تازة بريس

تازة: سؤال الأنشطة الثقافية في مهرجان التراث المحلي بمكناسة الغربية..

-

عبد الإله بسكمار *

لعل مهرجان التراث بمكناسة الغربية والذي تنظمه جمعية المستقبل للتنمية والتراث المحلي، بتعاون مع مجلس جماعة مكناسة الغربية الواقعة بأحواز مدينة تازة، يشكل رافعة أساسية للتعريف بالمنطقة وما تزخر به من مؤهلات اقتصادية واجتماعية وثقافية رمزية. ومن المؤكد أنها نفس الفلسفة التي انطلقت منها فكرة تنظيم هذا المهرجان، على أمل تطوير محتوياته ومواده في أفق خدمة أوسع وأكثر فعالية لصالح الساكنة، لا سيما في ظل الأدوار الكبيرة المنوطة بالمجتمع المدني عبر المساهمة والتعاون الجدي والوثيق، مع باقي الجهات المختلفة رسمية ومدنية.

إن تقديم فنون الفرجة المتنوعة والألوان المحلية للتراث الشعبي، تعد من أبرز مواد وفعاليات المهرجان إياه، وهذا ما بدا واضحا من خلال نسخته الأولى التي نظمت يومي 06 و07 غشت 2022، ويعود الجانب الإيجابي لذلك إلى تثمين التراث الشعبي للمنطقة ولإقليم تازة عموما والتعريف به لدى الناشئة الحديثة ومن ثمة الحفاظ عليه وتطويره، تعزيزا لمقومات الشخصية المغربية وغنى الثقافة الشعبية بروافدها المتعددة، وتعزيز طابعه الوظيفي في السياحة الثقافية والمجالية، كما اهتم المهرجان أيضا بثقافة التكريم المستحق والاعتراف بالجميل، من خلال الاحتفاء بوجوه شرفت الفنون الشعبية على صعيد إقليم تازة وعبر المشاركة في التظاهرات الجهوية والوطنية، الشيخ الملالي المعروف بعلال دادريس قيدوم شيوخ الهيت البرنوسي وكذا لابد من تثمين الخطوة الرمزية العميقة المتجلية في تكريم عامل النظافة بجماعة مكناسة الغربية السيد أحمد اللبالي، دون إغفال فعاليات وأنشطة جمعية تربية الخيول بالمنطقة، هذا إلى جانب مظاهر إعادة الاعتبار لقيم التآزر والتضامن، التي أكدها المنظمون ونموذجها تنظيم حملة قياس السكري لساكنة المنطقة بتنسيق وتعاون مع فرع الهلال الأحمر بتازة، دون نسيان جانب الزيارات الاستطلاعية والاستكشافية كتلك التي برمجها المنظمون للرحبة الريحية بجماعة اولاد الشريف.

غير أن الجمعية المنظمة اتجهت خلال هذه الدورة إلى تعزيز المكون الثقافي للمهرجان من خلال ندوة علمية حول التراث والثافة والتاريخ المحلي، رغم بعض الملاحظات حول توقيت البرنامج وتنظيمه. ففي اللقاء مساء يومه 11 غشت تعرض الأستاذ ع بسكمار رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث، لأهمية المنطقة من الوجهتين المجالية والتاريخية عبر ما كتبه المؤرخون وأصحاب الحوليات القروسطية كالبكري وابن خلدون ولسان الدين بن الخطيب وابن عبد المنعم الحميري وابن عذارى وابن أبي زرع، وأيضا من خلال المراجع الحديثة والأرشيف الفرنسي،  CH DE Foucauid – H .Basset –Voinot– H . Terrasse ، بارتباط مع بعض المحطات التاريخية الهامة التي لعبت خلالها منطقة مكناسة أدوارا طلائعية مشهودة، كفترة إمارة بني العافية خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، إلى أن انتهى أمرها على يد يوسف بن تاشفين المرابطي سنة 463 هجرية، بعد أن توارت سياسيا أمام مغراوة .

من جهته ربط الأستاذ عبد السلام انويكًة عضو مركز ابن بري، بين المجال إياه والطابع البحري الذي ميزه، عبر آلاف السنين من التحولات الجغرافية والمناخية، وذلك ضمن محور”مكناسة تازا بعض من الزمان والمكان والإنسان “. وقد صنف منطقة مكناسة كجزء مما كان يطلق عليه مضيق جنوب الريف Le détroit sud Rifain  ، موضحا أن مياه البحر المتوسط كانت تغمر الريف مرورا بحوض ملوية وانتهاءا بسهل الغرب. وهذا الموقع أهله للقيام بأدوار تاريخية خلال عدة مراحل أبرزها محطة إمارة موسى بن أبي العافية، التي امتدت عبر الريف وحوض ملوية وتازة وتسول ومدينة البصرة، بل هناك من يمدها إلى مصب أبي رقراق، مؤكدا ما ذهب إليه أصحاب المصادر والحوليات التاريخية، حينما بطش ابن أبي العافية بالإدارسة وسيطر على فاس لفترات متعددة، وكون إمارة قوية ولو أنها لن تسلم من التبعية للفاطميين أولا ثم لأمويي الأندلس ثانيا. فالمنطقة شهدت أحداثا تاريخية هامة، باعتبارها مرتكزا لقبائل زناتة التي فرضت نفسها غير ما مرة على امتداد تاريخ المغرب. وارتباطا بهذا الإرث التاريخي الزاخر، يشكل مجال مكناسة الغربية أحد الرهانات  القوية على مستوى إنعاش التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة، ومنه مقترح طموح لتهيئة طريق جهوية تربط باب المروج بمكناسة الغربية، لتشكل بذلك محورا أساسيا للسياحتين الثقافية والطبيعية بالنسبة للمنطقة، تعد إضافة نوعية للمواقع المعروفة كراس الماء وباب ودير ومنتزه تازكة وعين الحمراء ومغارة فريواطو وواد البارد وتامطروشت.

من جهته حلل الباحث في التراث الشعبي البرنوسي محمد الهرنان بعض أشكال “الفراجة” في المجموعة القبلية ذاتها، مركزا على تعبيرات الجسد والزجل المرافق له والذي يتوفر بالنسبة له على جميع الخصائص الإيقاعية والنغمية، فضلا عن الأغراض والدلالات المختلفة التي توظف حسب سياق” الفراجة”، سواء في المناسبات العائلية أو خلال المهرجانات والمحطات الوطنية، مؤكدا على الهيمنة النسبية لفن القول لدى البرانس، مع التأكيد على الخصائص الأخرى الإيقاعية الموسيقية أساسا وذلك عند مختلف الفرايجية المعروفين في المنطقة. وقد أدار اللقاء بحيوية متدفقة الشاعر الزجال وعضو جمعية المستقبل حفيظ اللمتوني، وتخلله نقاش ممتع عميق.

وقد سجل المشاركون في اللقاء رغبة منظمي مهرجان التراث المحلي بمكناسة الغربية، أن يتم إغناء المواد الثقافية الرصينة، وهم يأملون أيضا في مزيد من الانفتاح على العروض التي تخص تراث وتاريخ المنطقة، مثلما هو الحال بالنسبة للعروض التشكيلية والفنية التي تغني برنامج المهرجان وتزيده تنوعا وإبداعا.

*رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث 

إلغاء الاشتراك من التحديثات