجامعية، هو ذكر واستحضار وحديث عن طبيعة جيل جامعي مغربي متناغم في جميع التخصصات الانسانية الاجتماعية وغيرها، ومنه جيل المؤرخين الباحثين الجامعيين المغاربة لِما تم تسجيله عبرهم من تحول ونقلة نوعية وجدل علمي ونقد تاريخي واضافات ونصوص واسهامات على عدة مستويات. بحيث من تجليات وتميز هذا الجيل البحثي التاريخي الجامعي الى غاية نهاية القرن الماضي، كونه كان جيلا وثائقيا توثيقيا أرشيفيا قرائيا تحليليا استنطاقيا للوثيقة في بعدها ومفهوما الواسع فضلا عما ارتبط بهواجس ذهنيات وعقليات وزمن راهن، فضلا عما طبع سلف الجامعة الباحث هذا من إتقان وتعبير باللغة العربية واللغات الأجنبية خاصة منها الفرنسية والاسبانية والانجليزية. ولعل الراحل”المودن” ممن أفرزهم تيار البحث التاريخي المغربي الهوياتي في أزمنته وأمكنته وانسانيته، لِما حصل من أبحاث ودراسات وأطاريح في هذا الأفق توجهت بعنايتها لقبائل المغرب وبواديه ومؤسساته وظواهره الاجتماعية والثقافية وأحداثه التاريخية الفاصلة.   

وضمن مسار ونصوص واسهامات الراحل عبد الرحمن المودن رحمه الله، يسجل ما كان عليه من انفتاح على مجالات جديدة بعد نشره لأطروحته حول البوادي المغربية قبل الاستعمار أواسط تسعينات القرن الماضي. من خلال اهتمامه بموضوع علاقات المغرب التاريخية عندما شرع في إعداد أطروحة دكتوراه بجامعة برينستون بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما سيسمح له بالاقتراب من مفاهيم وأسماء كبيرة عدة في مجال البحث الأكاديمي التاريخي، ومن ثمة ما حصل من توسيع لمدارك في مجال مناهج البحث على الطريقة الأنجلو- ساكسونية، المعتمدة بالجامعات الأمريكية. حيث تمكن من انهاء عمله البحثي مطلع تسعينات القرن الماضي، وهو العمل الذي حرره باللغة الأنجليزية في موضوع : “البادشاه والسلطان: العلاقات المغربية العثمانية بين القرنيين السادس عشر والثامن عشر/ مساهمة في دراسة الثقافة الديبلوماسية”.

بعض من مسار وتجربة الراحل “المودن” التي جعلته بدرس وبصمة وأستاذية متعددة في أبعادها وحضورها على مستوى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ثم جامعة الأخوين بإفران، فضلا عن اسهاماته وحضوره بمؤسسات علمية أجنبية كأستاذ زائر للتاريخ عموما وتاريخ المغرب خاصة في بعده الاقليمي العربي والافريقي وكذا الأروبي. وعليه، كان الراحل بدرس جامعي أكاديمي لسنوات في كل من جامعة نورث كارولينا وجامعة برينستون بالولايات المتحدة الأمريكية، والجامعة الحرة في برلين، ومدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، وكلية الآداب والإنسانيات والفنون بتونس، والمدرسة العليا في نواكشوط، ومعهد الدوحة للدراسات العليا في العلوم الاجتماعي، وهو المعهد الذي قضى به فترة ة من مساره الاكاديمي وأيامه الأخيرة، قبل وفاته بمدينة الدوحة في 2 غشت 2020، ليتم نقله الى فاس حيث دفن وهي المدينة التي احتضنته مبكرا  وشهدت فترة دراسته الاعدادية والثانوية. ويسجل للراحل أنه كان رئيسا لشعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط لسنوات وسنوات، وفضلا عن الدرس الجامعي والتكوين والتأطير فقد أشرف على رسائل واطروحات جامعية عدة، ناهيك عن رئاسته للجمعية المغربية للبحث التاريخي في فترتها الذهبية. ويسجل له ضمن هذه المؤسسة العريقة بالرباط، تأسيسه لوحدة البحث والتكوين حول المغرب والعالم العربي والإسلامي، الى جانب كل من الأستاذ عبد الاحد السبتي وعثمان بناني وزهرة طموح وعبدالحفيظ الطبايلي. مع اهمية الاشارة  لإشرافه على إدارة تحرير مجلة “البحث التاريخي”، ولمساهماته منذ 1983 في مجلة “هسبريس تمودا” العلمية التاريخية التي كانت بنوع من الريادة والتميز  والخصوصية والرصانة البحثية من حيث نهجها وخط تحريرها ومحتواها ومادتها العلمية التاريخية.

ولعل من الأوراش التي كان “المودن” بعضوية وأثر فيها، ما ارتبط بالمعهد الملكي من مشاريع بحث في تاريخ المغرب، وقد التحق به منذ تأسيسه تقريبا ليكون بجهود مضنية واسهامات عدة متميزة. منها ما ارتبط بتحرير الموسوعة التاريخية الفريدة والضخمة، التي أنجزها فريق المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب وأصدرها سنة 2012 بعنوان”تاريخ المغرب: تحيين وتركيب”، بإشراف مديره محمد القبلي. وكان الراحل قد ساهم في تحرير الفصل السابع منها رفقة الأستاذ عبدالمجيد قدوري وعبدالرحيم بنحادة والعربي مزين، وقد خصص هذا الفصل لقضايا ومراحل تاريخية تتعلق بتعثر ولوج المغرب للأزمنة الحديثة ومحاولات الإصلاح، من حيث الاستنهاض ومعيقاته ثم عودة مظاهر الأزمة، وتحجر البنى المحلية وما تلى ذلك من نشوء الدولة العلوية وتوطيد حكمها، وصولا الى تحليل أحداث القرن الثامن عشر بين التأزيم ومحاولات النهوض. كما ساهم الراحل ايضا في تحرير الفصل الثامن من نفس الموسوعة، بمعية الأستاذ خالد بن الصغير وعمر أفا وعلال الخديمي ومحمد حبيدة، وقد توجه هذا الفصل بعنايته لمسألة التغلغل الأجنبي والإصلاح المعطوب وتحجر الوضع المحلي للمغرب، في محيط دولي متغير ومسلسل اختراق اجنبي ومحاولات اصلاح وعشرية قلاقل سبقت فرض نظام الحماية الأجنبية على البلاد.

 وعن مكانة وموقع ورمزية الأستاذ “المودن” رحمه الله في الوسط البحثي التاريخي بالمغرب، ما هناك من مساحة شهادات ومقالات عن سيرته العلمية وخصاله الانسانية، منها تلك التي جمعت في كتاب تكريمي خاص له في حياته، وقد جاء موسوما ب”من إيناون إلى إسطنبول”، فضلا عن كتاب تأبيني موسوم ب” عتبات مؤرخ”صدر قبل سنتين، ضم شهادات باحثين مغاربة وأجانب، لعله المؤلَّف والوثيقة التأبينية التي بقدر ما جمعته من محتوى علمي بقدر ما طبعها من مشاعر حزن، على رحيل إسم وباحث ومؤرخ وكفاءة أكاديمية وبصمة وعلَم، طبع مجال البحث التاريخي الأكاديمي وزمن الجامعة المغربية خلال فترة يجمع الكثير  على نعتها بالذهبية.

إلغاء الاشتراك من التحديثات