عبد السلام انويكًة
غير خاف عن باحثين مؤرخين فعلا وأثراً، أن الأرشيف ركيزة اساسية من أجل كتابة وتوثيق تاريخ المغرب ومدنه وجهاته، لِما يحتويه من ذاكرة ورواية رافعة لبلوغ حقائق تاريخية الى حين، وأن من شأن اعتماد مكون الأرشيف تجاوز ما هناك من ضعف رواية، من خلال إعادة قراءة الأحداث وفق رؤية أكثر موضوعية. ذلك أن الأرشيف هو تنوع وثائق وتنويع مصدر بحث، وهو سبيل من سبل إضاءة ما هو غامض من محطات وفترات وكشف ما هو مغمور.
ولعل أبرز ما هو معتمد من مراكز أرشيف ببلادنا هناك مؤسسة “أرشيف المغرب” التي رأت النور قبل حوالي عقدين من الزمن مستهدفة تنظيم وصيانة هذا التراث الوطني. وهناك مديرية الوثائق الملكية التي تأسست سنة 1975 وتضم أرصدة سلطانية نادرة، ثم الخزانة الحسنية أيضا بالرباط التي تعد مركزا رائدا مخطوطات ووثائق تاريخية بقدر كبير من الأهمية. والى جنب هذه الدوائر الأرشيفية ودورها في التوثيق لزمن المغرب، تُعد الأرشيفات المحلية بمثابة نواة رافعة وركيزة لإعادة كتابة تاريخ المغرب من “الأسفل” بتقدير باحثين مهتمين، وقد اسهمت بأثر بحثي معبر خلال السنوات الأخيرة، في الانتقال من تاريخ رسمي متمركز حول مدن عواصم تاريخية وسلطة/ مخزن، صوب تاريخ اجتماعي واقتصادي وثقافي.. مونوغرافي شمل حواضر البلاد وبواديها وجهاتها وهوامشها، بحيث كانت الأعمال المنجزة في هذا الاطار بقيمة معرفية ومنهجية، من حيث مثلا تفكيك تاريخ نمطي وإعادة قراءة وتقويم اطروحات استعمارية كثيرا ما قدمت القبائل والبوادي المغربية ككيانات فوضوية ومعزولة ..، ومن حيث أيضا التأريخ لحياة يومية بكشفها عن تفاصيل ازمات مناخية، فضلا عن أوبئة ومجاعات ومعاملات تجارية عبر تقاييد وكنانيش وغيرها، دون نسيان ما أسهمت به المونوغرافيا التاريخية المغربية، التي انبنت في نهجها وبناء مادتها العلمية على ارشيف محلي، على مستوى رصد بنيات سوسيو – اقتصادية من اجل فهم أعمق لقضايا زمن وانسان، من قبيل نظام ملكية عقارية واستغلال مياه وتنظيم اسواق من خلال عقود معاملات وتقاييد قضاة وغيرها.
ويسجل أن من مصادر الأرشيف المحلي، الوثائق العدلية والقضائية التي تشمل عقود زواج وبيع وإرث واحكام صادرة عن قضاة اقاليم، ولعلها مرآة ما حصل من تطور اجتماعي فكري بنيوي. وهناك الأرشيفات العائلية والخاصة وهي وثائق منتقلة بين خلف وسلف، وتضم مراسلات ومذكرات شخصية وتقارير محاسباتية عائلية وغيرها. ثم هناك كتب النوازل الفقهية وهي فتاوى فقهاء بمناطق هنا وهناك تجيب عن مشاكل واقعية محلية ملموسة، ما يجعلها وثيقة سوسيولوجية بقدر كبير من الأهمية البحثية. وهناك أيضا ما يعرف بمخازن الأرداف (أكادير)، وهي حصون جماعية حيث جبال الأطلس وبلاد سوس خاصة، وكانت تُحفظ فيها عقود واتفاقيات عرفية تخص القبائل. ويسجل أن من تحديات وإكراهات صيانة الأرشيف المحلي بالمغرب، هناك أولا الشتات والتلف نظرا لبقاء جزء ضخم من الوثائق بحوزة أسر تفتقر لوسائل الحفظ العلمي مما يعرضها للضياع. ثانيا مركزية الحفظ العلمي بحيث تركز أغلب مجهودات وعمليات الرقمنة والتنظيم في الرباط، مقابل ضعف البنيات الأرشيفية الإقليمية. ثالثا صعوبة القراءة والتحقيق، بحيث تتطلب هذه الوثائق إلماماً بالخطوط المغربية المحلية (كالمجوهر والمسند) فضلا عن مصطلحات عرفية خاصة بكل منطقة.
وتُشكل خزانات الجوامع العتيقة في المغرب، وعاء أرشيفيا للذاكرة الروحية والفكرية والثقافية والاجتماعية للبلاد منذ العصر الوسيط، وأن هذه الجوامع لم تكن مجرد دور عبادة، فقد تحولت عبر العصور (خاصة منذ عهد بني مرين) إلى مؤسسات علمية لتضم أرشيفات ومخطوطات لا تُقدر بثمن. لِما تحتويه من حوالات ودفاتر حبسية تُعد وثائق وارشيفات اقتصادية واجتماعية، تحفظ تفصيل أملاك أوقاف وعقارات ومصاريف مساجد وتبرعات واتفاقيات عدلية عبر قرون. وعن أرشيف الجوامع المحلي هناك المخطوطات السلطانية الفريدة، التي تضم نسخاً نادرة من مصاحف وكتب حديث وسير وفقه وعلوم موازية من قبيل الطب والفلك والرياضيات، تلك التي كان السلاطين يتنافسون على تحبيسها. وعن أرشيف جوامعنا العتيقة نذكر أيضا ما هناك من تقاييد علماء واجازات، وهي وثائق ومذكرات ملحقة بكتب تكشف عن شبكات تواصل بين علماء مغرب ومشرق، فضلا عن طرق تدريس واجازات علمية متبادلة. ولعل من خزانات هذه الجوامع نجد خزانة جامع القرويين، وهي أقدم خزانة في المغرب والعالم الإسلامي (859م)، بحيث تضم آلاف المخطوطات النادرة من بينها نسخة من كتاب “العبر” للعلامة المؤرخ ابن خلدون المذيل بخطه. ثم هناك خزانة جامع ابن يوسف بمراكش، التي تعد من أهم حواضر المغرب العلمية التي تختزل قروناً من الإشعاع الفكري. وبتازة هناك خزانة جامع المدينة الأعظم التي ارتبطت بازدهار علمي كبير زمن دولة بني مرين، وتضم أرشيف/ ذخائر مخطوطة هامة. وفي علاقة بهذا الإرث الإنساني من حيث حمايته واستثماره، يسجل ما هناك من تحديات راهنة ومن حاجة لانقاذ من مخاطر تلف. ذلك أن بعض هذه الخزانات تعرضت تاريخيا لنزيف وضياع لأسباب متداخلة، من قبيل ظروف حفظ تقليدية واهمال، قبل ما هناك من مأسسة وفهرسة ورقمنة للقطاع .. بفضل جهود مصالح ومؤسسات معنية. فضلا عن حملات علمية لإعادة تصنيف وفهرسة وترميم لما هناك من مخطوطات، لترتيبها على رفوف حديثة وحمايتها رقمياً وتسهيل الولوج الرقمي اليها من قبل الباحثين دون الانتقال إلى المراكز، وقد تم العمل على توفير نسخ رقمية لتسهيل البحث التاريخي دون إلحاق الضرر بالأصول المخطوطة.
وحول ذخائر الأرشيف الذي بتازة، تعد خزانة الجامع الأعظم المرينية بالمدينة واحدة من أقدم وأهم منارات تراث المغرب والغرب الإسلامي، وقد أسسها السلطان المريني أبو فارس المتوكل. وهي رغم ما ضاع من آلاف مخطوطاتها عبر الزمن والأحداث، لا تزال هذه الخزانة تضم نحو 700 مخطوط نفيس خضع لفهرسة وزارة الأوقاف، وأن من جملة ما تحفظه نسخا من كتاب “الشفا“ للقاضي عياض (تحمل إشهاداً سلطانياً مرينياً بالوقف)، ومخطوط “إرشاد المسافر“ للشيخ ابن يجبش التازي، فضلا عن كتب طب وفلك وحساب ووثائق موحدية ورسائل أصلية للمهدي بن تومرت مثل رسائل “أعز ما يُطلب“ التي اعتمدها مؤرخو المغرب المعاصرون. ولعل حماية أرشيف مدينة تازة سواء مخطوطات الجامع الأعظم العلمية أو الحوالات الحبسية والوثائق العائلية والقبلية بالمنطقة، تقتضي فضلا عما هو استراتيجية ومشروع وطني، رؤية محلية مندمجة جامعة بين تقنيات علمية حديثة ومبادرات توعوية. والحماية هنا والإنقاذ يحتاج لترميم ومعالجة أوراق متهالكة لمخطوطات وحوالات، باستخدام مواد كيميائية غير حمضية لإيقاف التآكل البيولوجي الناتج عن الرطوبة والأرضة، مع مراعاة أيضا ما هو بيئي من خلال توفير قاعات حفظ مجهزة بأجهزة لضبط درجة الحرارة (أقل من 24 درجة مئوية) ونسبة الرطوبة (تحت 65%)، لحماية جودة المخطوطات الورقية من التعفن. وتأمينا لما هناك من مخطوطات ووثائق، ينبغي نقلها من وضعها الحالي غير المنظم إلى علب أرشيفية كرتونية خالية من الأحماض (Acid-free)، مع توفير أنظمة متطورة لإخماد الحريق والوقاية من تسرب المياه. دون نسيان ما تحتاجه العملية من بناء لقاعدة بيانات محلية، وإنشاء منصة رقمية إقليمية تُتيح للباحثين تصفح النسخ الرقمية لتفادي اللمس المتكرر للأصول الذي يُسرع من تلفها. والأمر هنا يحتاج أولا لاتفاقيات/ شراكات مؤسساتية بين مؤسسة “أرشيف المغرب” ووزارة الأوقاف ثم الهيئات المنتخبة محليا، من اجل خريطة طريق بمعالم وأهداف وسبل عمل وإجراءات واضحة تخص حماية رصيد المنطقة من الأرشف/ التراث. وثانيا تشجيع الأسر التازية العريقة على تسليم ما تملك من “تقاييد” أو رسائل شخصية أو عقوداً عدلية قديمة للمراكز الرسمية، أو السماح برقمنتها مع الاحتفاظ بملكيتهم للأصول، ثالثا تنظيم ندوات محلية ومعارض دورية في المدينة للتعريف بالقيمة الاستراتيجية التراثية لأرشيف تازة، بما يدفع السكان للمساهمة الفعالة في حماية هذا الموروث.
يذكر أن أثر وفائدة حماية وإنقاذ أرشيف تازة، تتجاوز البعد التاريخي الجاف لتشكل رافعة للتنمية المحلية المستدامة، وعاملاً اقتصادياً واجتماعياً يعود بالنفع على المدينة ساكنةً ومجالاً. من قبيل جذب السياحة العلمية فضلا عن تحويلها إلى وجهة وطنية ودولية لباحثين ومؤرخين مهتمين بدراسة مخطوطات المغرب والغرب الاسلامي وحوالات الأوقاف المرينية وغيرها، إطلاق مسارات سياحية مدمجة يتم فيها ربط الأرشيف بمعالم تازة الأثرية المادية (الثريا المرينية، المسجد الأعظم، المدرسة المرينية، السور الموحدي، السور المريني، الحصن السعدي، المشور العلوي، الزوايا واضرحة العلماء ..الخ ). ما من شأنه اطالة مدة إقامة الزوار وخلق رواج اقتصادي متمحور حول “اقتصاد المعرفة”، من خلال تنظيم مؤتمرات ومعارض تراثية وندوات دورية وظيفية من شأنها المساهمة في تحريك الاقتصاد المحلي (فنادق، دور ضيافة، مطاعم، نقل ..). دون نسيان أهمية إعادة إحياء الفنون المرتبطة بالأرشيف، مثل مهارات تسفير الكتب والمخطوطات وصناعة الورق التقليدي فضلا عن الخط المغربي وربطه بمنتجات تقليدية تذكارية. ناهيك عن تقوية الوعي بالانتماء عبر إشراك الساكنة في حماية التراث، مما يرفع من منسوب الاعتزاز بالهوية المحلية ويحد من مظاهر هامش ثقافي. واكثر من هذا وذاك من سبل العمل، تسويق “ماركة” تازة الترابية (Territorial Branding): وتقديم تازة “حاضرة تاريخية عريقة ذات عمق أرشيفي استراتيجي”، بما يعزز جاذبيتها أمام مستثمرين ومؤسسات مانحة لمشاريع تنموية وثقافية. ولتفعيل الرأسمال اللامادي للمدينة وبخاصة زخمها من الأرشيف، نقترح موعدا سياحياً ثقافياً يمتد ليومين حول : “تازة .. التاريخ .. الذاكرة وأرشيف المخطوط”، من اجل برنامج يروم نقل الزائر/ السائح من “قراءة الوثيقة التاريخية” إلى “معاينة الأثر المادي” الذي يؤرخه، في افق بلوغ ما حققته تجارب مدن مغربية اصيلة، نجحت في تسويق ترابها وتراثها المادي واللامادي بتقديمها نموذجا يخص “تسويق الأرشيف”، ضمن تنمية مستدامة وسياحة منشودة ثقافية محلية مندمجة رافعة.
رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث
