تازة بريس

لو طال بنا أمد البقاء به لصار جداراً خلف جدار خلف جدارٍ كزهرة خرشوف.

-

تازة بريس

سعيد عبد النابي

لا جسدي كان من حديد ولا العري غازل رغباتي، لكن انتقالي المفاجئ إلى القرية بعد سنين من الدراسة، كان له على نفسي وقعا كوقع السقطة، سباحة ضد التيار استسلمت  فيها لقدري، كنت جاهلا كل شيء يمت إلى الفلاحة أو الأرض بصلة، تعاورت دواخلي أحاسيس قوية، كان لها فعل الرياح العاتية على الأشرعة،  أحسست بها تؤثر في حركتي من كل جهة، تدفعني، تسحبني، ترفعني ، تحررني من جاذبية الكوكب الأزرق بالمرة، خيل إلي أني أخف من ريشة أكاد أنطاد في سماء البلاد، أشياء عصية على الفهم سطرت في لوحي المحفوظ أرغمتني على التقدم إلى هدف، أسعى إليه و لا أراه، لم أكن اعرف وقتها منطق الطير و الحيوان، شدني إليه صراخ الرعاة وأنا أتابعهم بتمعن وهم يتحدثون الى ماشيتهم، فأعجب أيما عجب لاستجابة تلك المخلوقات لهم، كأن الطبيعة بنت بينهم عبر التاريخ جسورا يفتقدها أعضاء اعرق الأسر، تجلت في الحب و الوفاء و حتى الايثار .

 توالت على سمعي أسماء جديدة لم يكن لها في قاموسي اللغوي مكانا، تبانتا، الدغار، حبل الرد، الصبابع، الشبكة، الطفر،  الشبابات، بوصالح، بوفنشيل .. آليات عمل بسيطة… او، الرا،  الري،  طغس، صب، سكر، سمط، التال، عايد، ربط بتخفيف الطاء، وهذا غيض من فيض اللغة الخاصة بالحيوان ..  اي متاهة وضعت فيها نفسي ؟ هل كان علي محو أمياتي الزراعية  والبيئية و و و.. قبل اتخاذي قراري الملعون ذاك؟ أحسست بالأقدار تطوح بي عاليا لتسقطني في النهاية ب اماطيم، مفترق طرق يسمونه بابا، باب مفتوح بلا مصاريع ترى أو توصد، حططت رحالي عنده ـ الباب ـ مسجلا لحظات سكون، كنت عقرب البوصلة المتمرد، استقر بصري على الجنوب تاركا  لقذالي الشمال، وقفت مرآة فاصلة بين متاهات الجنوب ومتاهات نفسي الحائرة الملتاعة، كان كل فلق يكاشف الآخر عبر تأملي الصامت ، فأنا المبعوث خاوي الوفاض لمواجهة المتاعب، والعصي في دولتنا لا تتحول إلى أفاعي لإسقاط السحر عن عرشه، لا شيء املكه قادر على لقف التماسيح و العفاريت، وشق بحر الظلم، بعد سيدنا موسى عليه السلام، يخيل إلي انه المستحيل، وقفت أفكر في أمتعتي كيف ألملمها كي احملها فإذا بنظري يتعثر في إشارات حفت جوانب الطريق الرئيسية، ناشدت الراحة هنيهة لاستجمع قواي وأواصل السير، فإذا بي أجد نفسي متطفلا أقرأ شارات ناصل نالت منها أشعة الشمس و حجارة الأطفال ، كتب على واحدة منها ضريح سيدي احمد الزروق، و تحت الاسم مد سهم الى الغرب باتجاه المقام، وعلى ثانية كتب جامع الخمسين، أما اللافتة الثالثة فكانت اكبر، كانت أوسع، كتبت بخط أوضح، كأنها سيدتهم ، قرأت عليها  جماعة الطايفة ، وعلى الزائر تحديد مكانها من سهمها، تراه يومئ إلى غابة أزدم، لكنه في الحقيقة يخترقها إلى نقطة أبعد من أطرافها..، أكدت لي الرموز سبق وعي الناس الزمن، من سكن قرب الحي الإداري جعل الغابة خلفه والقيادة قبالته، في حين ، من عمر الدواوير جنوب باب اماطيم جعل الغابة و الحي الإداري خلفه، الشمال يوصل إلى أوروبا ، أما الجنوب فينتقل بالمرء الى كل المهالك، أو هكذا أصبح الوضع بعد دورة الأرض و ثورة الفساد،  صورة لم تحمل شارات و لافتات فقط، بل نطقت صارخة بدلالات أخرى مختلفة، فيها  انتصار قانون الغاب و حكم الغوغاء.

تفرعت أمامي المسالك تفرع الأوردة من الشريان التاجي، أكدت  لي حجم المتاهات التي علي تحديها مستقبلا، اختلط أمامي كل شيء ، أثر السقطة ، جبل الاكراهات المرتفع كالطود العظيم، ولولا الأمل الذي حفزني و حبي لأمي كنت تنكبت المهمة ، بتلك الشعلة ملكت ناصية السحر فرأيت الخلاء في أحلامي يتحول إلى جنات ملتفة، أقنعتني سذاجتي بسهولة تنزيل تلك الصور على ارض الواقع، إذ كنت اردد دائما و أنا تلميذ في مدرستي ، نحن ما نتمنى أن نكون ، وقرأت لزوميات المعري فزادتني ضلالا, اللهم إلا إذا كان الزمان توقف، إذا، أنا لا زلت في العهد العثماني الثاني، اوان العالم  بعد عصر الانوار و الازدهار نكص على عقبيه إلى عصر الظلم و الظلام. أضحكني طفل أجابني ب: ليفاتنا، لما سألته عن عنوانه . وانبثق من عمق ابتسامتي سؤال آخر : شكون اللي فاتنا ؟  ولم احصل منه سوى على حملقته الشاردة في وجهي،  معلنا بصمته عدم الفهم .. كان علي سؤاله بلكنته ” مناين انتين ودي من انتين..؟ و شكو دي جابك؟ أظن صمته جاء دفاعا عن موروثه اللغوي ، من يومها قررت الاهتمام بلكنة البرانس، و أسماء الدواوير.  قشامرة، بوهليل، لقوار، اسعايدة، اولاد الصغيور، تلوان، بوعشوش، السداري، لفحص، امتاينة، ثعالبة، اولاد سيدة.. افني عمري كي أصل إلى مصدر كل هاته الأسماء، ومهما أضناني البحث لن أندم، ما يضيرني زمن وهبته عن حب للاكتشاف و المعرفة؟

رأيت الأرض بجبالها ، بروابيها ،بشعبها ، بسهولها، بوديانها، بسواقيها، قطعة كانت متماسكة منبسطة فانداحت أطرافها و ساح وسطها، كل الأجساد تهتز لفرح إلا الأرض، لا تهتز سوى لكرب او غضب، انفجار بركان او لعنة زلزال،  باستثناء الهزات الخفيفة حين ابتلال تربتها بطل، لما تربو و تتشقق فيصدعها النبت، تلك اهتزازات تأتي بصيغة الهمسات تبسط أسارير الوجه. رأيت بيتي البسيط أسفل السفح، كان ركنه كما قال الشاعر حجرا والسقف منه حديد، لكنه لم يكن كبيت ميخائيل نعيمة، كونه لم يحتمل، لا قصف الرعود ولا شدة هطول المطر، كانت أمي بداخله ترد على الرياح كلما اشتد نحيبها بالتسبيح والضغط على كلمات آيات حفظتها بمشقة لتؤدي صلواتها الخمس، من بناه استغل غياب أبي بأرض المهجر وغش في كل شيء، فكنا كلما أبدى الجدار شقا ندعمه بجدار آخر نبنيه خلفه، حتى بدا  في النهاية كالقلعة أو كالحصن الحصين، ولو كان طال بنا أمد البقاء به لصار جدارا خلف جدار خلف جدار كزهرة الخرشوف.

فاعل جمعوي برنسي

إلغاء الاشتراك من التحديثات