تازة بريس

سابقة بتازة : تفويت مدرسة تاريخية مرينية أثرية عريقة لإحدى الجمعيات..

-

تازة بريس

عبد الإله بسكًمار  

عاد الرأي العام المحلي مؤخرا إلى إثارة الوضع الملتبس الذي تعيشه المدرسة الحسنية المرينية بتازة، حيث تم تفويت هذه المعلمة التاريخية منذ أزيد من سبع سنوات إلى إحدى الجمعيات، التي تربطها علاقات ما بالمجلس الجماعي، و”على عينك أبن عدي” دون أي مبرر قانوني واضح،في خطوة عدت سابقة  من نوعها عبر الزمن المغربي، إذ لم يحدث في حدود علمنا وفي أي مدينة مغربية أن تم تفويت معلمة تاريخية إلى جمعية بعينها، لأن تلك المعالم تقع تحت الوصاية المباشرة لوزارة الثقافة وضمن مسؤولياتها الواضحة، وليس من حق أي جهة السطو عليها تحت أي مبرر كان. لنتصور أو نفترض مثلا ولا سمح الله تفويت معلمة الوداية بالرباط أو موقع شالة أو صهريج السواني بمكناس أو مدرسة بن يوسف بمراكش أو المدرسة البوعنانية بفاس، إلى إحدى الجمعيات التي ارتأت أن من حقها احتكارها وتمليكها، كيف يمكن للجميع أن يستسيغ الأمر برمته؟. وأمام هذا الوضع الشاذ بكل المقاييس ارتفعت أصوات الصحافة والمجتمع المدني بتازة، مطالبة بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أي إلغاء هذا التفويت غير الشرعي واللاقانوني، وإعادة فتح المنشأة كمعلمة تاريخية في ملك المدينة وتراثها الرمزي والمادي، وبإمكانها أن تضم خزانة عامرة أو تلعب دورها كمؤسسة متحفية تابعة لوزارة الثقافة، نقصد منشأة محروسة ومفتوحة للعموم بمقابل أو بدونه، بدل الوضع الذي توجد عليه وليس له مثيل عبر طول البلاد وعرضها للأسف الشديد. 

نسبت هذه المؤسسة العلمية إلى أبي الحسن المريني، أيام كان وليا للعهد في زمن والده السلطان أبي سعيد عثمان ثامن سلاطين بني مرين حوالي سنة 724 ه/ 1323 م، وهي واحدة من سبع عشرة مدرسة، امتد بناؤها من أبي سعيد المذكور وإلى غاية عهد أبي عنان، أي خلال عصر صدر تلك الدولة، ويستدل على زمن بناء المدرسة الحسنية، من نقيشة خشبية أعلى بوابة المعلمة التاريخية، تتخلل إفريزها الخشبي وفقا لبعض خصائص العمران في عصر بني مرين، فيما كان يسمى خلال ذلك العهد بفن”البرشلة”: لعمرُكَ ما مِثلي بِمشرق ومغرب …. يفوق المباني حسنُ منظري الحسـنْ // بناني لدرس العلم مُبتغيا به ….ثوابا من الله الأمير أبو الحســنْ.

وجاء تأسيس ذات المدارس كجزء من البناء الأيديولوجي الذي كان يحتاجه السلاطين المرينيون على مستوى تكوين الطلبة في مباحث الفقه المالكي وما يتصل به، وتخريج أطر الدولة وقضاتها وفقهائها، لأن انطلاقتهم الأولى كانت ذات طابع انتجاعي اقتصادي أساسا وليس فكريا عقديا كما حصل في عهد الموحدين، وتم بناء تلك المدارس أيضا لإيواء الطلبة وتمكينهم من سبل المعاش ونشرالعلوم المعروفة في ذلك العصر، وجاءت هذه المدارس أيضا في إطار رد الفعل السني الذي طبع القرنين السادس والسابع الهجريين، ولعل في ذلك بعض الاقتداء بما سمي تاريخيا “المدارس النظامية” في الشرق وخاصة فارس والعراق، كمدارس الموصل ونيسابور وبغداد وبلخ والبصرة وهراة وكانت من تأسيس نظام الملك، أشهر وزير في عهد السلطان ملكشاه السلجوقي، خلال القرن الخامس الهجري، في محاولة لإيقاف المد الشيعي والقضاء على التيارات الباطنية، التي حاربها القوم دون هوادة وكانوا يرون أنها تسربت إلى ديار الإسلام وانتشرت عبر مواقعه الأساس في وقت سابق، ومن ثمة ضرورة التمكين لأهل السنة والجماعة، وكان تأسيس المدارس وإجراء الأوقاف بها جزءا من هذا المخطط السني .

يحتمل أن تكون أنوية بعض المدارس وجدت خلال العصر الموحدي، كما أفادت بذلك مصادر العهد المريني نفسه، وتجلت وظائف تلك المدارس كما سبق الذكر في تعزيز المذهب المالكي، بموازاة مع العقيدة الأشعرية، يضاف التوجه ذاته إلى تصوف كل من أبي الحسن الشاذلي وأبي محمد صالح الماجري، وساهم في هذا الترسيخ الفقهاء المالكيون المهاجرون من الأندلس والذين وقع احتضان أغلبهم من طرف المرينيين، بعد سقوط كبريات معاقل الفقه المالكي هناك كقرطبة وإشبيلية وجيان وغيرها، وأكبر تلك المدارس، المدرسة البوعنانية بفاس المنسوبة لأبي عنان المريني والتي تعود إلى سنة 758 ه.

تميزت مدرسة تازة المرينية والتي وردت عند ابن مرزوق التلمساني بنعت” المدرسة الحسنة”أو” الحسنية” بنفس النمط المعماري الذي بنيت على منواله هذه المدارس، وذلك مثل الفناء الممتد والذي تتخلله عادة حنفية أو صهريج مياه، أي” خصة ” دائرية غالبا أو بزوايا شبه دائرية أو على شكل مربع، تحيط بنفس الفناء غرف الطلبة عبر أروقة وأقواس بحذوة الحصان، أما قاعة الصلاة  فهي تحتوي على محراب للإمامة، بالشكل الذي هيئت به خلال نفس العصر، ونقصد المكان الذي يميزه الاتساع والتنميق بالنقوش والزخارف والآيات القرآنية المنسوجة أفقيا غالبا، ولابد من الإشارة أيضا إلى أن غرف الطلبة كانت تشمل الطابق العلوي وفي بعض المدارس يمتد ذلك إلى طابقين، غير أن التحويرات التي عرفتها مدرسة المشور بتازة، أجهزت تماما في حيزها العلوي على شكلها الأول والأصيل، أي الذي كان يشمل غرف الطلبة ويعددها بعضهم في 33 غرفة، وبدل كل ذلك أقيمت قبة لا علاقة لها بالتصميم الأصلي للمدرسة، وقد ورد إسم مدرسة المشور بتازة في نقيشة، عثر عليها  بمدرسة الصهريج بفاس، علما بأن بناء مدرسة تازة، تزامن تقريبا مع بناء مدرسة العطارين بالعاصمة العلمية ونقصد سنتي 723 و724ه، وتعد مدرسة تازة التاسعة من نوعها ضمن المدارس المرينية التي عرفت بفاس ومكناس وسلا وطنجة وسبتة وآزمور خاصة  .

يحلل الأستاذ محمد القبلي بعض وظائف تلك المدارس، خلال العصر المريني، مشيرا إلى أنه لم يكن هناك إجماع حولها، بدليل ما قدمه الآبلي والمقري التلمساني الجد من نقود وملاحظات، تخص طريقة التدريس وتسيير تلك المدارس ودرجة استيعاب الطلبة لما يلقى إليهم من معارف العصر، كالفقه المالكي أساسا والحديث والتفسيروالأصول وعلوم الآلة كالنحو والبلاغة، إضافة إلى علوم الفلك والمنطق والرياضيات والطب ويفسرالأستاذ القبلي مثل تلك المواقف بالطابع ” السلطاني أو الرسمي ” الذي وسمها، تبعا لأن أوقاف تلك المدارس، التي ظل يستفيد منها كل من الأساتذة والطلبة، كانت سلطانية بالأساس، ونحن نعلم مدى تشدد فقهاء المالكية في تحديد هذا النوع من الوقف .

بغض النظر عن الطابع العمراني لهذه المدرسة كما لغيرها، فإن التباسا كبيرا يتعلق بالمتخرجين منها والمدرسين أيضا، علما بأن مسارها ” التعليمي ” يوازي تقريبا ما يعرف اليوم بالتعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، ولو أن هناك إشارات تاريخية تفيد بتخصيصها كأماكن للعبادة، بعد أن خلت من روادها كما تؤكد ذلك إحدى الفتاوى، التي أوردها الإمام الونشريسي في معياره خلال العصر الوطاسي أي القرن التاسع الهجري، وهو الفقيه المالكي نفسه، الذي كان شيخا وأستاذا في نفس الفترة بالمدرسة المصباحية بفاس والتي أسسها أبو الحسن المريني سنة 745 هــ، كما سجلت كتب المناقب أن القطب الصوفي ابراهيم التازي دفين وهران والمتوفى سنة 866 هــ / 1462 م، كانت له حلقة علم أيضا بإحدى تلك المدارس، وقد نفترض عن مؤشرات تاريخية أن قلة موارد الوقف قد تكون وراء خلاء تلك المدرسة، دون أن يعني ذلك عدم افتراض استمرار التدريس بها، في فترات لاحقة وربما متقطعة وذلك بإسقاط ما شهدته تلك المدارس من ازدهار، خلال عصر المولى سليمان العلوي وقبله المولى محمد بن عبد الله، الذي تنسب له المنشأة المقابلة للجامع الكبيربتازة . ويحتمل أيضا أن تكون لكارثة غرق أسطول أبي الحسن المريني سنة 748 هــ قبالة ساحل تونس وعلى متنه كما تقول المصادر 400 من فقهاء وقضاة ذلك العصربينهم بعض أعلام تازة، يحتمل أن تكون لتلك الكارثة تداعياتها في فرز حالة الخلاء المذكورة آنفا، لا سيما وأن العصر الوطاسي الذي عرف تلك الفتوى كان عصر تراجع واختلال على أغلب المستويات .

وردت المدرسة الحسنية المرينية عند الأجانب ولا سيما الفرنسيين منهم، فقد وصفتها وثيقة Le Guide bleu من حيث جانبها المعماري، ووردت عند القبطان فوانو Voinot . L ضمن كتابهTAZA ET  LES  RIATA  ، عبر وصف دقيق أيضا لأروقتها وسواريها ونقوشها وقاعة الصلاة بها، غير أنه نسبها خطأ إلى المولى اسماعيل العلوي، وربما التبس على صاحبنا ما بناه هذا العاهل بتازة والتي أقام بها لمدة شهر، كما تذهب إلى ذلك مصادر الفترة، ونقصد بناء السلطان العلوي لخزان المياه ” بيت الجبوب ” الذي كان يوجد قبالة نفس المدرسة وهو في حكم المندثر حاليا، وظل يمد المدينة بالمياه خاصة خلال الأوقات الصعبة، فلربما التبس نفس البناء مع المدرسة المرينية لدى هذا العسكري الفرنسي. ولم تلعب المدرسة الحسنية أدوارا علمية تربوية أو عقدية فحسب، بل استفادت أيضا من عدة أحباس كان أبرزها الكتب والمصنفات التي أوقفها عدد من أعلام تازة وساكنتها فضلا عن الأمراء والسلاطين ، منذ العصر المريني، وكنموذج لذلك تحبيس علي بن أبي سعيد ( المريني ) بن أبي يوسف بن عبد الحق لتأليف في الأحكام، من وضع وتصنيف صاحبه أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي المعروف باسم ابن تامسري ويحمل المخطوط رقما تسلسليا بخزانة المسجد الأعظم بتازة هو 220 / 208 حسب الفهرسة التي وضعها لنفس الخزانة الدكتور عبد الرحيم العلمي سنة 2002 تحت إشراف وزارة الأوقاف.

سبق أن أشرنا إلى قيام المدرسة إياها ببعض أدوارها الأصل، أي تلقين المعارف والعلوم الفقهية والدينية بوجه عام، مع انفتاح على مباحث الطب والكيمياء والفلك والمنطق، ولم يقتصر ذلك على العصر المريني، بل شمل بعض الفترات المتقطعة، خلال المراحل التاريخية التي أعقبته، خاصة الفترة العلوية، وإلى ذلك يشير بوضوح محمد المكي الناصري في كتابه ” الأحباس الإسلامية بالمملكة المغربية ” فقد احتج التازيون ضد سلطات الحماية الفرنسية سنة 1931 لما عزمت على تحويل المدرسة إياها إلى مقر لنظارة الأحباس تابع للإدارة الاستعمارية، مع ما في ذلك من إجهاز على مسار المدرسة، باعتبارها مركزا لتدريس العلم وسكنى للطلبة، وعلى الأغلب فإهمال هذه المدارس، التي تعد بنسقها المعلوم في عداد التعليم التقليدي أو ما كان يسمى إلى عهد قريب ب ” التعليم الأصيل “، قلت تأكد إهمال تلك المدارس من طرف سلطات الحماية مباشرة بعد تركيز وجودها الاستعماري عقب الحرب العالمية الأولى، وخاصة بعد الانتهاء من حرب التهدئة .

يبدو أن سلطات الحماية لم تعمل بمقترح تحويل المدرسة إلى مقر لنظارة الأوقاف، خلال بداية الثلاثينات من القرن الماضي، بحيث عاد التدريس بها في الأربعينات من نفس القرن لمدة ما، ويحتمل أن تكون حينذاك نواة مدرسة حرة، تنتمي لشبكة مدارس تركز على اللغة العربية وعلوم الدين الإسلامي، ضدا على مخططات الاستعمار وذلك حسب مصادر مؤكدة، وهي المدارس التي كانت تديرها وتسيرها الحركة الوطنية، والمعروف أن نواة المدرسة الحرة بتازة، كان مقررا لها مؤسسة مولاي الحسن  في الأصل، لكن سلطات الاستعمار عرقلت المشروع، لينتقل إلى باب الزيتونة لمدة قصيرة نسبيا . وبعد استقلال البلاد افتتح المكان من جديد خلال التسعينات من القرن الماضي، واحتضن بشكل موفق خزانة عمومية للمطالعة وتثقيف النشء، مفتوحة في وجه عموم التلاميذ والطلبة والأساتيذ لكن، سرعان ما توقف كل شيء لتتحول المنشأة التاريخية بقدرة قادر إلى مقر لجهة معينة، يمنع الدخول أو الولوج إليه، باسم جمعية للمديح والسماع في بلاد العجائب دون حسيب أو رقيب ولا حول ولا قوة إلا بالله.

رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث

إلغاء الاشتراك من التحديثات