تازة بريس

تازة: إهمال وإتلاف وحماية أضرحة متصوفة وصلحاء المدينة..مسؤولية من؟

-

تازة بريس

ما كانت عليه تازة من اشعاع صوفي منذ العصر الوسيط، يجعل كيان ومشهد مجالها العتيق بدون معنى في غياب أضرحة متصوفيها وفقهاءها وعلماءها ومن ثمة أولياءها الصالحين.  وباستثناء ما أثير من نقاش حول وعاء أضرحة تازة كتراث محلي جدير بالعناية، كان ذلك في موعد علمي لعله الأول والأخير قبل حوالي ربع قرن، ويتعلق الأمر بالملتقى الأول للمدينة العتيقة بتازة، من تنظيم جمعية انقاذ المدينة العتيقة التي كانت تؤثث الفعل الجمعوي الرصين بالمدينة آنذاك.
وكان هذا الموعد التراثي حول سؤال انقاذ تراث تازة المادي واللامادي، قد توزع على ثلاث محاور في علاقتها بهذا الإشكال، أولا قضية المدينة العتيقة تازة كإرث حضاري، ثانيا مسألة اندماج وادماج المجال العتيق لتازة ضمن تراب المدينة الحضري العام ثم أخيرا قضية استراتيجية وآليات وسبل التدخل لإنقاذ هذا الوعاء العتيق كذخيرة انسانية في شمولته. ولعل بقدر تعدد مداخلات وتنوع مقاربات باحثين متدخلين ممن أثث هذا الملتقى في نسخته الأولى والأخيرة مع الأسف، بقدر ما حصل من تشخيص لواقع حال مدينة عتيقة وحديث عن تجارب وسبل انقاذ في علاقتها باكراهات معطى عقاري، ومعه واقع وخصوصية معالم أثرية بطبع انساني خاص، تجمع بين جوامح ومدارس ودروب ومرافق عامة وزوايا وأضرحة وغيرها مما تزخر به تازة العتيقة.
ملتقى تازة الأول حول المدينة العتيقة هذا الذي من المفيد جداً احياءه، انتهى بنقاشات وطروحات بقدر عال من الأهمية آنذاك، لم تغب عنها ما يخص أهمية العناية بالرصيد التراثي المحلي الرمزي الثقافي الأصيل، كما الحال بالنسبة لرمزية ما تحتويه المدينة من أضرحة صلحاء وأولياء ومتصوفة ومزارات زوايا هنا وهناك، تلك التي تعكس ما تعكس من هوية محلية وطبيعة انتماء ثقافي روحي ووجدان شعبي في جميع الأحول كذاكرة ومشترك جمعي. وغير خاف ما يرتبط بهذه المكونات الرمزية الثقافية التراثية من انسانية انسان وقيم حياة وتعاون وتآزر وتعايش ووسطية…،
إن ما تحتويه تازة من مشاهد امتداد تراث رمزي ووجود فكري ومن أضرحة فقهاء متصوفة كانوا بما كانوا عليه من صدى واشعاع وتفاعل في الماضي، يقتضي صيانة وحماية عرفانا لِما كان عليه متصوفة وفقهاء وعلماء وصلحاء هذه المدينة عبر الأزمنة، وعرفانا لهم بما كانوا عليه من نشر فكر وثقافة وإشاعة قيم إنسانية بنوع من الكونية، تلك التي جعلت المغرب بما هو عليه الآن من خصوصيته وانفتاح ومكانة حضارية بين دول العالم. فأضرحة صلحاء ومتصوفة تازة العتيقة وهذه المشاهد الروحية الرمزية المرتبطة بها والمنتصبة والشامخة هنا وهناك، هي أرشيف مادي حي يترجم اسهامات ومجد من تميز من رجالات تازة بالأمس ومن ثمة المغرب، ليس فقط في مجال التصوف والصوفية انما ايضا في مجال الأدب التاريخ والفكر والفقه والعلوم والقراءات وغيرها. اسهامات تستحق ما ينبغي من توثيق وبحث ودراسة وابراز وعناية بأضرحة هؤلاء، عوض ما يشاهد من اهمال ولا مبالاة ومناظر مقززة تخصها. علما أن تراث تازة الفكري العلمي الحضاري يعود في امتداداته الى زمن العصر الوسيط، ما يجعل هذه الحاضرة بمكانة خاصة في خريطة الارث الثقافي المغربي الأصيل عموما من خلال عشرات الأعلام والفقهاء والمتصوفة.
إن اضرحة صلحاء تازة جزء من ذات المدينة ومرنكزات اشعاعها في التاريخ، وهي ايضا جزء من ثقافة تلاقح بين الأجيال وآلية هوية محلية ووطنية، من المفيد أن تكون بوعي خاص من قبل الجميع كل من موقعه. وأنه من المفيد فضلا عن انقاذ هذا الارث المادي واللامادي، الانفتاح أكثر على سبل ادماج تراث المدينة الرمزي هذا في التنمية المحلية، وعندما نتحدث عن تراث تازة فهو في شموليته بما في ذلك أضرحة متصوفة تازة، وما تستحقه كمكونات هوياتية من تقدير واعتبار وحرمة، عوض ما يلاحظ من خراب واهمال، ولعل صورة وواقع ضريح سيدي عيسى ومقبرته تغني عن أي وصف وتعبير، وشتان بين حال واحوال ورمزية ضريح هذا الولي الصالح قبل على الأقل ربع قرن، وما هو عليه الآن من وضع يدعو للشفقة لِما آلت اليه معالمه ومن ثمة أحوال اضرحة اولياء المدينة الصالحين.

فأية مسؤولية تخص واقع الحال وأي دور والتفات واسهام عملي من شأنه انقاذ هذه المعالم التراثية المحلية التي شكلت وأثثت ملف تصنيف تازة كتراث وطني، وأي تراث هذا في الواقع وحال اضرحة متصوفة وفقهاء وعلماء المدينة عن العصر الوسيط والحديث فيما هي عليه من اهمال وتلف وخراب.  فكم هو جميل تنظيم لقاءات ونقاشات ومواعيد هنا وهناك، لتناول اسهامات أعلام تازة من المتصوفة والفخر باشعاعها وفكرها وتميزها ونبوغها في زمنها، إنما كم سيكون جميلا ايضا الالتفات الى واقع أضرحة أعلام المدينة وومتصوفتها وإلى حال ما بلغته من خراب وإهمال ووضع يرثى له،  ومنها على سبيل الذكر فقط ضريح سيدى محمد بلحاج وسيدي واضح وسيدي محرز … فضلا عن ضريح الولي الصالح سيدي عيسى الذي يتوسط المدينة وقد تحول الى مزبلة بكل ما في الكلمة من معنى. فمن ينبغي اذن من المصالح المحلية أن يكون بدور في انقاذ ما يمكن انقاذه، وأية أدوار فضلا عن الجماعة الحضرية يمكن أن تقوم به مندوبية الثقافة والمجتمع المدني وخاصة الأوقاف والشؤون الاسلامية والمجلس العلمي المحلي، في أفق حماية تراث وهوية المدينة الرمزي الروحي الاسلامي وفق ما ينبغي من رؤية ومقترح وتبصر واستشراف.

 

إلغاء الاشتراك من التحديثات