مغارة فريواطو بين حدث إعادة الافتتاح وبنية تنمية التراب المحلي ..

عبد السلام انويكًة
حديث عن تراث طبيعي كل حديث عن كهوف ومغارات هنا وهناك، تراث بقدر تنوعه وامتداده زمنا ومكانا بقدر ما يحتويه من بصمات ومشاهد ورواية وتسميات وغيرها. ولعل كل منطقة من مناطق العالم ومنها مدن وجهات المغرب، تعتز بما لديها من تراث فضلا عن وحضارة وطبيعة وتفردات منظر وماض. علما أن كل تراث هو جزء من ثقافة وذاكرة جماعية، وعليه ما يقتضيه من عناية وحماية وعيا بكون فقدانه أمر لا يقدر بثمن. وأن الانسان والطبيعة معا شهدا تطورات عبر الزمن، تلك التي لا يمكن تلمسها إلا عبر ما هناك من أثر شاهد بشري كان أم طبيعي. ولعل الكهوف والمغارات اشكال نحتت عبر ملايين السنين بفعل عوامل عدة تخص بنية المنطقة ذاتها، حيث وجود طبقات بتركيب صخري معين مع سمك بشقوق عدة فضلا عن قابلية ذوبان قرب سطح الأرض.
بعد عملية تهيئة وتأهيل وترميم وإصلاح لمغارة فريواطو بتازة وقد استغرقت حوالي العقد من الزمن، لن اتحدث عن خبر إعادة افتتاح هذه المعلمة الطبيعية مؤخرا في وجه الزوار، لكونه مجرد حدث ليس بالأهمية التي تخص ما هناك من مساحة بنية في علاقتها بتنمية التراب في بعده المحلي ثم الجهوي فضلا عن الوطني، وعندما نتحدث عن البنية معنى ذلك ما هناك من اثاث جيولوجي وبيولوجي إحيائي وايكولوجي يخص هذه المغارة وجوارها، وما هناك أيضا من سبل استثمار استشرافي على اكثر من مستوى بما في ذلك المستوى العلمي المخبري دعما لورش المنطقة السياحي. وليس المهم أيضا خبر إعادة افتتاح المغارة بعد فترة (راحة بيولوجية)، علما أن إقليم تازة بمساحة كهوف ومغارات متفردة عدة هنا وهناك تجعله يتصدر مناطق العالم، وأن من اشهرها مغارة فريواطو ومغارة الشعرة ومغارة شيكر وغيرها من كنوز وتراث المنطقة الطبيعي. وأنه بحسب تقارير مهتمين استغواريين مغاربة وأجانب، تعد “فريواطو” أشهر مغارات تازة وافريقيا بل أكبر مغارة في العالم شكلا وفضاء وتركيبا ومشهدا جيولوجيا فضلا عن فوهة ومدخل ومسالك باطن، وقد تم حصر امتدادها في حدود 2800 متر، بل تم بلوغ نهايتها من قبل استغواري الجمعية المغربية للاستغوار بتازة. ولا علاقة لأي حديث عن قصص انسان قديم وتطور حياة بشرية بها، وليس بها أي أثر ولا نقش صخري ولا بقايا أثرية تعود لفترة ما قبل التاريخ.
يذكر أن “فريواطو” اسم أمازيغي مركب يعني “كهف الريح” نسبة لصوت ريح يأتي من فتحة المغارة محدثا هديرا ناعما بداخله، اسم ارتبط في الذاكرة المحلية بقصص واساطير في مجملها خيالية، اللهم ما تحمله من معاني بإحالات تروم علاقة بين هذه المغارة ومحيطها الثقافي. وعن هذه التسمية بعيون اسطورية ما في عمل ببعد سينمائي / سيناريو لأحد أبناء تازة “امحمد العلوي الباهي رحمه الله”، الذي من جملة ما أشار اليه من باب الاثارة حول هذه المغارة في كتيب موسوم ب “املشيل ويطو”، أن المغارة تحمل اسم فتاة تدعى “ايطو” الاسم الذي بأصول أمازيغية، وأن يطو في الرواية المحلية ابنة أحد زعماء القبيلة بجبال الأطلس المتوسط، وأنها كانت راعية للغنم أصيبت بمرض عضال ألزمها الفراش ولم تجد علاجا، وأن والدها علم من بعض شيوخ القبيلة أنها لن تشفى إلا إذا تناولت عسلا مهجورا. هكذا شاع الخبر في المنطقة – تقول الأسطورة – حتى بلغ نبأ الفتاة لشاب راعي غنم من ناحية امليشيل، والذي قرر مساعدتها باحثا عن عسل مهجور، إلى أن اهتدى إلى فوهة كبيرة تؤدي إلى”مغارة فريواطو”، فكان أول من اكتشفها مندهشا منبهرا خائفا مما رأى، مقررا مواصلة بحثه حتى عثر على عسل مهجور”، فأقفل عائدا إلى القبيلة حيث أعطى “ايطو” كمية منه فشفيت. وعلى إثر ما بذله لإنقاذ حياة هذه الأخيرة نشأت قصة حب بينها وبينه وأحست أنها مدينة له بحياتها. وقد علم الجميع بقصة حبها حيث منعها والدها من مغادرة البيت، مقررا إلقاء ذلك الشاب من فوهة المغارة إلى أسفلها، وأنه عندما سمعت إيطو بالخبر لم تتمالك نفسها ففرت من البيت مقررة بدورها إلقاء نفسها من فوهة المغارة فداء لحبيبها. نفس الأسطورة تقول أن العشيقين لم يموتا وانهما حاولا الخروج من المغارة مشيا في سراديب مظلمة مستعملين شموعا من شهد نحل لإضاءة طريقهما، وأنه عند وصولهما إلى منطقة تدعى “املشيل” بكيا كثيرا حتى تكونت من دموعهما بحيرة “ايسلي” و”تسليت” الشهيرة. هكذا ما جاء في رواية لا تمت للواقع بصلة، وهكذا ما يعتقد حول أصل اسم فريواطو علما أن الكلمة مركبة من كلمتين امازيغيتين ” إيفري” تعني المغارة أو الكهف و “واطو” تعني الريح.
مغارة فريواطو الواقعة جنوب إقليم تازة (جماعة باب بودير) حيث جبال الأطلس المتوسط الشمالي الشرقي، واحدة من أقدم وأعمق المغارات المكتشفة بشمال أفريقيا، تم اكتشافها مطلع ثلاثينات القرن الماضي تحديدا سنة 1931 من قبل استغواريين مهتمين فرنسيين كانوا مقيمين بتازة. مغارة بتكوين كلسي متفرد تشكل عبر ملايين السنين، تضم أزيد من ثلاثمائة درج لبلوغ أعماقها وهو ما يجعلها من أعمق مغارات المغرب. ولا شك أن السكان المحليين بجوارها كانوا على علم بها من خلال فوهتها في الأعلى التي لم يكن يتم الاقتراب منها خوفا من السقوط، قبل اكتشافها عمليا وبحثيا استكشافيا استغواريا أول لاحقا، من قبل الاستغواري الفرنسي نوربيرت كاستريت سنة 1934. ولعله المكتشف الحقيقي الذي قد يكون اكتشف ليس الفوهة من الأعلى التي والتي بعرض حوالي 45 متر، بل مدخلا صغيرا جانبيا سمح له بالدخول ومن ثمة اكتشاف مشاهدها وما هناك من صواعد ونوازل وقاعات ومجاري مياه وكائنات وغيرها. مع أهمية الإشارة الى أنه منذ هذا التاريخ تم وضع سلالم حديدية للنزول الى عمق المغارة، قبل ما حصل من تهيئة خلال سبعينات القرن الماضي من خلال بناء أدراج إسمنتية ودعائم حديدية جانبية وعارضات خشبية لتجاوز ممرات وبرك مائية.
هكذا كانت تازة وجوارها الجبلي وجهة لمغامربن استكشافيين لمسالك باطن خلفتها أنشطة تفاعلات كميائية عبر ملايين السنين، وأنه بفضل هؤلاء وغيرهم لاحقا إن خلال فترة الحماية أو بعد استقلال البلاد، ارتبطت المنطقة بأنشطة الاستغوار التي كانت منطلقها ومكان بداياتها بالمغرب، عبر اسهامات مستكشفين باحثين استغواريين اهتموا بالحياة الاحيائية وما هو مياه وكائنات حية وتكوينات باطنية. وعليه، بقدر ما يسجل أن الاستغوار المغربي ولد ونشأ بتازة، بقدر ما كان أول نزول لمغارة افريواطو سنة 1931 ضمن مبادرات بكثير من الخطورة والمغامرة من خلال اعتماد حبال عادية فقط بحسب افادة الأرشيف، بادرة كان من ورائها خمسية استغواريين فرنسيين مقيمين بتازة هم “biache” و “buskhowetsky” و”paille” و”groubé” ثم “laxi”.، هذا الأخير الذي كان رئيسا للاشغال العمومية بتازة وعليه سميت إحدى أجمل قاعات مغارة افريواطو باسمه.
يذكر أنه بعد عمل هذا الفريق الاستكشافي جرت لاحقا عمليات أخرى صوب أعماق المغارة ابتداء من مطلع سنة 1934. سياق من المفيد فيه الإشارة بناء على ما هناك من أرشيف، الى أن “paille” الذي كان رئيسا لجمعية المبادرة بتازة هو من نادى على”Norbert castret” الذي كان أحد الاستغواريين الفرنسيين الشهيرين آنذاك، وذلك من أجل تنظيم رحلة استكشافية رفقة زوجته صوب المنطقة لمدة شهر ونصف. تلك التي انتهت بتقرير له حول ما بلغه من استكشاف شمل حوالي أربعين مغارة بجبال الأطلس المتوسط، مركزا فيه على مغارة شيكر المفتوحة على علو 1342 متر، وكذا على مغارة افريواطو التي جعلها موضوع بحث عندما بلغ أسفل مدخلها على عمق 146 متر، وكان من جملة ما لاحظه وأشار اليه في تقريره وجود تيار هوائي / ريحي بارد قادم من الأعماق. ولعل مغارة فريواطو هذه التحفة الطبيعية التي شكلت ولا تزال عنوانا حقيقيا لأنشطة المغرب الاستغواري، تتوفر على فوهة أو فتحة من الأعلى بعرض يصل لحوالي خمسة وأربعين مترا وعمق بحوالي مائة وستة وأربعين مترا. فوهة ظلت مفتوحة عبر آلاف السنين بعيدا عن أية تدخلات بشرية، وحتى مدخل المغارة الحالي ليس سوى فتحة طبيعية جانبية، تحقق عبرها ولوج ونزول لعمق أول بعد المدخل. وهو الذي يعرف عند الباحثين والاستغواريين بالبئر الأول أو البئر العظيم في مغارة فريواطو دون أي اختراق لعمق المغارة، بحيث لم يتم تجاوز مسافة المائتي متر الأولى من المغارة لأول مرة، سوى مع تجربة نوربيرت كاستريت الفرنسي عام 1934. وبقدر ما تعد مغارة فريواطو الأهم والأجمل وطنيا وافريقيا، بقدر ما تحتويه من تكوينات وتشكيلات تجعلها بجمالية طبيعة كونية، فضلا عن قيمة مضافة احيائية علمية خاصة. علما أنها في الأصل مجرى مائي عميق وقديم يعود لملايين السنين، وقد ازداد هذا المجرى عمقا لينتقل الى مغارة شيكًر المجاورة ضمن سياق جيولوجي تطوري ارتبط ببنية المجال ككل.
وبحسب معطيات الجمعية المغربية للاستغوار التي تأسست منذ أزيد من عقدين من الزمن، والتي يعود لها فضل أعمال تعريفية واشعاعية واستكشافية. هناك باحثون مستكشفون يجتهدون ليس فقط لمزيد من المعرفة العلمية الجيولوجية حول هذا المركب المغاراتي الأوسع بالمغرب وافريقيا والعالم، بل لبلوغ نقطة تلاقي باطني بين مغارتين جارتين غير متباعدين، افريواطو وشيكًر اللتين يتوقع أن يكون بينهما مسلك وخيط رابط من شأنه السماح بمزيد بحث وولوجية. خاصة وأنه عند وضع تقابل ومقارنة بين تصميم المغارتين، يظهر أنهما متقاربتين جدا وأن الفرق بينهما يكمن فقط في علو بين الأولى والثانية. وكانت المحاولات الأولى لتهيئة المغارتين التي تعود لفترة الحماية على المغرب، قد شملت وضع سلالم حديدية لا تزال معالمها حاضرة لحد الآن بمغارة شيكًر. أما التهيئة الثانية التي شملت مغارة افريواطو فهي التي تمت خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث تم وضع سلسلة دروج من الاسمنت ودعائم حديدية جانبية وعارضات خشبية، سمحت بتجاوز ممرات وبرك مائية باطنية. وفي بادرة هي الأولى من نوعها قبل حوالي العقد من الزمن، تم إعداد تصميم تهيئة خاص بالمجال المحيط بمغارة افريواطو، تكلفت به الوكالة الحضرية لتازة عبر أطرها المتخصصة، عندما أنجزت دراسات علمية ووثائق بقيمة انمائية عالية في أفق تنمية المنطقة سياحيا وتحقيق ما ينبغي من استثمارات وطنية وأجنبية.
هكذا يرتب الجنوب الجبلي لإقليم تازة على مستوى منطقة باب بودير، عين خباب، رأس الماء، أدمام، صميعة، ازراردة … ، من بين أهم مواقع المغرب الطبيعية المؤهلة لممارسة رياضة الاستغوار. وهنا جدير بالاشارة لنقطتين أساسيتين، أولا كون عدد المغارات التي تم اكتشافها لحد الآن بهذا المجال بلغ حوالي ثلاثمائة مغارة، منها مائة وعشرين مغارة مصنفة ومرتبة منذ الفترة الاستعمارية، ومنها من هي بشهرة محلية ودولية كمغارة افريواطو وشيكر والشعرة ذات القيمة الاستغوارية العالية. وثانيا كون الفعل الجمعوي الاستغواري المحلي لا يزال ورشه الاستكشافي مستمرا على صعيد المنطقة، وعيا بما هناك من تكوينات مغاراتية على مستوى القسم الشمالي من إقليم تازة، تحديدا منطقة تايناست ومنطقة كهف الغار ومنطقة الكًوزات … ، من أجل استكشافها وابراز خصوصياتها توسيعا للعرض المغارتي الداعم لرهان سياحة الاقليم الجبلية. والرهان من قبل الجميع أفق سياحي محلي وظيفي، فضلا عن تدخلات وشراكات مع من يهمه الشأن، من قبيل وزارة السياحة، جهة فاس مكناس، جماعات محلية، مركز سينمائي مغربي، دوائر تنمية ومؤسسات اعلامية وطنية ودولية وغيرها. ولعل المجتمع المدني الاستغواري المحلي بحكم حصيلة تراكماته، بقدر ما لديه من مقترحات بقدر ما يتوفر على وثائق رافعة لموارد الإقليم السياحية الاستغوارية، من قبيل صور نادرة وأشرطة أخذت داخل مغارات بأعماق متباينة ومسافات في باطن الأرض، تخص مشاهد ساحرة تعكس عظمة خالق وعظمة خلق. وهو ما يمكن عرضه ضمن لقاءات ومواعد محلية وطنية ودولية، من قبيل تنظيم ملتقى دولي للاستغوار والاستغواريين بالمغرب، من اجل قراءات امكانات هذا المجال وتدارس سبل استثمار وتسويق واشهار ضمن رؤية استشراقية ترابية جهوية.
رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث












