تازة بريس

عن فضيحة برنامج كان يا ما كان/ مغالطات بالجملة حول تازة..

-

تازة بريس

عبد الإله بسكًمار

جميل أن يهتم الباحثون بتاريخ المدن المغربية، وأن يتم ذلك عبر برامج تواصلية أو تلفزية بغاية تثقيف المشاهدين وتنويرهم وتعريفهم أكثر بتلك المناطق والجهات، ولكن تبقى الشروط  البديهية الأساس تتمثل في الموضوعية والمصداقية بالإحالة على المصادر والمراجع واعتماد المعلومات الصحيحة لا المغلوطة أو نسج أخرى من صلب الخيال والخرافة، وتقديمها على أنها من صلب التاريخ، وكأن المشاهدين الكرام عليهم غشاوة حاجبة للضوء الساطع، أو يقيمون في جزيرة الواق واق أهلها لا يعلمون شيئا عن تاريخهم أو حضارتهم وهذا أمر مؤسف للغاية.

فعلا يحار المرء إزاء بعض الظواهر المشينة في المشهد الحالي للبحث العلمي بالمغرب، ونقصد تحديدا البحث في المجال التاريخي، حيث أدى غياب المتابعة والنقد والتدقيق والحساب العلمي إلى استنمارفقاعات هي إلى الحلقة والخرافة والشعبوية أدنى منها إلى البحث العلمي وما يعززه أو يتبعه من “مساهمات” هنا أو هناك هذا رغم الشهادات” الغليظة” والألقاب الأكاديمية التي ظلت توزع يمينا وشمالا دون ضوابط، حتى أصبح المجال عبارة عن سوق أسبوعي لا يحمل من مهام أو أنشطة البحث العلمي إلا الإسم المفترى عليه طبعا.

مناسبة هذا الكلام المداخلة البئيسة التي شنفت أسماع النظارة ومتابعي قناة دوزيم في برنامج مخصص للمدن والمناطق المغربية ويتعلق بالتراث والتاريخ، يطلق عليه “كان ياما كان ” ولم نكن لنقحم أنفسنا في مناقشة ما ورد في هذا البرنامج، لأنه في الحقيقة لايرقى إلى مستوى المناقشة، لولا ما استفزنا فعلا من بعض المغالطات التي وردت على لسان أحدهم، ولا يمكن أن يتحمل تبعاتها حتى مبتدئ في حقل التاريخ فأحرى أن يكون صاحبها أستاذا جامعيا بكل أسف ولوعة، نقتصر في هذا المقام على ذكر أهمها وأكثرها كاريكاتورية وإضحاكا (ومن الهم ما يضحك) .

مدينة النحاس أي نعم فقد تسمت تازة بها، متى؟ من أطلق التسمية؟ لماذا النحاس بالضبط وليس القصدير أو الذهب أو الحديد مثلا؟ وما القيمة التاريخية والرمزية لهذا النعت في نهاية المطاف ؟ أي ماذا يمكن أن يضيف حتى لو افترضنا صحته؟، وهو الافتراض البعيد جدا منهجيا وتاريخيا بالطبع .

نعود إلى المصادر التاريخية فلا نلمس أي ذكرلهذه المدينة فأحرى ربطها بتازة، كل ما هنالك قصة أسطورية أو خرافية ارتبطت بموسى بن نصير فاتح المغرب والأندلس، ولا علاقة البتة لها بتازة فضلا عن ادعاء كون المدينة معبرا لمعدن النحاس (كذا) من الريف إلى سجلماسة،”الله ياودي” هي تخريجة فريدة من نوعها أين وردت؟ ما مدى مصداقيتها؟ لا جواب طبعا لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

قصة مدينة النحاس إذن لا علاقة لها بالتاريخ أو بتازة، فهي تنتمي إلى القصص الشعبي الخرافي مثلها في ذلك مثل قارة أطلنتيس والعفاريت وحيوان التنين والعنقاء وحوريات البحر وما شابه ذلك، يدل أيضا على هذا المنحى أن القصة وردت في  كتاب ألف ليلة وليلة وهو مصنف قصصي خيالي وإن كان يتيح الاطلاع على العادات والتقاليد والرموز وأنماط تفكير الإنسان الشرقي عموما (العرب والفرس والهنود والأتراك أساسا) خلال العصور الوسطى، ونقصد الليلة الثامنة والستين بعد الخمسمائة (568) الصفحة 175 من الجزء الثالث طبعة دار الهدى الوطنية ببيروت (1981) فإقحام مدينة النحاس عند صاحبنا الأستاذ الجامعي (ياحسرتاه) وعلى مدينة تازة ولي عنق التاريخ بادعاء أن مدينة النحاس تعود إلى معدن النحاس الذي كان يجلب من الريف ويمر عبر تازة تخريج لا أساس له تاريخيا ومعرفيا، ولا ندري الحافز الذي دفع الرجل إلى اعتماده في البرنامج المعني وكان عليه بكل تواضع علمي أن يقربالطابع الخرافي للحكاية ككل بدل أن يحاول جاهدا وبشكل بائس إيجاد أساس تاريخي لها لمجرد أن يقول إن تازة هي مدينة النحاس، وهذا يعود على الأرجح إلى عدم تمكنه من فهم تاريخ المدينة التي يتحدث عنها وربما لم يطلع البتة عن أصل الحكاية ككل، صاحبنا الذي يقول إنه متخصص في التاريخ أوقع نفسه في مأزق مؤسس على مغالطة صريحة في حق تازة وتاريخها، لم يكلف نفسه الإحالة على أبناء المنطقة (وهذه ليست شوفينية) السابرين لعمق تاريخها وجغرافيتها وكان عليه في أسوإ الأحوال أن يسأل أو يستفسرأو يبحث أكثر حتى يتجنب ذات المأزق الفاضح وما من عيب في ذلك لكنه لم يفعل للأسف الشديد.

من جهته يستبعد الماركيز دوزيكونزاك Marquise De Segonzac في كتابه “أسفار إلى المغرب” VOYAGE AU MAROC  تسمية مدينة النحاس تماما مؤكدا أنه فقط سمعها من أحد السابلة معتقدا أن الأمر يتعلق بمدينة النعاس بتعبيره La ville endormie ، مع ما يحمله نطق حرفي h   aو بالفرنسية من التباس، إذ نطقها هكذا Medinet en-N’aas  معللا العبارة بالموقع الاستراتيجي الهام الذي احتلته وغالبا باعتبارها محطة استراحة للقوافل العابرة شرقا وغربا وأنها كانت تمتد في بعض الفترات من منطقة حجرة كناوة شرقا إلى قرن النصراني غربا (ص 218 من الكتاب) ويبقى التعليل إياه مقبولا من الوجهة التاريخية عموما لتساوقه مع طبيعة الموقع وليس في علاقته مع النحاس وهو غير موجودأصلا بالمنطقة كما في الريف طبعا هههه .

إذن يبقى نعت مدينة النحاس بعيدا عن الحس التاريخي كما فذلكه صاحبنا، وحاول إيهام الناس بتاريخيته، لأن الأمركما سبق القول يتعلق بقصة خيالية تتمحور حول البحث عن حقيقة مدينة النحاس هذه وما تعرض له جند موسى ابن نصيرمن أهوال حول أسوارها الجبارة القائمة على النحاس (..)  لا تنضبط في شموليتها للحدث التاريخي بمحدداته الوضعية المعروفة وقد ورد ذكرها أيضا وبصيغتها الأسطورية ( التي سبق أن رفضها المؤرخ ابن خلدون بعد ذلك ) عند بعض المصنفين في العصر الأموي أساسا ولم ترد في المصادرالتاريخية ذات الحجية والمصداقية .

ما علاقة البحث التاريخي وحقائقه بحالة التهميش التي تعيشها تازة (كما هو حال عدد من المدن والمناطق المغربية الأخرى)؟ مجرد سؤال نطرحه على من ساهم في هذا البرنامج الفضيحة، ولم يكتف”الباحث” إياه الذي لا ندري تخصصه التاريخي بالضبط بهذه المزالق الفادحة بل أضاف إليها أخرى أبرزها توصيف جبال الريف شمال تازة إضافة إلى الموقعة غير الدقيقة، والصحيح هو أن تازة تقع بين الأطلس المتوسط الشمالي وتلال مقدمة الريف (وليس جبال الريف) ، ويزداد الأسف لدى المتتبعين حينما نعلم أنها ليست المرة الأولى التي يغالط فيها المعني بالأمر ويلخبط، ويرتكب الفظاعات في حق تاريخ ومجال المنطقة دون مراجعة أو نقد ذاتي ضاربا أخماسا في أسداس، فقد سبق أن سجلنا عليه (ولدينا الوثائق بخط يده) لخبطته في موضعة فترة تأسيس البستيون السعدي (وقد رددنا عليه وقتها وصححنا ما يجب تصحيحه بناء على القرائن والمظان التاريخية)  ومصيبته في تصنيف قبائل إقليم تازة حيث أدمج معها مجموعة الحياينة وهي لا تنتمي لهذا الإقليم، وأكد باعروف هذا أن مناخ تازة معتدل صيفا وشتاء ( صدق أو لا تصدق) مع أنه في المتوالية الطبيعية للفصول مناخ قاري شديد الحرارة صيفا قوي البرودة شتاء ولا حول ولا قوة إلا بالله .

إلغاء الاشتراك من التحديثات