البرلمان المغربي.. من بيت الأمة إلى «دار الورثة»؟ حين تصبح التزكية أقرب إلى الامتياز منها إلى الكفاءة

تازة بريس7 سبتمبر 2026آخر تحديث : الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 4:03 مساءً
البرلمان المغربي.. من بيت الأمة إلى «دار الورثة»؟ حين تصبح التزكية أقرب إلى الامتياز منها إلى الكفاءة

كادم بوطيب

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يعود النقاش من جديد حول سؤال جوهري يتجاوز أسماء المرشحين ونتائج الصناديق: من يملك حق الوصول إلى البرلمان؟ ومن يقرر من يمثل المغاربة تحت قبة المؤسسة التشريعية؟ فالبرلمان، في جوهره، ليس نادياً مغلقاً ولا فضاءً لتبادل المواقع والامتيازات، وإنما هو بيت الأمة ومؤسسة دستورية يفترض أن تعكس تنوع المجتمع المغربي، وأن تفتح أبوابها أمام الكفاءات والنخب القادرة على التشريع والمراقبة والدفاع عن مصالح المواطنين. غير أن الصورة التي بدأت تتشكل في عدد من الدوائر الانتخابية تطرح أسئلة محرجة حول مدى حضور معيار الكفاءة والنزاهة والاستحقاق في عملية اختيار المرشحين، مقابل صعود اعتبارات أخرى، من بينها الحضور العائلي، والنفوذ المحلي، والقدرة المالية، وقوة العلاقات داخل بعض التنظيمات السياسية.

من «بيت الأمة» إلى «دار الورثة»؟

التعبير قد يبدو قاسياً، لكنه يعكس، في نظر منتقدين، حالة سياسية باتت تثير الكثير من علامات الاستفهام: أسماء تتكرر، عائلات تعيد إنتاج حضورها، ووجوه تنتقل من موقع انتخابي إلى آخر وكأن التمثيلية السياسية أصبحت امتيازاً قابلاً للتوريث. ولا يتعلق الأمر هنا بالطعن في حق أي مواطن في الترشح، فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون قانونياً وديمقراطياً، وإنما يتعلق بالسؤال الأكبر: هل تملك الأحزاب المغربية شجاعة فتح المجال أمام وجوه جديدة وكفاءات مستقلة قادرة على تقديم إضافة حقيقية للعمل البرلماني؟ فالمغرب يزخر بالأساتذة الجامعيين والمحامين والأطباء، والمهندسين والخبراء الاقتصاديين ورجال الأعمال النزهاء، والفاعلين الجمعويين والشباب الذين راكموا تجارب حقيقية في تدبير الشأن العام. لكن كثيراً من هذه الكفاءات تصطدم، أحياناً، بجدار التزكية الحزبية، بينما تنجح شخصيات أخرى بفضل قوة المال أو النفوذ أو العلاقات في الاقتراب من مواقع القرار.

حين يصبح المال معياراً غير معلن

الأخطر من ذلك هو الحديث المتزايد عن تأثير المال في العملية الانتخابية، سواء في الحملات أو في المنافسة على التزكيات أو في بناء شبكات انتخابية محلية. ولا يعني ذلك أن كل مرشح ميسور أو كل وكيل لائحة يستعمل المال بطريقة غير قانونية؛ فهذا تعميم غير مقبول مهنياً. لكن مجرد استمرار الجدل حول العلاقة بين المال والتزكيات يكفي لطرح سؤال جدي حول الحاجة إلى مزيد من الشفافية في كيفية اختيار المرشحين. وقد عاد موضوع التزكيات والمال الانتخابي بالفعل إلى واجهة النقاش السياسي قبيل استحقاقات 2026، وسط تساؤلات حول معايير اختيار المرشحين وعلاقة الإمكانات المالية بالعمل الانتخابي. وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية قبل أي جهة أخرى. فالمرشح الذي يملك المال ليس بالضرورة هو المرشح الذي يملك الكفاءة، ومن يملك شبكة علاقات واسعة ليس بالضرورة هو الأقدر على التشريع. البرلمان يحتاج إلى من يفهم الاقتصاد والقانون والتعليم والصحة والإدارة والاستثمار والرقمنة والسياسات العمومية، لا إلى مجرد أسماء قادرة على تمويل حملة انتخابية مكلفة.

التنمية ليست صفقة انتخابية

أما التنمية، فلا يمكن أن تتحول إلى ورقة للمزايدة الانتخابية أو إلى وسيلة لصناعة الولاءات. الناخب المغربي لا يحتاج إلى وعود موسمية تظهر قبل الانتخابات وتختفي بعدها، وإنما يحتاج إلى منتخب يعرف كيف يدافع عن المستشفى، والمدرسة، والطريق، والنقل، والاستثمار، وفرص الشغل، والعدالة المجالية. التنمية الحقيقية لا تُشترى بالأموال، ولا تُقاس بعدد السيارات في الموكب الانتخابي، ولا بعدد الولائم واللقاءات الموسمية. إنها تحتاج إلى مشروع واضح، وإلى منتخب يمتلك القدرة على تحويل مطالب المواطنين إلى سياسات عمومية وتشريعات ومراقبة فعلية للحكومة. وكيل اللائحة.. مسؤولية وليست “مشروعاً استثمارياً” ويظل منصب وكيل اللائحة تحديداً من أكثر المواقع حساسية في الانتخابات، لأنه غالباً ما يكون واجهة الحزب في الدائرة الانتخابية وقائداً للحملة ومخاطباً رئيسياً للناخبين. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الأحزاب ليس: من يستطيع أن ينفق أكثر؟ بل: من يستطيع أن يمثل الحزب والدائرة والوطن بأفضل صورة؟ ومن المؤسف أن تتحول المنافسة، في بعض السياقات، من سباق حول البرامج والأفكار إلى سباق حول الإمكانات المالية والنفوذ والقدرة على الحشد. وإذا أصبحت تكلفة الوصول إلى التزكية أو خوض الانتخابات حاجزاً أمام أصحاب الكفاءة محدودي الإمكانات، فإن الديمقراطية نفسها تدفع الثمن، لأن البرلمان سيصبح أقل تمثيلاً للمجتمع وأكثر تمثيلاً للفئات القادرة على تحمل كلفة السياسة. ماذا عن الشباب والكفاءات؟ المفارقة أن المغرب يتحدث باستمرار عن ضرورة تجديد النخب وتشجيع الشباب والمرأة والكفاءات، بينما يجد كثير من هؤلاء أنفسهم خارج دائرة القرار الحزبي عندما تبدأ عملية اختيار المرشحين. الشاب الذي قضى سنوات في الجامعة، ثم في العمل الجمعوي أو المهني، وراكم تجربة حقيقية، قد يجد نفسه عاجزاً عن منافسة شخص يمتلك المال والعلاقات. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا لم تفتح الأحزاب أبوابها أمام الكفاءات الجديدة، فمن أين ستأتي النخبة السياسية التي ستقود المغرب خلال العقود المقبلة؟

المطلوب: إعادة الاعتبار للسياسة

المطلوب اليوم ليس مهاجمة البرلمان كمؤسسة، وإنما الدفاع عنه باعتباره إحدى أهم ركائز الممارسة الديمقراطية. والإصلاح الحقيقي يبدأ من الأحزاب نفسها: شفافية أكبر في منح التزكيات، معايير واضحة ومعلنة لاختيار المرشحين، محاربة كل أشكال شراء النفوذ السياسي، إعطاء الأولوية للكفاءة والنزاهة، وتشجيع الشباب والنساء وأصحاب الخبرات المهنية والعلمية. كما أن الناخب نفسه مطالب بتحمل مسؤوليته، لأن المال الانتخابي لا يستمر إلا عندما يجد من يقبله، والزبونية لا تزدهر إلا عندما تتحول إلى قاعدة انتخابية. في النهاية، البرلمان ليس إرثاً عائلياً، ولا ملكية خاصة للأحزاب، ولا امتيازاً تمنحه شبكات النفوذ، إنه مؤسسة تمثل ملايين المغاربة، ومن حق المواطن أن يرى تحت القبة البرلمانية الطبيب إلى جانب الأستاذ، والمهندس إلى جانب المحامي، والخبير الاقتصادي إلى جانب المقاول النزيه، والشاب إلى جانب صاحب التجربة، والمرأة إلى جانب الرجل؛ أي مجتمعاً حقيقياً بكل تنوعه، لا نخبة مغلقة تعيد إنتاج نفسها باستمرار. لذلك، فإن عبارة «دار الورثة» ينبغي أن تبقى مجرد جرس إنذار سياسي وإعلامي، لا وصفاً دائماً للمؤسسة التشريعية. فالبرلمان الذي يستحقه المغرب هو بيت الأمة؛ ومفتاح هذا البيت يجب أن يكون الكفاءة والنزاهة والاستحقاق وخدمة المواطنين، لا المال ولا النفوذ ولا الاسم العائلي. وفي نهاية المطاف يبقى السؤال الأكبر معلقاً أمام الأحزاب والناخبين معاً، هل نريد برلماناً يعيد إنتاج الوجوه نفسها أم برلماناً يجدد النخب ويمنح الكفاءة المغربية فرصة حقيقية لتمثيل الشعب؟.

عن جريدة طنجة 12

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق