تازة بريس

حول مغارة فريواطو التحفة التي بتازة.. تفاعلات وتنوير وتصحيح الى حين..

-

تازة بريس

عبد السلام انويكًة

لا علم لي ولا اعتقد أن فريواطو المغارة التي بتازة وعاء بأثر انسان قديم، ولا علم لي في حدود اطلاعي وتتبعي أن هناك عمل بحثي اركيولوجي جرى في هذا الشأن حولها، فضلا عن دراسة تهم تطور حياة الانسان قديما بالمنطقة ؟.  ولا اعتقد ان بها نقوش صخرية وبقايا أثرية تعود لزمن مغرب ما قبل التاريخ ؟، فما أعرف (خلافا لما ورد عن باحثين؟) كون المغارة تحفة طبيعية ايكولوجية وجيولوجية حبا الله تعالى بها المغرب وإقليم تازة، وجماعة باب باب بودير حيث الاطلس المتوسط الشمالي الشرقي. وأنها مغارة خلافا لِما ادلى به هؤلاء، اكتشفت مطلع ثلاثينات القرن الماضي (1931) بقوة الأرشيف، وأنها من أعمق مغارات القارة الافريقية، وبمثابة مختبر للاحيائيات وشأن ما هو جيولوجي وبيولوجي ..الخ. وما في علمي عن الجمعية المغربية للاستغوار بتازة، أنه تم بلوغ نقطة نهايتها من خلال جولات وجولات باطنية منذ سنوات. وبقوة الوثيقة لا اتفق أيضا مع هؤلاء حول كون اكتشاف المغارة حصل خلال خمسينات القرن الماضي؟ وأن هذا الاكتشاف تم من خلال رعاة عن المنطقة. علما أن فوهة هذه المعلمة الطبيعة أو فتحتها من الأعلى، بناء وتركيب وفرز طبيعي يعود لا شك لزمن جيولوجي بعيد. وما في علمي أيضا أن المغارة بصدد مشروع تهيئة وإعادة تأهيل واعد منذ عدة سنوات يهم عددا من جوانب بنيتها، من قبيل مدخلها وممراتها الداخلية وأنارتها ومرافقها المحيطة.. الخ، أشغال تأهيل تمت على عمق معبر وبكلفة مالية قدرت بحوالي 12 مليون درهم، في افق افتتاحها للزوار وجعلها منصة سياحية ايكولوجية واستغوارية رافعة للقطاع وطنيا محليا وجهويا.

ولعل ما تتوفر عليه منطقة تازة من كهوف ومغارات وبخاصة قسمها الجبلي الجنوبي وبعدد كبير يجعلها تتصدر مناطق العالم، ويسجل أيضا أن من اشهر كهوف ومغارات المنطقة التي تدخل ضمن الأشكال الكارسية (نسبة لإقليم كارست في يوغوسلافيا سابقا)، هناك مغارة فريواطو ومغارة الشعرة ومغارة شيكر وغيرهما من تراث المحلي الطبيعي. وبحسب تقارير الاستغواريين المغاربة والأجانب، تعد “فريواطو” أشهر مغارات تازة وافريقيا، بل أكبر مغارة عالميا من حيث شكلها وفضائها وتركيبها الجيولوجي، فضلا عن مسالك باطنها ومدخلها وفوهتها. وقد تم حصر امتدادها ونهايتها في حدود 2080 متر بل تم بلوغ نهاية امتدادها من قبل استغواري الجمعية المغربية للاستغوار بتازة، ولهذا فالحديث عن عدم بلوغ نقطة نهايتها أمر فيه نظر. وأن كل حديث عن قصص الانسان القديم وتطور الحياة بالمنطقة في علاقة بالمغارة امر فيه نظر ايضا، بحيث ليست لا بنقوش صخرية ولا بقايا أثرية تعود لفترات ما قبل التاريخ، والتي يمكن أن تكون موضوع حفريات وبحث اركيولوجيالى حين.

وفريواطو المغارة التي بتازة، واحدة من أقدم وأعمق المغارات المكتشفة في شمال أفريقيا مطلع ثلاثينات القرن الماضي من قبل استغواريين فرنسيين كانوا مقيمين بتازة زمن الحماية. مغارة بتكوين كلسي متفرد تشكل عبر ملايين السنين، تضم أزيد من ثلاثمائة درج لبلوغ أعماقها، ما يجعلها أعمق المغارات في المغرب. ولا شك أن السكان المحليين بجوار المغارة، كانوا على علم بها من خلال فوهتها التي في الأعلى والتي لم يكن يتم الاقتراب اليها خوفا من السقوط فيها، هذا قبل الاكتشاف العملي والتوثيق البحثي الأولي لها لاحقا من قبل الاستغواري الفرنسي نوربيرت كاستريت سنة 1934. ولعل مكتشف المغارة هذا قد يكون اكتشف ليس الفوهة من الأعلى التي بعرض حوالي 45 متر، بل مدخلا صغيرا جانبيا سمح له بالدخول واكتشاف بنيتها ومشاهدها وتكويناتها، تحديدا   صواعدها ونوازلها فضلا عن قاعات ومجاري مياه وكائنات وغيرها. مع أهمية الاشارة الى أنه منذ هذا التاريخ تم وضع سلالم حديدية للنزول الى عمقها ، قبل ما حصل من تهيئة خلال سبعينات القرن الماضي، من خلال بناء أدراج إسمنتية ودعائم حديدية جانبية مع عارضات خشبية لتجاوز ممرات وبرك مائية باطنية.

هكذا قبل حوالي المائة سنة كانت تازة ومحيطها وجهة لمغامربن واستكشافيين لمسالك باطن الأرض بالمنطقة، وبفضل هؤلاء وغيرهم لاحقا إن خلال فترة الحماية أو بعد استقلال البلاد ارتبطت المدينة وجوارها بأنشطة الاستغوار التي كانت منطلقها ومكان بداياتها بالمغرب. خلال العقود الأولى لفترة الحماية الفرنسية على البلاد، عبر اسهامات مستكشفين باحثين استغواريين اهتموا بالحياة الاحيائية، وما هو مياه وكائنات حية وتكوينات ذات علاقة بعالم الأعماق. وعليه، يسجل أن الاستغوار المغربي ولد ونشأ بتازة، بحيث في سنة 1931 كان أول نزول لمغارة فريواطو ضمن مبادرات بكثير من المغامرة والخطر من خلال الاعتماد على حبال عادية فقط بحسب افادة الأرشيف. وهي المبادرة التي كان من ورائها خمسية استغواريين فرنسيين مقيمين بتازة، هم “biache” و “buskhowetsky” و”paille” و”groubé” ثم “laxi”.، هذا الأخير الذي كان رئيس الاشغال العمومية بتازة، وعليه سميت احدى اجمل قاعات مغارة افريواطو باسمه.  ويسجل أنه بعد عمل هذا الفريق الاستكشافي، جرت عمليات أخرى لاحقا صوب أعماق المغارة مطلع سنة 1934. سياق من المفيد فيه الاشارة بناء على ما هناك من أرشيف، الى أن “paille” الذي كان رئيسا لجمعية المبادرة بتازة، هو من نادى على”Norbert castret”  وهو أحد الاستغواريين الفرنسيين الشهيرين آنذاك، من اجل رحلة استكشافية رفقة زوجته صوب المنطقة لمدة شهر ونصف. وهي التي انتهت بتقرير له حول ما بلغه من استكشاف شمل حوالي أربعين مغارة بجبال الأطلس المتوسط، مركزا على مغارة شيكر المفتوحة على علو 1342 متر، وعلى مغارة فريواطو التي جعلها موضوع بحث عندما بلغ اسفل مدخلها على عمق 146 متر، وكان من جملة ما لاحظه وأشار اليه في تقريره وجود تيار هوائي / ريحي بارد قادم من الأعماق.

وهذه التحفة “فريواطو” التي شكلت ولا تزال عنوانا حقيقيا لأنشطة الاستغوار بالمغرب، تتوفر على فوهة أو فتحة من الأعلى، بعرض يصل كما سبقت الإشارة لحوالي خمسة وأربعين مترا، وعمق بحوالي مائة وستة وأربعين مترا. فوهة ظلت مفتوحة عبر آلاف السنين بعيدا عن أية تدخلات بشرية، وحتى مدخل المغارة الحالي ليس سوى فتحة طبيعية جانبية، تحقق عبرها الولوج الى عمق أول بعد المدخل. وهو الذي يعرف عند الاستغواريين بالبئر الأول أو البئر العظيم في المغارة هذا دون أي اختراق لعمقها، بحيث لم يتم تجاوز مسافة المائتي متر الأولى من المغارة ولأول مرة، سوى مع تجربة نوربير كاستري الفرنسي عام 1934. وفريواطو المغارة الأهم والأجمل وطنيا وافريقيا هي بمكونات وتشكيلات تجعلها بجمالية كونية، فضلا عن قيمة مضافة احيائية علمية خاصة. علما أن مغارة فريواطو هذه في الأصل عبارة عن مجرى مائي عميق وقديم يعود لملايين السنين، وقدازداد هذا المجرى عمقا لينتقل الى ما يعرف بمغارة “شيكًر” المجاورة، ضمن سياق جيولوجي وتطوري ارتبط ببنية المجال ككل. وبحسب معطيات الجمعية المغربية للاستغوار التي تأسست منذ أزيد من عقدين من الزمن، والتي يعود لها فضل أعمال تعريفية وتواصلية واشعاعية واستكشافية، هناك باحثون مستكشفون يجتهدون ليس فقط لمزيد من المعرفة العلمية الجيولوجية، حول المغارة الأوسع والأهم بالمغرب وافريقيا والعالم. بل لبلوغ نقطة تلاقي باطني بين مغارتين جارتين غير متباعدين، هما فريواطو وشيكًر. واللتين يتوقع أن يكون بينهما مسلك وخيط رابط من شأنه السماح بمزيد من البحث والولوجية. خاصة وأنه عند وضع تقابل ومقارنة بين تصميم المغارتين، يظهر أنهما متقاربتين وأن الفرق بينهما يكمن فقط في العلو بين الأولى والثانية. وكانت المحاولات الأولى لتهيئة المغارتين التي تعود لفترة الحماية الفرنسية على البلاد، قد شملت وضع سلالم حديدية لا تزال معالمها حاضرة لحد الآن خاصة بمغارة شيكًر. أما التهيئة الثانية التي شملت مغارة فريواطو فقد تمت خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث تم وضع سلسلة دروج من الاسمنت ودعائم حديدية جانبية وعارضات خشبية. وقبل حوالي العقد من الزمن، تم إعداد تصميم تهيئة خاصة بالمجال المحيط بمغارة فريواطو، تكلفت به الوكالة الحضرية لتازة، بحيث أنجزت دراسات علمية ووثائق من طراز رفيع في هذا المجال، بقيمة انمائية عالية في أفق تنمية المنطقة سياحيا وتفعيل ما هناك من موارد ايكولوجية، من اجل ما ينبغي من استثمارات وطنية وأجنبية.

هكذا يرتب جنوب إقليم تازة الجبلي، على مستوى منطقة باب بودير، عين خباب، رأس الماء، أدمام، صميعة، ازراردة … من بين أهم مواقع المغرب الطبيعية المؤهلة لممارسة الاستغوار. وهنا جدير بالاشارة لنقطتين أساسيتين، أولا كون عدد المغارات التي تم اكتشافها لحد الآن بهذا المجال بلغ حوالي ثلاثمائة مغارة، منها مائة وعشرين مغارة مصنفة ومرتبة منذ الفترة الاستعمارية، ومنها من هي بشهرة محلية ودولية كمغارة فريواطو وشيكر والشعرة ذات القيمة الاستغوارية العالية. وثانيا كون الفعل الجمعوي الاستغواري المحلي من خلال الجمعية المغربية للاستغوار، لا يزال ورشه الاستكشافي قائما مستمرا على صعيد المنطقة. وعيا بما هناك من تكوينات مغاراتية على مستوى القسم الشمالي من الاقليم، تحديدا منطقة تايناست ومنطقة كهف الغار ومنطقة الكًوزات … من أجل استكشافها وابراز خصوصياتها، لتوسيع وعاء العرض المغارتي الداعم لرهان سياحة الاقليم الجبلية والايكولوجية. وتراهن الجمعية المغربية للاستغوار بتازة ذات الخبرة المهمة في المجال من أجل أفق سياحي محلي، على ما هو وظيفي وشراكات مع من يهمه الشأن، من قبيل وزارة السياحة وجهة فاس مكناس، وجماعات محلية، ومركز سينمائي مغربي، ودوائر تنمية ومؤسسات اعلامية وطنية ودولية … والجمعية بحكم وتراكماتها وفعلها الميداني لسنوات وسنوات، بقدر ما لديها من مقترحات بقدر ما تتوفر على وثائق رافعة لموارد الإقليم الاستغوارية، من قبيل صور نادرة وأشرطة أخذت داخل مغارات بأعماق متباينة ومسافات في باطن الأرض، تخص مشاهد ساحرة تعكس عظمة خالق وعظمة خلق. وهو ما يمكن عرضه ضمن لقاءات ومواعد محلية وطنية ودولية، من قبيل تنظيم ملتقى دولي للاستغوار والاستغواريين بالمغرب، في أفق قراءات علمية للامكانات المتوفرة في المجال، وتدارس سبل التهيئة والاستثمار والتسويق والاشهار ضمن رؤية جهوية تشاركي.  يذكر أنه بعد سلسلة أعمال اعلامية مرئية أثارت ما أثارت من عناية واهتمام وتتبع وطني ودولي واسع، خاصة منها برنامج مغارة وألف مغارة بالمغرب وبرنامج أمودو. تبلورت منذ فترة فكرة أهمية إحداث وكالة أسفار متخصصة في الاستغوار بتازة، علما أن إحداث هذه المنصة في أول تجربة لها بالمغرب بقدر ما هي عليه من استشراف وتطلع قابل للتنفيذ، بقدر ما من شأنها دعم ما هو منشود من ورش تازة السياحي الواعد. ومغارة فريواطو كغيرها من الطبونيميات والمواقع الأثرية هنا وهناك من بقاع العالم، ارتبطت باحالات وخلفيات اسطورية ومن ثمة تسميات .

يذكر ختاما أن “فريواطو” اسم أمازيغي مركب يعني “مغارة الريح”، نسبة لصوت ريح يأتي من فتحة المغارة محدثا هديرا ناعما داخله. ويرتبط هذا الاسم باساطير لا تنطبق على واقع الأشياء والأحداث، اللهم ما تحمله من معاني بإحالات تروم نوعا من العلاقة بين المغارة ومحيطها البشري والثقافي. وعن التسمية بعيون اسطورية، وردت في عمل ببعد سينمائي/ سيناريو لأحد أبناء تازة، امحمد العلوي الباهي رحمه الله، والذي من جملة ما أشار اليه من باب الاثارة حول هذه المغارة في كتيب له بعنوان “املشيل ويطو”، أن المغارة تحمل اسم فتاة تدعى “ايطو”، التي بحسب الرواية المحلية/ الاسطورة، ابنة أحد زعماء القبيلة بجبال الأطلس المتوسط، وأنها كانت راعية للغنم أصيبت بمرض عضال ألزمها الفراش ولم تجد علاجا، لكن والدها علم من بعض شيوخ القبيلة أنها لن تشفى منه إلا إذا تناولت عسلا مهجورا، وهكذا شاع الخبر حتى بلغ لشاب راعي للغنم – من ناحية امليشيل، والذي قرر مساعدتها والبحث عن عسل مهجور إلى أن اهتدى إلى فوهة كبيرة تؤدي إلى “مغارة فريواطو”، فكان أول من اكتشفها ووسط اندهاشه وانبهاره وخوفه مما يرى أبى إلا أن يساعد الفتاة، فواصل  بحثه حيث عثر على”عسل مهجور” وأقفل عائدا صوب القبيلة حيث أعطى “ايطو” كمية منه فشفيت. وأنه على اثر ما بذله لانقاد حياتها نشأت قصة حب بينها وبينه وأحست أنها مدينة له بحياتها، فعلم الجميع بقصة حبها ليمنعها والدها من مغادرة البيت، وأمر بإلقاء الشاب من فوهة المغارة إلى أسفلها، وعندما سمعت إيطو بالخبر لم تتمالك نفسها ففرت من البيت وقررت بدورها إلقاء نفسها من فوهة المغارة فداء لحبيبها. أسطورة تقول أن هذين العشيقين لم يموتا وانهما حاولا الخروج من المغارة دون تفكير للعودة إلى القبيلة. فحصل مشي لهما في سراديبها المظلمة مستعملين شموعا من شهد نحل ليضيء طريقهما، وعند وصولهما إلى منطقة تدعى “املشيل” بكيا كثيرا حتى تكونت من دموعهما بحيرة “ايسلي” و”اتسليت” الشهيرة. هذا ما جاء في الرواية/ الاسطورة، وهكذا ما يعتقد حول اصل اسم فريواطو، وهذا ما يعتقد من علاقة بين اسم مغارة واسطورة.

رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

إلغاء الاشتراك من التحديثات