تازة بريس

ربيع تازة وتقليد تقطير ماء الزهر .. نمط حياة جمعي وذاكرة وتراث لا مادي ..

-

تازة بريس

عبد السلام انويكًة

امتداد وحضور وروح تقليد أصيل، هو تقطير ماء الزهر في الوسط الأسري التازي العريق كما حال زمن عدد من مدن المغرب العتيقة، من قبيل سلا وفاس ومكناس وتطوان ومراكش وغيرها. ولعل تقليد تقطير”هذه المادة العطرية الطبيعية، كانت ولا تزال تحكمه جملة طقوس محلية نسوية خاصة، عبر ما هناك من تلاقح وأخذ ونقل بين الأم وابنتها وبينهما معا والجدة. هكذا كانت نساء أسر تازة زمان – ما لا يزال قائما مؤثثا لبيوت المدينة العتيقة رغم ما يسجل من تراجع لأسباب عدة ومتداخلة بيئية واجتماعية وكذا ثقافية- ، تستعد لعملية تقطير ماء الزهر والورد عبر اجراءات عدة داخل البيوت منها مراجعة ما هناك من معدات ذات صلة. هذا قبل أن تدخل على خط هذا التقليد التراثي التازي الربيعي العطري الأصيل خلال السنوات الأخيرة، جمعيات ثقافية تراثية بخلفية احتفالية استشرافية.

هكذا اذن كان مشهد تقليد تازة العتيقة هذا لفترة معينة من ربيع كل سنة، مع ظهور زهر النارنج شهر مارس تحديدا والذي يكون في أوجه مع بداية الفصل ويمتد حضوره ببساتين المدينة على مستوى الجوار، وعبر أشجار هنا وهناك داخل البيوت العتيقة وخارجها لبضعة أسابيع، مع أهمية الاشارة هنا لِما كانت تشتهر به المدينة القديمة تازة العليا من أمكنة شهيرة بتسويق هذه المادة العطرية (الزهر والورد)، حيث قبة السوق مثلا وفي تماس بهذا المكان الملتقى نجد زنقة باب الزيتونة فضلا عن مداخل دروب مجاورة، من خلال ما يتم عرضه كل صباح عبر قفاف مصنوعة من دوم وقصب وحلفاء في مثل هذه الفترة. بعد قطفه باكرا من قبل فلاحين منتجين عن بساتين دواوير محيطة، من قبيل ما يعرف محليا ب: دوار”مكوسة”و”بوحجار”ورأس الواد” و”الشقة” و”جنان عين سلطان” وجنبات “وادي أنملي” وغيرها.

ويسجل محليا على مستوى تازة العتيقة، ما يحاط بتقليد تقطير ماء الزهر والورد من عناية خاصة من قبل الأسر التازية الأصيلة، باعتباره إرثا أسريا رمزيا عريقا وجزءا من هوية ثقافية محلية ونمط عيش متوارث بحاجة لحضن وصون وتلاقح بين الأجيال. علما أن تقليد تقطير ما الزهر والورد على الطريقة التازية الأصيلة بقدر ما يحتاجه من معرفة دقيقة واتقان وإلمام وشروط فعل، بقدر ما يترجم ويعبر عن فن عيش أسري تازي وتراث تتقاسمه مهارات خاصة تازية متوارثة. ولعل الى جانب ما كان من اقتصار لهذا التقليد الى عهد قريب، على بيوت تازية ضمن حيز مغلق وانتاج محدد لحاجيات فقط، وعلى نساء بخبرة وتجربة ومهارة موروثة عن سلف. ظهرت تفاعلات جديدة باتت معنية بموضوع تقطير ماء الزهر والورد وبعملياته ورمزيته، من قبيل باحثين بيئيين تراثيين وصيدلانيين وعطوريين وتجار وغيرهم،  

هذا فضلا عن مكونات مجتمع مدني محلي ارتأت الانفتاح على هذه الدائرة من تراث المدينة الرمزي، حيث بادرت وبلورت ونظمت ما نظمت مستهدفة ما ينبغي من إنصات لمورد بيئي عطري ضمن أفق معين، فضلا ايضا عن لفت انتباه الجميع كل من موقعه سلطات محلية وهيئات منتخبة وإعلام ومنعشين ومستثمرين، من أجل النظر فيما ينبغي من تثمين وحضن ومن ثمة من تنمية محلية رافعة. لدرجة ما تم تأثيثه من مواسم لتقطير ماء الزهر واحتفالية تراثية، كانت بما كانت عليه من تطلعات ورؤية معينة في دوراتها الأولى. بل يسجل لبعض مكونات المجتمع المدني التراثي المحلي هذه، ما رسمته من موعد معبر”موسم تازة لتقطير ماء الزهر”، خاصة ما طبع تجاربه ودوراته الأولى لأسباب واعتبارات عدة كانت داعمة رافعة، فضلا عما أبانت عنه من حضن واحاطة وحرص وتشارك وروح رهان وهوية مدينة وخصوصية. بل يسجل لها أنها أخرجت مشهدا للوجود بعدما كان مجرد فكرة ربما راودت الكثير من ابناء تازة ومجتمعها المدني سابقا، فتمكنت من جذب انظار من هنا وهناك داخل المدينة وخارجها، بفضل تظافر جهود ثلة من ابناء تازة وعبر هذا وذاك من طاقات غيورين مثقفين مبدعين تازيين عاشقين للتراث.

هذه هي تازة إذن ربيع كل سنة مع بزوغ أزهار شجرة النارنج، وهذه هي تازة في علاقة بإرث وتراث لامادي أصيل خاص بتقطير ماء الزهر، حيث السلف والخلف والتلاقح وروح نمط عيش كان ولا يزال. وهذه هي تازة في مثل هذه الفترة ومن فصل الربيع عندما تخرج التازيات قطاراتهن من رفوف بيت الخزين، بكل حماس واستعداد على ايقاع قيم وعادات ضاربة في القدم. من أجل نشوة اشتغال وتقطير وانتشاء بروح عطر لبعض الوقت والذي قد يكون يوما واحدا أو عدة أيام، حيث متعة جلسة وراحة وترويح وفرح وأسرة معا. وهكذا ايضا ختاما لايزال هذا التقليد شامخا قائما ممتدا في روح وشعور أهل تازة العتيقة عبر قرون، حيث الذاكرة ونمط حياة جمعي ورمزية تحف زمن وعبق مكان.

مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

إلغاء الاشتراك من التحديثات