الدراما المغربية تفقد احد روادها ومؤسسيها “مصطفى الدرقاوي”

ارتبط اسمه بتشكل وبناء ورسم معالم السينما المغربية في سنواتها الاولى، وقد راكم تجربة درامية امتدت لعقود من الزمن، جمع فيها بين الإخراج وكتابة السيناريو والإنتاج والمونتاج والتمثيل، مقدما أعمالا سينمائية وتلفزيونية متنوعة اغنت الخزانة المغربية الفنية، وقد تناولت قضايا انفتحت على واقع المغرب الاجتماعي. ذلكم هو مصطفى الدرقاوي الذي ولد بمدينة وجدة والذي افتقدته الدراما المغربية عن سن ناهز 82 سنة، وكان قد حصل سنة 1962 على شهادة البكالوريا في الفلسفة، كما تلقى تكوينا في المعهد الموسيقي للفن الدرامي بالدار البيضاء. وفي سنة 1965 انتقل إلى بولندا لمتابعة دراسته السينمائية، فالتحق بالمدرسة الوطنية العليا للسينما والمسرح والتلفزيون بمدينة وودج، وتخرج منها في شعبة الإخراج سنة 1972.
وكان بعد عودته إلى المغرب قد التحق بالمركز السينمائي المغربي سنة 1973، قبل أن مغادرته سنة 1975. وفي سنة 1974، مؤسسا الى جانب شقيقه عبد الكريم الدرقاوي والعربي بلقاف شركة “بسمة للإنتاج”، ثم سنة 1980 شركة “آرت 7″ في إطار انخراطه في الإنتاج السينمائي إلى جانب الإخراج. وقد ارتبط اسم الدرقاوي بشكل خاص بفيلم “أحداث بلا دلالة”، الذي أخرجه سنة 1974، ويُصنف ضمن الأعمال البارزة في تاريخ السينما المغربية خلال سبعينيات القرن الماضي. ويتابع الفيلم مجموعة من المخرجين الشباب في الدار البيضاء وهم يبحثون عن موضوع لفيلم، قبل أن يتحول هذا البحث إلى نقاش حول السينما والواقع والمجتمع. ولم يعرف الفيلم مسارا عاديا بعد إنجازه، إذ ظل بعيدا عن التداول لسنوات طويلة، قبل العثور على نسخته السالبة في خزانة سينمائية بإقليم كاتالونيا سنة 2016. وبعد ترميمه، عُرض الفيلم ضمن الدورة الـ69 لمهرجان برلين السينمائي سنة 2019، قبل أن يفتتح في السنة نفسها الدورة العشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، ليعود بذلك أحد أبرز أعمال الدرقاوي إلى الواجهة بعد عقود من الغياب. وإلى جانب “أحداث بلا دلالة”، أخرج فقيد السينما المغربية عددا من الأفلام، منها “أيام شهرزاد الحلوة”، و”عنوان مؤقت”، و”رواية أولى”، و”لعب في الماضي”، و”الأبواب السبعة لليل”، و”المجاز الكبير”، و”غراميات الحاج المختار الصولدي”، إضافة إلى “كازابلانكا باي نايت” و”كازابلانكا داي لايت”. كما اشتغل في التلفزيون وقدم أعمالا من بينها “اثنان ناقص واحد”، و”احتضار زهرة”، و”بورتريهات عائلية”، إلى جانب ظهوره ممثلا في بعض أعماله.
يذكر أن تجربة الدرقاوي لم تقتصر على الإخراج، فقد اشتغل أيضا في كتابة السيناريو والإنتاج والمونتاج والتمثيل، ما جعله من السينمائيين الذين تولوا أكثر من مهمة داخل العمل الواحد، خصوصا خلال مرحلة كانت فيها صناعة السينما المغربية لا تزال في طور بناء بنيتها المهنية والإنتاجية. وحظيت تجربته باهتمام عدد من المؤسسات والمهرجانات السينمائية، حيث تم تكريمه في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش سنة 2007 ضمن دورته السابعة. كما شكلت إعادة اكتشاف “أحداث بلا دلالة” وعرضه في مهرجان برلين محطة مهمة في إعادة تقديم تجربته أمام جمهور سينمائي جديد، بعدما ظل الفيلم لعقود خارج دائرة العرض والتداول. مسيرة فنية سينمائية، جعلت الدرقاوي بتجربة امتدت منذ سبعينات القرن الماضي حتى السنوات الأخيرة، وقد توزعت على جملة اعمال سينمائية وتلفزيونية ارتبط بعضها بما مجتمعي من أسئلة وجدل وقضايا، فيما بقي فيلم “أحداث بلا دلالة” العمل الأكثر حضورا في الحديث عن تجربة الراحل الدرامية.












