مستشفى ابن باجة بتازة يستقبل بعثة طبية صينية جديدة ويودع أخرى

تازة بريس29 أكتوبر 2026آخر تحديث : الخميس 29 أكتوبر 2026 - 5:35 مساءً
مستشفى ابن باجة بتازة يستقبل بعثة طبية صينية جديدة ويودع أخرى

عبد السلام انويكًة

حفل رسمي احتضنه المستشفى الإقليمي ابن باجة بتازة أمس الأربعاء 28 أكتوبر الجاري، احتفاء وتكريما للبعثة الطبية الصينية التي انتهت مهامها بتازة التي استقبلت بعثة جديدة. والاحتفاء بالبعثة المغادرة جاء عرفانا وتقديراً لها لِما قدمته من خدمات طبية طيلة السنتين من اقامتها بالمدينة، ولجهودها ايضا في تعزيز التعاون الطبي المغربي الصيني الذي يمتد لأكثر من أربعة عقود من الزمن، تعمق فيها وتجسد بُعد الشراكة ومجال التعاون الاجتماعي بين البلدين.

مناسبة من المفيد الإشارة فيها الى أن الصين التي بهذا التعاون مع المغرب وبهذه البعثة الطبية بتازة، انحازت زمن الحرب الباردة للمعسكر الشيوعي بعد حرب عالمية ثانية طاحنة، توزع على إثرها العالم الى معسكرين ليبرالي ثم شيوعي، منذ نهاية أربعينات القرن الماضي حتى بداية تسعيناته، قبل انفصالها عنه نهاية ستينياته وبداية سبعيناته، بمليها لدول العالم الثالث وانفتاحها على قضاياه كخيار استراتيجي. فترة عصيبة طبعها ما طبعها من خلاف وتقاطب ايديولوجي، فضلا عن تباين سبل تنافس ونهج تدبير وتنزيل لأجندات، منها ما ارتبط بمساعدات اختلط نبلها بخلفيات سياسية وأهداف هذا الطرف وذاك.

وإذا كان الاتحاد السوفياتي آنذاك، قد جعل من دول ذات أنظمة ومرجعية اشتراكية، وجهة لمساعداته وفق ما كان ينشده حول بناء تجمع اقتصادي ودائرة خاصة. نجد بالمقابل الولايات المتحدة الأمريكية التي توجه تركيزها ودعمها لدول كانت بجانبها بشكل أو بآخر فيما خاضته من حرب باردة، وهو السياق الذي لايزال قائما يحكم علاقاتها في اطار ما يضمن هيمنتها العسكرية. وخلافاً لهذين النموذجين حول آليات تقديم مساعدتهما اختارت الصين الشعبية سبيلا آخر، من خلال مؤازرتها لدول ضعيفة حديثة الاستقلال بالقارة الأسيوية وأمريكا الجنوبية وافريقيا، رغم ما كانت عليه من مشاكل اجتماعية ومحدودية موارد.

وكان مؤتمر”باندونغ” لعدم الانحياز عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين، مناسبة تاريخية لإعلان الصين عن خيارها في الوقوف الى جانب دول العالم الثالث، ودعمها عبر مساعدات بعيداً عن أية خلفية سياسية. وعليه، تنزيلاً لورشها الاستراتيجي بافريقيا منذ ستينات القرن الماضي، كلفت حكوماتها المحلية بتقديم مساعدات طبية لبلد معين ومحدد من بلدان القارة. وهكذا تم تكليف مقاطعة “هوباي” بمساعدة الجزائر ومقاطعة “شان سي” بمساعدة السودان، ثم مقاطعة “شنغهاي” بمساعدة المغرب الذي حلت بعدد من مدنه بعثات طبية صينية منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، خدمة لِما هو انساني انسجاماً مع ما طبع علاقة المغرب والصين من تفاعل وصداقة تعود لفترة الخمسينات. وهكذا ايضا كانت بداية ورش تعاون طبي صيني مغربي قبل أزيد من أربعة عقود من الزمن، حيث استقبلت بعثات طبية صينية بمدن: المحمدية وسطات والحسيمة، ثم شفشاون ومكناس وسطات وبنجرير والراشيدية وأكًادير وآسفي ومراكش وأزيلال وبوعرفة وفكيك وطاطا وتازة.

ولعل ما حصل من تواجد طبي صيني ولا يزال بالمغرب، ارتبط بزيارة قام بها وزير خارجيته آنذاك أحمد العراقي الى بكين ربيع 1975، محطة تكللت بعقد اتفاقية تعاون اعتبرت الأولى من نوعها بين البلدين، وهي التي امتدت حتى أواسط تسعينات القرن الماضي لتنفتح على أفق تعاون ثنائي ورهان ورش، شمل مجالات أخرى فضلاً عما هو طبي انساني. ولعل ما خلفته البعثة الطبية الصينية بالمغرب من انطباع جيد، كان حافزاً للبلدين المغرب والصين على توقيع بروتوكول ثانٍ بالرباط خريف سنة 1979 لتقوية تعاونهما. وكان ما هو طبي قد شكل واجهة بقدر كبير من الأهمية لتعاون ثنائي، عبر بعثات طبية دأبت دولة الصين على ارسالها بانتظام للمغرب. بناء على ما جمعهما منذ سبعينات القرن الماضي من بروتوكولات، تعززت إثر زيارة ملكية رسمية للصين قبل حوالي عقدين من الزمن، حيث تم توسيع مجال التعاون ليشمل التطبيب والعلاج والأدوية ما هو تكوين وتأطير وتبادل خبرات بحثية وتقنيات متطورة، تخص الجراحة الدقيقة وأمراض المسالك البولية وجراحة الأعصاب وطب المستعجلات وغيرها، فضلاً عن استراتيجية تكوين في مجالات العلاج باعتماد تقنية الوخز بالإبر وغيرها.

ورش تعاوني طبي بين المغرب والصين، توزع ولا يزال على مدن عدة مغربية من خلال بعثات صينية، يسجل أن التي منها بمستشفى ابن باجة بتازة عن حكومة “شنغاي” هي بحضور لأزيد من أربعة عقود من الزمن ، ولفترة تعكس روح صداقة وتعاون سمحت بخدمات طبية علاجية صينية لآلاف المرضى عن الوسطين القروي والحضري، فضلاً عما طبع تدخلات أطباء هذه البعثات الى جانب زملاءهم المغاربة، من خبرة ومهنية ومهارات وقيم انسانية وتفان في العمل. واذا كانت هذه البعثات التي تتجدد كل سنتين بحكم ما يؤطرها من قانون، هي بانطباع ايجابي لِما يحاط بها من ثقة ويطبعها من تواضع وشعور بمسؤولية. فهي ايضا ذاكرة بدور هام في تعزيز العلاقات الانسانية وتقوية صداقة الشعبين، رغم ما يفصل بينهما من مسافة وتباين لغتهما وثقافتهما، كمعطى كثيراً ما يتم استحضاره في كل مناسبة من قِبل مسؤولين مغاربة وصينيين سفراء ودبلوماسيين وغيرهم، لجعل التجربة أداة لتقوية ما يجمع البلدان منذ عقود ودفعه لِما هو أفضل.
ويذكر أرشيف التعاون المغربي الصيني، أن المغرب استقبل منذ سبعينات القرن الماضي عشرات الأطقم الطبية بما يقترب ألفي طبيب متطوع أسهموا جميعهم بملايين الفحوصات وآلاف العمليات الجراحية. واذا كانت تجربة الصين الطبية بالمغرب قد أحيطت بعناية معبرة داعمة منذ بدايتها وبالتالي ما يسجل لبعثاتها من عمل جيد، فلا شك أن هذا الورش والرهان بحاجة لمزيد من الدعم والحضن لتجاوز ما يؤثر على ايقاع خدماته لبلوغ المنشود من الأهداف. ولعل ما يمكن الحديث عنه في هذا الاطار، فضلاً عما هو بيئي طبيعي يخص ما يسجل من درجة حرارة قياسية خلال فترة الصيف، واختلاف نمطي العيش بين “شنغاي” و “تازة”، هناك ما يتعلق بأجواء العمل وما هناك صعوبات تخص اللغة مثلاَ. فإذا كان تكوين هؤلاء هو بلغتهم الأصل، فإن إتقانهم للإنجليزية لا يسهل تواصلهم مع طاقم طبي وشبه طبي مغربي يتقن الفرنسية، ورغم ما يبذلونه من جهد للحديث بالفرنسية، فالمرضى في غالبيتهم لا يتقنون هذه اللغة. وإذا تجاوزنا هذا الإشكال التواصلي، نجد ما يطرحه التجهيز الطبي من صعاب من أجل تدخلات تهم حالات مستعجلة واسعافات أولية، ضمن طاقة استشفائية مستوعبة.
ويتحدث بروتوكل البلدين الذي يؤطر عمل هذه البعثات الطبية، عن التزام هذه الأخيرة بأداء مهمتها بما يتماشى وبنيات ادارة وأنشطة قطاع الصحة بالمغرب، كذا أداء خدماتها في اطار مندمج بين عمل بمكان قار وآخر ضمن حملات طبية خارجه، مع توفير الصين لمعدات العلاج بواسطة الوخز بالابر، واحترام فريق الصين الطبي لقوانين البلاد وتقاليد وعادات شعبها. بالمقابل يلتزم المغرب بتوفير تجهيزات ومعدات طبية وأدوية كذا نفقات عودة هذه البعثة الى الصين وتنقلها داخل المغرب، فضلاً عن توفير سكنها ولوازم اقامتها كذا مساهمة جزافية شهرية لأعضائها طيلة مدة خدمتها مع سماح بحويل ثلاثين بالمائة منها، هذا الى جانب تحمله ضرائب واعفاء أدوات عمل البعثة واغراضها الشخصية منها، مع استفادتها من أيام عطلة وأخرى سنوية متفق عليها بين الدولتين.

وعن الثقافي بين الشعبين، قبل التعاون الطبي بينهما منذ أزيد من أربعة عقود، نجد السياسيين الصينيين الدبلوماسيين خاصة، لا يترددون في كل مناسبة عن ذكر ما قام به الرحالة المغربي بن بطوطة، من انجاز غير مسبوق وما أورده في نص رحلته التي ترجمت للصينية حول الشعب الصيني الذي يحظى لديه بمكانة خاصة. فضلاً عما تبذله الصين من جهود تواصل عبر توسيع تعليم اللغة العربية، بأنشائها لتسع مؤسسات بالعالم العربي لهذا الغرض واحدة منها بالمغرب، عملاً برأي الفيلسوف الصيني”لوتسو” الذي يقول بكون معرفة الآخرين حكمة. ويسجل حول تعميق العلاقات الثقافية بين الصين والمغرب، أن بداية توجه الطلبة من اجل الدراسة بينهما تعود لنهاية ثمانينات القرن الماضي، فضلاً عن تنظيم أول معرض لخزف الصين بالمغرب في بداية تسعيناته. وفي أفق ورش البلدين رهان فتح مراكز ثقافية كذا مقترح جامعة صينية افريقية بالمغرب لإشاعة ما ينبغي من فكر وثقافة.

وبتازة التي تستضيف بعثة طبية صينية منذ عقود، من احالات الصين الرمزية بها فضلاً عن مستوصف شهير بعمل هذه البعثة، نجد ما يرتبط بزمن الحماية الفرنسية تحديدا فترة الحرب العالمية الثانية، من خلال من كان من ابناء تازة وباديتها ضمن جيش فرنسي بالهند الصينية. مع أهمية ما ترتب اثر ذلك من امتداد ثقافي بل وأسري. علما أن من هؤلاء من استقر هناك ومنهم من عاد بأسرة كونها هناك، وعليه، ثمة شواهد ومشترك ومزي تجدد مع تعاون وبعثات طبية كانت خيطا ناظما لتعميقه واستمراريته منذ عقود. ولعل من زمن تازة ما يحيل على ما هو صيني كتسميات لا غير، بحيث نجد أعلام تازية حملت اسم “الصيني” من قبيل محمد بن عبد الرحمن الصيني التازي، الشيخ الذي وصفته نصوص مصدرية مغربية بسر زمان وآية عرفان، العالم المحدث الصوفي المفسر والفقيه الجليل، توفي رحمه الله سنة  1115 هجرية ودفن بتازة. وهناك ابنه عبد القادر الصيني التازي الفقيه العالم الذي كان بصيت كبير، وقد عاش بتازة وتوفي ودفن بها عام 1149 هجرية.

يبقى تثمينا لِما هناك من تعاون مغربي صيني عبر تجربة البعثات الطبية كالتي تقيم بتازة منذ عدة عقود، أن ما هو كائن من تعاون يشكل مساحة انسانية وشكلا من أشكال التضامن والتقارب بين الشعبين الصديقين، وما تجمعهما من ذاكرة تاريخية غنية تستحق حضناً أكثر، من أجل استثمار ما هناك من ارث رمزي وتقارب خدمة لما هناك من تطلعات ومشترك بين الشعبين ومن ثمة للسلم والسلام العالميين.

Capture 22 - تازة بريس - Tazapress

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق