تازة بريس
عبد السلام انويكًة
ضمن طبعة أولى وتقديم محفز مثمن مميز للأستاذ والمؤرخ جامع بيضا الغني عن كل تعريف، صدر حديثا عن دار ابي رقراق للطباعة والنشر بالرباط، كتاب جديد موسوم ب” الأرشيف والأرشفة في المغرب” للأستاذ خالد عيش. ولعل المؤَلَّف/ المؤلِّف توجه بعنايته لإحدى القضايا الانسانية التي لا تزال ببياضات في حقل البحث الاكاديمي الوطني، ذلك أن ما هناك من اشارات حول الموضوع كانت ولا تزال بنوع من خجل علاقة بدرس الجامعة المغربية التاريخي خاصة، دون التفات لِما طبع هذا المجال “الأرشيف” من دراسات ومستجدات مستويات هناك لدى الآخر، وما بات له من أثر ليس فقط في إغناء قضايا البحث الإنساني الاجتماعي، بل في عدد من جوانب الحياة بما فيها تدبير التراب، باعتبار الأرشيف أحد رافعات حاضر المجتمعات وتطلعاتها فضلا عما يسمح به من استشراف.
اشارات وغيرها أول ما يتم التقاطه للوهلة الأولى عند أول تصفح للكتاب، فضلا عما عرج عليه المؤلِّف من اشارة تخص جهاز “الأرشيف” العلمي المفاهيمي، الذي لا يزال مبهما وبغير ما ينبغي من فهم سليم حتى لدى نخب باحثة ذات صلة بالموضوع كلما تم استحضاره، اللهم ما يتم تدويره من تعريف نمطي، حمولته وطبيعة فهمه وتقاسمه بقدر أثره في تبخيس مكون الأرشيف، بقدر ما يعمق نظرة تحقيرية للكتابة عنه واثاره أثاثه وأمكنته. ولعل من جملة ما يكشف عنه هذا وذاك من فهم سطحي وقراءة، ندرة من هو بفكرة سليمة حول عالم الأرشيف وتفاصيله فضلا عن جوهر أدواره في علاقته بالمجتمع والانسان وتطورهما. هكذا مؤلف “الأرشيف والأرشفة بالمغرب” الذي رأى النور مؤخرا، بقدر ما حقق إضافة نوعية في حقل البحث الإنساني لفائدة الخزانة العلمية المغربية، بقدر ما يدخل ضمن رحم مؤسسة أرشيف المغرب الحديثة العهد بالبلاد، وضمن أيضا ما أسهمت به وما هي عليه من منشود ثقافة أرشيف ومرافق عمومية ومؤسسات مدعوة لما ينبغي من انفتاح على ورش، يروم أرصدة أرشيف منظمة رافعة لعدد من المستويات.
يطرح كتاب”الأرشيف والأرشفة في المغرب”، جملة أسئلة بقدر كبير من الأهمية حول سياق بداية الاهتمام بأرشيف المغرب، في علاقة بالآخر عن الأطماع الاستعمارية تحديدا منذ القرن التاسع عشر، وبخاصة الفرنسية منها التي كانت بهاجس معرفة ومعلومة حول البلاد بحكم تخوم تراب عن الجهة الشرقية منذ احتلالها للجزائر مطلع ثلاثينات الفترة ذاتها. ولعلها هي من عمدت لإرساء نظم أرشفة بعد احتلالها للمغرب مطلع القرن الماضي، مستهدفة جمع الأرشيف من جهة ومن اجل توظيفه وتدبيره من خلال مرفق أحْدِث لفائدته من جهة ثانية. ويسجل المؤلِّف أن قضية الأرشيف والأرشفة بالمغرب فقدت بعد استقلال البلاد ما احيطت به من عناية خلال فترة الحماية، لِما طبعها من تجاهل وعدم اعتبار الى غاية نهاية تسعينات القرن الماضي، قبل التفات لأهميته خاصة في علاقته بملف أقاليم المغرب الصحراوية الترابي، فضلا عن محطات وطنية ذات طبيعة انتقالية. سياق بعيون المؤلِّف بقدر ما افتقر لنصوص شافية حول الأرشيف، بقدر ما تقاسمته أسئلة موضوعية عدة عن كائن وأحوال الأرشيف الوطني، فضلا عن سبل ارتقاء بشأنه لمستوى ما هو عليه لدى الآخر بالضفة الأخرى، في أفق ما ينبغي من موقع وخدمة رافعة للدولة والمجتمع معا.
ويسجل أنه بقدر قيمة حمولة الكتاب البحثية ومستوى تنويره حول مجال ظل مغمورا الى حين السنوات الأخيرة إثر إحداث مؤسسة أرشيف المغرب، وما أسهمت به هذه الأخيرة هنا وهناك عبر جسور تواصل وإبراز مهام وادوار وقيمة تشارك وإبلاغ وتقاسم رؤية وأفكار وتطلعات، فضلا عن تحسيس وجمع وإغناء ومن ثمة تراكم خبرة وتجربة واشعاع. بقدر قيمة دعوة المؤلَّف واشاراته من اجل ما ينبغي من انصات لعنصر ومكون الأرشيف لفائدة البلاد والعباد، في أفق مكانة وموقع له ضمن منظومة التخصصات البحثية الأكاديمية، فضلا عما ينبغي من عمل تكوين وتأهيل للأطر في هذا المجال. وغير خاف ما بات للأرشيف لدى الآخر ضمن بنياته الثقافية والتراثية والاشعاعية الحضارية، وعليه ما هناك من أثر اجرائي جلي للأرشيف في انتاج الثروة عبر ما بات معتمدا من صناعات ثقافية رافعة لاقتصاد بلاد وعباد هنا وهناك.
كتاب”الأرشيف والأرشفة في المغرب” هذا، توزع نهجا وزمنا، على فصول أربعة جاءت متكاملة في كرونولوجيتها ومحاورها وأسئلتها. فعن الأرشيف وذاكرة المغاربة وهويتهم وحاضرهم ومستقبلهم، هو ما تناوله فصل أول استهدف التأصيل للأرشيف المغربي ولمنابع نظمه عبر تجارب واسهامات الدولة المغربية على امتداد قرون من الزمن، من خلال ما كان من أدوات اشتغال وقائمين على الشأن من عدول وموثقين وفقهاء وغيرهم. قبل الانتقال ضمن فصل ثان لمناقشة ما شهده المغرب من تحول إثر خضوعه للحماية الفرنسية، من نهاية نظام أرشيف ونشأة آخر. وعن الأرشيف الوطني وما حصل من إتلاف وضياع، هو ما خصص له الباحث فصلا ثالثا عرض فيه لِما حصل نتيجة أسباب عدة ومتداخلة بكيفية خاصة منها ما هو ذاتي ثقافي مغربي عبر الزمن. وأما قضية واشكالية جمع الأرشيف وأرصدته، فهو ما تمت اثارته ومقاربته في فصل رابع من الكتاب، لافتا للبداية والفكرة والخلفية منذ القرن التاسع عشر، ما أفرز نواة أرشيف برغبة من الاقامة العامة الفرنسية بالمغرب، مستهدفة توفير ما يساعد على كتابة تاريخ البلاد من المصادر. ولعله سياق انتهى وفق إشارة المؤلِّف الى إحداث “المكتبة العامة للحماية والأرشيف”، التي عمل على رصد نشاطها منذ عشرينات القرن الماضي الى غاية استقلال المغرب. فضلا عن رصده ما طبع فترة مغرب الاستقلال حتى نهاية مطلع الألفية الثالثة من فتور حول الشأن، الى حين نداء هيئة الانصاف والمصالحة بإحداث مؤسسة أرشيف المغرب، حماية لحقوق المواطنين وحفظ أرشيفهم وذاكرتهم وكتابة تاريخهم. هكذا بات المغرب بمؤسسة للأرشيف فتحت أبوابها قبل حوالي العقدين من الزمن، معلنة ورشا نجاحه يقتضي جهد وتجند وإرادة ومساهمة الجميع كل من موقعه، للانتقال بأرشيف البلاد والعباد الى ما هو كائن من مستوى لدى الآخر بدول متقدمة، من حيث عمل جَمْع وقواعد بيانات وحفظ وحماية وخدمات، فضلا عن بنيات ورؤية تدبير وبعد ترابي مركزي جهوي رافع.
يذكر أن صاحب مؤلَّف “الأرشيف والأرشفة في المغرب”، الذي ارتينا له هذه الورقة المتواضعة من باب تهنئة وتثمين فضلا عن تقاسم معلومة مع قراء باحثين ومهتمين داخل البلاد وخارجها، هو اطار بمؤسسة أرشيف المغرب بالرباط، وأن ما جاء في إصداره الجديد من عميق عرض ومقاربة وتحقيب وتحليل .. حول أرشيف المغرب، هو نتاج بيئة اشتغال جامعة بين معرفة وخبرة وتجربة. مع أهمية الاشارة لِما بحوزة صاحبنا من رصيد تأليف ومكتسب خبرة دولية واسهامات في حقل الثقافة والتراث والعمارة وتاريخ وحضارة المغرب، ناهيك عن مساحة مقالات وتأطير وتكوين وتنوير حول الأرشيف وحول تجربة المغرب في هذا الشأن، عبر ندوات علمية عدة ومواعيد ولقاءات إعلامية، فضلا عن كونه باحثا متميزا حاصلا على شهادة دكتوراه في موضوع خصصه لمدينة الرباط، وقد تمحور حول مدارس التعمير العصري تحت نظام الحماية الفرنسية بالمغرب. ويبقى ختاما مؤلَّف “الأرشيف والارشفة في المغرب”، بقدر ما تأسس عليه من نهج بحثي ومادة علمية معظمها باللغة الفرنسية عن مدارس وباحثين أجانب متخصصين. بقدر ما سجل من أسئلة مفتوحة حول أرشيف المغرب وما ينبغي من جدل وإغناء والتفات رافع لجعله بما ينبغي من فعل وأفق منشود في التنمية. وعليه، فما توزع عليه من مضان وقضية بحث ورصانة فحص فضلا عن شجاعة أدبية، جعله بسبق لشأن لم يكتب عنه الا قلِيلُ قلِيلٍ خجولٍ مما جاء عرَضاً حتى لا نقول لا شيء. ومن هنا ما أسهم به الأستاذ خالد عيش على مستوى تأصيل موضوع أرشيف المغرب، وقد ابان عن عمق تجربة عملية وخبرة، ومن ثمة ما يحسب له من اضافة ملأت بياضاً حقيقيا، بتوفيرها نصاً أكاديمياً بقيمة عالية لفائدة خزانة البلاد البحثية العلمية من جهة، وللبحث والباحثين وعموم قراء ومهتمين بحقل الأرشيف والأرشفة من جهة أخرى.
رئيس مركز ابن بري للأبحاث وحماية التراث
