عبد السلام انويكًة
يعد موقع “قبة السوق” بتازة العليا المدينة العتيقة، واحدا من أقدم وأبرز فضاءاتها الأثرية والتجارية التاريخية التي بتراث جامع بين ممرات مجاورة ومحلات متلاصقة ممتدة تعود لا شك لمغرب العصر الوسيط، خاصة فترة حكم المرينيين الذين اتخذوا المدينة عاصمة مؤقتة لهم في اول امرهم السياسي، وقد ظل المكان منذ هذا التاريخ مركزاً نابضاً لحرفيين وتجار ومتسوقين ..، وعليه ف”قبة السوق” بقدر ذاكرته الحضارية والانسانية التي لا تزال حية تصل ماض بحاضر، بقدر مكانته الوجدانية والاجتماعية لدى التازيين لِما تحتويه من رمزية هوياتية تاريخية، فهو من مفاخر انتماءهم لمدينة عريقة كانت بأدوار كبرى في ماضي البلاد على امتداد قرون. ناهيك عن كون المكان “قبة السوق” بالنسبة للأهالي هو ذاكرة جماعية تربط بماضي اجدادهم، حيث توارثت العائلات التازية بين سلف وخلف محلاتها وحرفها داخل هذا السوق ضمن فترات متلاحقة. ولعل المكان بالنسبة لتازة العتيقة، نقطة التقاء يومي بجمع بين سكان المدينة وزوارها من داخل البلاد وخارجها، وما يطبع هذا اللقاء من دفئ اجتماعي حيث روح محبة وتعارف وثقة وتعاون بين الجميع. واذا كان المكان هو مورد مئات العائلات التازية المالي المعيشي الرئيسي (تجار، خياطين، حرفيين..)، فهو أول وأقرب مقصد لقلوب الأهالي ووجهة ايضا لاقتناء البضاعة ذات الصنع المحلي من قبيل “الجلابة التازية” الأصيلة، الأقمشة، مستلزمات الأعياد والأعراس والمناسبات الدينية. فبهذا المكان كانت الخياطة التقليدية والبراشة وكان تفصيل وخياطة الألبسة المغربية العريقة والتي منها الجلابة التازية بنسجها الصوفي المتقن الشهير،
يذكر أن قبة السوق هو شريان المدينة القديمة، حيث النسيج العمراني التاريخي لتازة العليا وما هناك من ارتباط وانفتاح بين أزقة وممرات ضيقة في كل اتجاه (باب الزيتونة، الزاوية الجبشية، المشور، ساحة احراش، القطانين، الجامع الكبير، زنقة صب الماء والقلوع ..)، مع أهمية الإشارة لما يجاور قبة السوق من فنادق قديمة وحمامات ومدارس وزوايا .. الخ والتي منها من يعود لفترة العصر الوسيط. وقد تكون بداية نواة المكان تعود لفترة حكم دولة بني مرين قبل ان تشهد ما شهدته من تطور وتوسع وتنظيم معماري وهندسي لا حقا، إثر ما طبع المدينة من محطة استراحة للقوافل التجارية منذ العصر الوسيط والتي كانت تتخذ من ممر تازة مسلكا لها بين شرق البلاد وغربها. ويسجل ما لا يزال يحتويه فضاء ومركز قبة السوق بتازة من نمط معماري تقليدي جامع بين اقواس هنا وهناك فضلا عن أبواب داخلية شاهدة فاصلة، ناهيك عن سقوف خشبية وممرات مغطاة تحمي محلات التجارة والمتسوقين من عوامل المناخ، وهو أسلوب هندسي طبع المدينة الإسلامية الوسيطية وميز شكلها وتركيبها المجالي. إن قبة السوق بتازة يمثل بحق ذاكرة المدينة الحية من خلال ما كان ولا يزال من استمرارية حرف تقليدية متوارثة رغم ما يسجل من تراجع معبر، مثل صناعة وتجارة الجلابيب التازية، الخياطة التقليدية، والمنتجات الجلدية .. الخ.
حول “قبة السوق” ب تازة ولاستعادة وهجها ورد الاعتبار لها وإعادة إحيائها كمعلمة تاريخية واقتصادية نابضة، وفضلا عما حصل من تدخل وبرامج ومبادرات وجهود مشجعة بذلت من قبيل عملية التسقيف الخشبية الواسعة، نعتقد أن الأمر يتطلب تبني استراتيجية متكاملة تتجاوز ما هو مجرد تهيئة اسمنتية، إلى إعادة تأهيل شاملة للهوية الثقافية والاجتماعية للمكان، من خلال مثلا إدراج قبة السوق باعتباره موقعا تاريخيا رمزيا في مسارات المدينة ومدارها السياحي، تصنيف المكان كملتقى سياحي رئيسي ضمن مسار “المدينة العتيقة لتازة العليا”، ربط موقع قبة السوق بنفس العناية والاهتمام والتسويق والتعريف الذي يحاط بالجامع الكبير والاسوار التاريخية والابواب الكبرى والابراج وغيرها، التفكير في سبل رافعة لتسويق المكان ترابيا من خلال تنظيم تظاهرات ومهرجانات تسوق من قبيل مثلا إطلاق ” أيام الحرف التازية” .. ولما لا معرض سنوي خاص بقبة السوق، خلال فصل الصيف لجلب الزوار من داخل الإقليم والجهة والمغرب وخارجه، للوقوف على ذاكرة المكان المادية واللامادية عبر برنامج تسويقي ترابي ثقافي ابداعي جمالي أثري تاريخي فكري وفني رافع، يسهم في بناء اثاثه الجميع كل من موقعه عن المدينة العتيقة تازة العليا مثقفين ومبدعين وفنانين وباحثين فضلا عن مجتمع مدني رصين.
رئيس مركز ابن بري للدراسات والابحاث وحماية التراث
