تازة بريس
عبد السلام انويكًة
وَرَدَ على قبيلة اكًزناية شمال إقليم تازة في أواخر سنة 1954، وقد حصل لقاء أولي بينه وبين بعض أبناء القبيلة من الوطنيين من قبيل الحاج عبد السلام حدو، عمر أبرقي، الحسن الزكريتي، الحاج بوعياد..، وغيرهم ممن كانوا محليا خلال هذه الفترة الحرجة من زمن مغرب الحماية، بدور في تحسيسي بالمؤامرات الاستعمارية الفرنسية إثر نفي السلطان محمد بن يوسف. وحصل أن ظل هؤلاء الكًزنائيين في اتصال به بكل من مليلية والناظور، وهو ما عمق الثقة بينه وبينهم ومن ثمة التفكير في خلق مقاومة باسم رجال التحرير بالمنطقة، اعتمادا بداية على ما وفره لهم سرا من سلاح ووزعه عليهم عبر دفعات، لتبدأ عمليات التدريب عليه بتوجيه منه هنا وهناك بتراب القبيلة. التي وجد ضالته فيها لما لمسه فيها من استعداد لمقاومة المستعمر، وما انخرطت فيه من تكوين لخلاياها بمداشرها، فضلا طبيعة مجالها ومناعة تضاريسها ومسالكها، وانفتاحها على منطقة الاحتلال الاسباني بشمال المغرب (المنطقة الخليفية)، ناهيك عما وجده لديها من تجربة ميدانية وخبرة حربية سابقة، إثر اندلاع الثورة الريفية مطلع عشرينات القرن الماضي، عندما شكلت القبيلة قاعدة خلفية داعمة لها في مواجهة الإسبان بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي (معركة انوال).
ذلكم هو الشهيد عباس المساعدي الذي أنشأ جيش التحرير المغربي بالناظور في مارس 1955، بمعية عبد الله الصنهاجي وصفي الدين وسعيد بونعيلات والحسين برادة. بحيث منذ هذا التاريخ والاتصالات جارية لتعبئة قبيلة اكًزناية، استعدادا لانطلاق عمليات جيش التحرير ضد المستعمر الفرنسي من أجل الاستقلال. ويذكر عبد السلام الذهبي فيما كتبه حول المقاومة وجيش التحرير، أن أول لقاء له بعباس المساعدي كان في منطقة “ثلاثاء ازلاف” وقد كانت بيده رشاشة، وأنه ذهب رفقته الى الناظور للقاء عبد الله الصنهاجي، قبل بدإ عملية تدريب المتطوعين على حرب العصابات في مركز خاص تحت اشرافه. ولعل المساعدي نسبة لأسرة الولي الصالح الشهير ب”سيدي مسعاد” بمنطقة تازارين قبيلة آيت عطا دائرة زاكورة مسقط رأسه سنة 1919، وأن اسم عباس الذي اشتهر به إسم سري ارتبط بميدان المقاومة ومركز جيش التحرير. وورد أنه انتقل من بلدته بجنوب البلاد الى منطقة مولاي بوعزة ناحية والمالس حيث كان والده فقيها بها، ومنها التحق بالدار البيضاء ليبدأ نشاطه الوطني في الكفاح النقابي والسياسي، وبها بدأ سنة 1953 تأسيس خلايا المقاومة السرية رفقة عدد من الوطنيين، قبل القاء القبض عليه والحكم عليه بسنة سجنا نافذا. ليلتحق بعد ذلك بالقيادة الرابعة للمقاومة السرية بنفس المدينة، عملا بوصية الشهيد محمد الزرقطوني قناعة منه بما كان يتميز به من ثبات وصبر وكثمان سر مهما كانت الظروف. هذا قبل رحيله صوب تطوان مطلع سنة 1955 اسوة بعدد من المقاومين البارزين خوفا من اعتقال المستعمر الفرنسي لهم بعد اكتشاف أمرهم. وخلال صيف نفس السنة التحق بمركز جيش التحرير وقيادته في الناظور، حيث كلف بتنظيم فرق جيش التحرير في المناطق التي كانت بمنطقة النفوذ الفرنسي، وقد ابان عن قدرة عالية لخبرته الواسعة في التدريب على حرب العصابات. وضمن عمله الميداني أوردت مذكرات أحد قادة جيش التحرير بقبيلة اكًزناية، أن الذي تولى تقسيم السلاح بالمكان المسمى”الهرهار” حيث تماس المنطقتين الاسبانية والفرنسية بالمغرب آنذاك هو عباس المساعدي، وهو السلاح الذي تم به الهجوم على مركز بورد ثم تيزي وسلي إثر انطلاق عمليات جيش التحرير بالمنطقة.
ولعل من المهم عند كل حديث عن مغرب الاستقلال حيث خمسينات القرن الماضي، استحضار جيش التحرير الفكرة والنواة والتأسيس والاتصال والسلاح والأمكنة والتدريب والخلايا والبطولات، فضلا عن رجال أطروا ملحمته هنا وهناك من قبيل ما حصل بتراب قبيلة اكًزناية شمال تازة إثر انطلاق عملياته خريف سنة 1955. ومن ثمة ما كان من تضحيات وبصمة قادة يصعب القفز عنها. ذلك أنه ليس سهلا ولا موضوعيا تتبع ما حصل بربوع قبيلة كًزناية حيث “مثلث الموت”، دون تتبع اسهامات قادة ميدانيين كانوا بما كانوا عليه من أدوار تاريخية. وعليه، فإن كتابة تاريخ المنطقة الوطني واغناءه مع كل جديد مذكرات وأرشيف، يقتضي توجيه العناية فيه فضلا عن سبل ثقافة انتفاض ضد المستعمر ووعي جماعة ووحدة رؤية وطنية وبيئة داعمة وغيرها، استحضار من كان بأثر في تعبئة واستقطاب وتدريب ورعاية ومواكبة حرصا المنشود، من قبيل عباس المساعدي الذي يعد واحدا من ثلة من صنعوا ملحمة جيش التحرير بمنطقة اكًزناية، وعمليات هجوماته ليلة 2 أكتوبر 1955 بكل من مركز بورد وتزي وسلي وأكنول، متفقدا جبهات قتال وسير عمليات موجها محفزا على ثبات مقاومة المستعمر. مسجلا مع رجال المقاومة بقبيلة كًزناية ملحمة وطنية، كتبت بدماء شهداء وبطولات باتت ذاكرة وطن للأجيال. تكفي الاشارة الى أن المستعمر الفرنسي حشد 40 ألف جندي لمواجهة جيش التحرير بالمنطقة، معتمدا مدافع ثقيلة واسلحة حديثة وطيران حربي، مقابل 4 آلاف مجاهد في مثلث جامع بين ثلاث مراكز صغيرة آنذاك، حيث حاصر جيش التحرير قيادات المستعمر بها مسيطرا على مداخلها لدرجة لم يبق له سوى الطائرات والاتصال اللاسلكي. علما أن ما سجل من قوة مقاومة غير مسبوقة في المنطقة/ مثلث الموت، ارتبطت بقادة محليين اكًزنائيين عارفين بجغرافيتها وجبالها وشعابها. وأنه بعد انطلاق عمليات جيش التحرير بها، أصدرت قيادته (عباس المساعدي..) منشورا في 3 أكتوبر1955 أديع عبر صوت العرب باذاعة القاهرة، أعلنت فيه الثورة في سائر نواحي البلاد مشيره أن معارك جيش التحرير ضد المستعمر، خلفت عددا لا يحصى من القتلى في صفوفه وأن مراكزه ظلت محاصرة رغم تدخل طيرانه الحربي، مضيفا أن طرق المواصلات قطعت تماما عنه وأن قيادة جيش التحرير من خلال منشورها تروم اهداف ثلاثة، رجوع السلطان محمد الخامس لعاصمة ملكه الرباط، الاستقلال التام للمغرب، ثم تحرير السيادة الجزائرية.
من جملة ما حصل لـ”عباس المساعدي” بعد انطلاق عمليات جيش التحرير بقبيلة اكًزناية، وما تم تحقيقه ميدانيا ومن خلاله سياسيا بإرغام المستعمر على مفاوضات من اجل استقلال المغرب. ما ارتبط تحديدا باجتماع في أكنول خلال شهر يونيو 1956، حضره المهدي بنبركة رفقة مسؤولين عن حزب الاستقلال جاؤوا لملاقاة أعضاء جيش التحرير بالمنطقة، بعدما توصلوا بدعوة قبل اكتشافهم أنها مزورة، وكان الهدف اقناعهم بالانفصال عن قيادتهم والالتحاق بحزب الاستقلال. قبل مفاجأة المساعدي للاجتماع بدخوله عليه، بعدما كان في مهمة مرافقة عناصر عن جيش التحرير لتقديم الولاء للسلطان محمد الخامس بالرباط. بحيث خاطب الحضور بلهجة عنيفة قائلا: “مكانكم .. ليس هنا (مخاطبا المهدي بن بركة) لو لم استحي من مرافقك لقضيت عليك.. حينما دعوناكم للمشاركة في المقاومة المسلحة سنة 1954، رفضتهم ذلك.. والآن ما سبب وجودكم هنا”. هذا قبل انتهاء الاجتماع وتفرق جمعه في جو مشحون، وقبل التحاق المساعدي بمركز بورد لعقد اجتماع حضره عدد من قادة جيش التحرير الميدانيين، مقدما لهم وصايا وتوجيهات تنظيمية مشيرا في كلمته أنه متابع من طرف عناصر حزبية تتربص به للقضاء عليه. وفعلا كان آخر لقاء له برفاق دربه بقبيلة اكزناية ومثلث الموت، الى أن ورد خبر اغتياله بفاس شهر يوليوز 1956. علما أنه منذ أواسط الشهر المذكور من نفس السنة شهدت منطقة اكًزناية بعض التغيرات، ذلك أن عامل إقليم تازة “الخياري” بدأ يتواصل مباشرة مع قادة جيش التحرير بها، ما يعني أن السلطات كانت تعمل للقفز على قائدهم الأعلى “عباس المساعدي”. وعلى إثر حادث الاغتيال ولمكانة هذا الأخير وباعتباره قائدا مباشرا في جيش التحرير، أمر السلطان محمد الخامس بتكوين لجنة تحت إشراف ولي العهد آنذاك الحسن الثاني، وعضوية وزير الداخلية ومدير الأمن الوطني وعامل الرباط انذاك. وقد حلت بفاس لكشف ملابسات اختطافه واغتياله، قبل زيارتها في اطار تحرياتها لتاونات وعين عيشة وتازة ثم اكنول وبورد وتيزي وسلي. قبل إعلان العثور عليه مدفونا بمركز عين عيشة بعد اغتياله رميا بالرصاص، واعادة دفنه في مقبرة أبي بكر بن العربي بمدينة فاس.
يذكر أنه بعد حادث اغتيال المساعدي بحوالي السنتين، حصل في 2 أكتوبر 1958 أن تم جمع رفاة الشهداء وعلى رأسهم هذا الأخير الذي اخرج من قبره بفاس من قبل جماعة من المقاومين وأعضاء جيش التحرير، على رأسهم عبد الكريم الخطيب وعبد الله الصنهاجي وغيرهم. وعند الوصول الى مركز اجدير تم اخراج جثة المساعدي ودفنها بمقبرة الشهداء هناك، بحضور المهدي الصقلي العامل الملحق بوزارة الداخلية والغالي العراقي عامل إقليم فاس ثم الكاتب العام لعمالة تازة. وكان أن حضر عملية إعادة الدفن أيضا عدد كبير من المقاومين من كل القبائل، والكل يثني على ما كان عليه من ايمان وصبر. وفي هذه الظروف خطب المهدي الصقلي مستنكرا نقل الجثة من فاس الى اجدير، قبل أن يرد عليه رجال المقاومة بالصياح والتوبيخ. حيث تم القاء القبض على بعضهم ومنهم عبد الكريم الخطيب ورحلوهم الى سجن عين قادوس بفاس. وهو ما ترتب عنه لجوء المقاومين الى الجبال مهددين بالثورة ثانية انما هذه المرة ضد الحكومة المكونة من حزب الاستقلال. هذا قبل أن يتدخل عامل إقليم تازة آنذاك” المدبوح” ويستمع لهؤلاء، وقبل تكوين وفد منهم استقبله السلطان محمد الخامس بالرباط، وقد وعدهم بنصافهم ومنحهم حقوقهم جزاء على جهدهم وتضحياتهم وعملهم الوطني.
في هذه الظرفية الوطنية من زمن مغرب الاستقلال، ورد في مذكرات أحد أعضاء اليسار المغربي من أبناء تازة عن فترة ستينات وسبعينات القرن الماضي، أن بعض مناضلي حزب الاستقلال كانوا يقومون بممارسات عدوانية ضد من يختلف معهم في الرأي. مشيرا أنه بعد استقلال البلاد تمت تصفية بعض الوطنيين بدعوى تعاونهم مع الاستعمار، وأنه كان ضحية هذه الممارسات عدد من الوطنيين والمواطنين، وأنه في هذه الأجواء تم اغتيال المساعدي في 27 يوليوز1958. لافتا لما كان يطبعه من نزاهة، مضيفا أن صورته عالقة في ذهنه عندما صادفه في تازة قبل يوم اغتياله وهو خارج من احدى حمامات المدينة (حمام الباشا ربما؟). مشيرا الى أنه خلال هذه الفترة كان مبتعدا عن حزب الاستقلال معارضا لأغلب قراراته في تدبير الشأن العام، وأن من مواقفه الخطيرة رفضه القاطع حل جيش التحرير تجنبا لخدمة الاستعمار وتجنبا لتوقف دعم الثورة الجزائرية، مضيفا حول جريمة اغتياله ما هناك من تعدد روايات. وقد اضربت مدينة تازة حدادا على اغتيال قائد جيش التحرير عباس المساعدي، حيث اجتمع الناس بالمسجد الأعظم وقاموا بتلاوة سور من الذكر الحكيم ذاكرين اللطيف قبل صلاة الغائب عليه. حيث ألقى السيد بن قليلو كلمة بالمناسبة عن الشهيد فضلا عن أخرى للسيد عبد القادر مهدي، وكان الناس في حالة تأثر بالغ وحزن شديد.
رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث
