تازة بريس
يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا… وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب… ولو نطق الزمان بنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب… ويأكل بعضنا بعضاً عيانا
فدنيانا التصنع والترائي… ونحن بها نخادع من يرانا
هذه الأبيات الخالدة التي نطق بها إمام الأئمة منذ أكثر من اثني عشر قرناً، كأنما كتبت لأجلنا نحن المحامين اليوم، وكأنها مرآة تعكس واقعنا الراهن، وتفضح هفواتنا وتناقضاتنا، وتدعونا إلى وقفة صادقة مع الذات قبل أن نلقي باللوم على الزمان أو على الآخرين. إنها حكمة خالدة تذكرنا بأن العيب فينا نحن لا في غيرنا، وأن محاسبة النفس هي البداية الحقيقية لكل إصلاح.
إن أزمة المحاماة التي نعيشها اليوم ليست أزمة قوانين أو مؤسسات بقدر ما هي أزمة ضمير وأخلاق وتربية، تنبع من داخلنا نحن المحامين قبل أن تنبع من أي جهة خارجية. إنها أزمة تكوين الشخصية الإنسانية منذ الصغر، تلك الشخصية التي تُصنع في أحضان الأسرة وفي محيط المجتمع، قبل أن ترتدي ثوب المحاماة وتقف في قاعات العدل مدافعة عن حقوق الناس. فالمحاماة ليس مجرد مهنة يتعلم المرء قوانينها ونصوصها، بل هي رسالة إنسانية سامية تقوم على أسس أخلاقية راسخة، تحتاج إلى إعداد نفسي وروحي ومعرفي يبدأ منذ الطفولة ويستمر مدى الحياة.
لقد أصبح التكوين القانوني التقليدي اليوم موضع تساؤل وشك، لا سيما بعد أن ثبت القضاء صحة شهادات جامعية مزورة، وأصبح التكوين المهني ذاته محل ريبة في قدرته على إعداد محامٍ حقيقي قادر على حمل هذه الرسالة النبيلة. لكن المشكلة أعمق وأكثر جذرية من مجرد قصور في التكوين الأكاديمي أو المهني، فالمشكلة الحقيقية تكمن في التكوين الأخلاقي الأولي الذي يتلقاه الإنسان داخل أسرته، ذلك التكوين الذي يحدد ملامح شخصيته قبل أن يصبح محامياً، ويغرس فيه قيم الصبر والصدق والعفة والكرامة.
فالمحامي ابن أسرته ومنتج بيئته، ولا يمكن فصل شخصيته عن التربة التي نما فيها والأخلاق التي تشربها منذ نعومة أظفاره. إن الأسرة الكريمة التي تغرس في أبنائها حب الحق والخير، وتعوّدهم على الصبر وتحمل مشاق الحياة، وتربي فيهم الكرامة والإباء ورفض المذلة والانحناء للباطل، هي التي تنتج محامياً عظيماً، مهما كانت ظروفها المادية صعبة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الأسرة الغارقة في مستنقع الفساد وتعاطي المال الحرام والتجارة بالمخدرات والانحرافات الأخلاقية، مهما أوتيت من ثراء، لا يمكن أن تخرج محامياً أميناً نزيهاً، لأنها تعودت على التعامل بالباطل وأكل أموال الناس بالزور والبهتان.
إن حياة الفقر والعسر، حين تقترن بالكرامة والعفة، هي مدرسة قاسية لكنها مثمرة تصقل النفوس وتصنع الأبطال، وتعلم الإنسان الصبر على الشدائد وتحمل قسوة الأيام. كثير من المحامين العظماء الذين خلّدهم التاريخ نشأوا في ظروف عائلية قاسية، وعانوا الفقر والحرمان والمرارة في طفولتهم، لكن تلك التجارب القاسية كانت وقوداً لهم، وشحذت عزيمتهم وصقلت مواهبهم، وجعلت منهم محامين مرموقين، ثروتهم الأكبر ليست في العقارات والسيارات الفاخرة أو الأموال الطائلة، بل في تراكم تجاربهم الفكرية والعلمية والثقافية، وفي دفاعهم المستميت عن الضعفاء والمضطهدين والمغلوبين على أمرهم.
إن التاريخ الإنساني مليء بالأمثلة المشرقة للمحامين الذين تحدوا الصعاب، ورفعوا راية الحق والعدل، وضحّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل قضايا شعوبهم ومبادئهم. فالمحامي المصري الكبير سعد زغلول، الذي قاد ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني، لم يكن مجرد محامٍ بارع، بل كان رمزاً للصلابة الوطنية والذكاء القانوني والقدرة على حشد الجماهير، وتحمل النفي والاعتقال وأبى أن يركع للمستعمر أو ينحني لسلطة الخديوي، حتى قال لحاكم مصر آنذاك: “إن كنت تريد مقابلتي فعليك أن تأتي أنت إلى مكتبي”. وهكذا كان المحامي الهندي العظيم ماهاتما غاندي، الذي قاوم الاستعمار البريطاني بسلاح المقاطعة والصبر واللاعنف، مفضلاً شرب حليب الماعز على شراء البضائع البريطانية، مجسداً نموذجاً نادراً في التضحية والاستقامة. ولم يكن المحامي الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا بأقل منه، فقد قضى ستة وعشرين عاماً في سجون النظام العنصري، ولم يرضخ، ورفض ملايين الدولارات التي عرضت عليه تعويضاً عن سنوات معاناته، قائلاً إن قبوله لهذا التعويض سيجعله “مرتزقاً” بدلاً من كونه مناضلاً حقوقياً. وفي سياق مشرق آخر، يعيدنا التاريخ إلى المحامي المصري “رجائي عطية” نقيب المحامين الأسبق، الذي نشأ في أسرة شديدة الفقر، وعانى الحرمان وقسوة العيش، لكنه ثابر واجتهد حتى أصبح واحداً من ألمع المحامين والمفكرين القانونيين في العالم العربي، وقاد حملة واسعة ضد المحامين الفاسدين الذين يدنسون المهنة بتصرفاتهم الدنيئة.
وكما قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري، أحد أبرز أساطين القانون في العصر الحديث: “المحاماة فن قبل أن تكون مهنة، وليس المحامون جميعهم محامين بالضرورة. ليس عمل المحامي فقط معرفة القانون، فالكثير يعرفون النصوص حتى من غير المحامين، لكن حقيقة دور المحامي تكمن في دراسة الوقائع كما يدرس القانون، والنظر في كيفية انطباق هذه الوقائع على نصوص القانون. المحاماة فن الحجة والجدل والبرهان والإقناع، فقد كان رواد الفلسفة محامين بما يمتلكون من حجج ولغة عالية ونظرة ثاقبة، وكثير من الشعراء كانوا محامين بما يمتلكون من أدوات اللغة والبلاغة والفطنة. فليس عمل المحامي الفصل في النزاع، إنما ذلك عمل القاضي”.
وهنا يوجه السنهوري لنا درساً قاسياً حين يقول: “ليس من عمل المحامين قلب الثوابت أو تزييف الحقائق، فلا تشعر بالفخر عندما توزع الرشاوى لكسب القضايا، لأنك بذلك أصبحت مجرماً بسبب مجرم، فأنت إذن مثله، لأنك تخسر ذاتك لتربح قضية، فالقضية رابحة وستكون أنت الخاسر. أن تسرق حقوق زملائك المحامين أو أن تنافسهم بطرق غير مشروعة فهذا أقرب للدناءة وأبعد ما يكون عن الأخلاق الرفيعة التي هي أساس مهنتك. لا تكذب ولا تعطي الوعود، فأنت لست صاحب قرار ولست مسؤولاً عن النتائج، وقبل ذلك كله كن إنساناً لتكون محامياً، ولا تكسب دعوى وتخسر نفسك”.
وهنا نتساءل بحقٍّ: أي محامٍ نحن؟ وماذا بقي من ملامح هذه المهنة العظيمة في واقعنا اليوم؟ لقد أصبحت بعض الممارسات المشينة شائعة ومألوفة، فأصبحنا نسمع عن محامٍ يخون الأمانة ويستحوذ على ودائع موكله، وآخر يسرق ملفات زملائه وودائعهم المالية، وثالث ينوب ضد زميله دون إشعاره مخالفاً بذلك الأنظمة والقوانين. وترون من لا يبادر بتحية زميله القيدوم الذي سبقه إلى المهنة بخمسين عاماً، ومن يستعمل القوة والعنف والترهيب لجمع الأصوات للفوز في انتخابات مجالس الهيئات، متناسياً أن كرامة المهنة فوق كل اعتبار، وأن المنصب ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة لخدمة الزملاء والمهنة. وهل ننسى المحامين الذين يتركون جواهر العدالة ودرر الحق، ليدخلوا في متاهات الفساد والمحسوبية، ويجعلوا من صندوق الودائع “بقرة حلوباً”، يتصارعون على الإشراف عليها بشراهة لا تليق برسالة المحاماة؟
هذه الهفوات والثغرات والعيوب كلها تفرض علينا وقفة جادة، وتستدعي مراجعة شاملة لقانون مهنة المحاماة، وفرض الوكالة الإجبارية التي تحمي حقوق المحامين، وإحداث مجلس وطني لهيئات المحامين على غرار المجلس الوطني لهيئات المحامين في فرنسا، ليكون مرجعية مهنية وأخلاقية جامعة، ولوضع حد للصراعات العقيمة التي لا تخدم إلا الفاسدين والمتاجرين بالمهنة.
إن الحل الحقيقي يبدأ من كل محامٍ منا، بمراجعة ذاته ومحاسبتها، والاعتراف بالأخطاء قبل أن نلوم الآخرين، كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسكم قبل أن تُوزَنوا، وتأهَّبوا للعرض الأكبر”. فالاعتراف بالخطأ فضيلة، وهو أفضل من إلقاء اللوم على الآخرين، وهو علامة على تحمُّل المسؤولية، وهو أولى الخطوات إلى النجاح بدلاً من أن نعيب الزمان ونلعن الظلام.
أيها المحامون، إن مهنتنا أمانة في أعناقنا، ورسالة سامية لا تقبل الانتقاص أو التدنيس، وهي ليست وسيلة لجمع المال والثراء، بل هي وسيلة لإحقاق الحق ونصرة المظلومين والدفاع عن قيم العدل والكرامة الإنسانية. إن الذين سبقونا إلى هذه المهنة العظيمة ضحّوا بكل غالٍ ونفيس في سبيل مبادئهم، ولم تكن همتهم منصبة على كراسي المسؤولية أو جمع الثروات، بل كانت همتهم عالية تسمو إلى آفاق العدالة والحق، فكانوا بحق نماذج مشرقة يحتذى بها.
فلنستمد قوتنا من تجاربنا، ولنمنح أنفسنا الأمل مهما اشتدت الصعاب، ولنتذكر أن الحياة الصعبة ليست عائقاً بل مدرسة قاسية تصقل النفوس وتصنع الأبطال، وليكن شعارنا دائماً أن نكون محامين قبل أن ندعي المحاماة، وأن نحمل مشعل الحق والعدل عالياً، لا أن نكون سبباً في إطفائه، وأن نعمل على إصلاح ما يمكن إصلاحه في أنفسنا وفي مهنتنا، بدلاً من إضاعة الوقت في لعن الظلام واللوم على الآخرين. فالمحامي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يواجه نفسه أولاً، ويصلحها، ثم يخرج ليواجه العالم، مدافعاً عن الحق، مؤمناً بعدالة قضيته، شامخ الرأس بكرامة مهنته التي اختارها عن قناعة ووعي، لا عن طمع أو رغبة في الشهرة والثراء.
- ذ. حسوني قدور بن موسى – المحامي بهيئة وجدة – جريدة ريسبريس
