عبد السلام انويكًة
حول مغرب زمن الحماية، تعززت المكتبة التاريخية خلال العقدين الأخيرين بنصوص على درجة من الأهمية والقيمة المضافة، في الأصل هي دراسات وابحاث استهدفت مناطق وجهات هنا وهناك تحديدا مراكزها الحضرية (المدن). ذلك الذي بقدر ما كان بأثر معرفي ومنهجي، بقدر ما أسهم في حفز عمل بحث وتوسيع وعاء كتابة تاريخ وطني أشمل. ولعل ما حصل من إقبال باحثين حول هذه الفترة والوجهات، اعتُبر تحولاً هاما من أجل تفكيك إرث استعماري وسرديات ذات صلة، وفهم ما حصل من سياسة مستعمر وأشكال توغل وآليات استهداف مجتمع، فضلا عن إبراز أثر مقاومة وتضحيات مغاربة.
توثيق وبحث تاريخي ونصوص، لا شك أنه ساهم من موقعه في تحصين ذاكرة المغرب الوطنية، فضلا عن مزيد اعتماد باحثين على أرشيف وطني وأجنبي وكذا رواية شفوية. ولعل ما يسجل حول هذه الدراسات والأبحاث عموما، خجل انفتاحها على مراكز قروية كانت بما كانت من موقع وأدوار وصدى مقاومة، وعليه ما هو مفقود من حلقة وصل بين تاريخ مدن وتاريخ بوادي/ هوامش، خلال هذه الفترة الدقيقة من تاريخ البلاد المعاصر. وغير خاف ما أحْدِث بالوسط القروي لهذا العهد من بنيات تغلغل استعماري، نعتقد أن من شأن تسليط الضوء عليها، إبراز ما وظفته الاقامة العامة من بنيات تقليدية لتثبيت سلطتها وضبط قبائل ومواجهة ما كان يهددها من مقاومة محلية.
حول بادية تازة تحديدا مجال مقدمة الريف شمالا، ارتأينا بمختصر مفيد هذه الورقة حول مركز ب”باب المروج” الذي أحيط بعد احتلال تازة بتتبع صحفي دقيق من قبيل ما جاء عبر جريدة السعادة، هذه الأسبوعية باللغة العربية (1904- 1956) التي كانت ناطقة باسم مصالح فرنسا الاستعمارية في المغرب، مستفيدة من حضن الاقامة العامة/ ليوطي، فكان هدفها دعم التغلغل الثقافي والسياسي الاستعماري وتوجيه الرأي العام المغربي، فضلا عن تلميع صورة نظام الحماية وتدخلاته ومواجهة وتبخيس كل مقاومة مسلحة كانت أم سياسية. هكذا اهتمت “السعادة”بمعارك احتلال البلاد التدريجي، مبررة ما حصل من غزو معتبرة زحف القوات الفرنسية ضرورة لإحلال الأمن والاستقرار، مهاجمة كل كفاح وطني واصفة قادته بالمتمردين. مخصصة تغطياتها لتتبع تقدم القوات الفرنسية هنا وهناك، من قبيل مقالاتها حول معارك المستعمر بتازة خاصة الفترة ما بين 1914-1925، رافعة انتصاراتها مبررة عنفها مشوهة بالمقابل مقاومة قبائل المنطقة. وكانت (السعادة) قد أعلنت سقوط تازة معتبره إياه انجازا عظيما حقق اتصالا بين غرب المغرب وشرقه (الجزائر)، محتفية بنجاح ما سمته بخطة “كماشة” الجنرالان “بومكارتن” و”كًورو” في ماي 1914. واصفة لقاء “مكناسة التحتية” العسكري ودخول المقيم العام “ليوطي” لتازة، بالحدث الاستثنائي الذي وحّد المغرب وفتح ممر تازة الاستراتيجي.
جريدة السعادة هذه بحمولتها الاستعمارية، واكبت عمليات وكذا إحداث مركز”باب المروج” العسكري بين 1915 و1918، ما اعتبرته الإقامة العامة مرتكزا هاما لمراقبة قبيلة “البرانس” وتأمين الحدود مع الاسبان شمالا. ولعل “باب المروج” هذا عُرف في الذاكرة المحلية بحسب الرواية ب “حجر النص”؟، مكان بصخرة ضخمة بارزة شكلا وارتفاعا تبدو لكل زائر من بعيد. مركز قروي جزء من مقدمة جبال الريف بمرتفعات وتلال وعرة تتخللها شعاب وغابات ..، منخفضاتها كثيرا ما تتحول إلى “مروج” خلال فصل الشتاء والربيع إثر ما تشهده المنطقة من تساقطات مطرية وثلجية. مع أهمية الإشارة لِما يخترقها من أودية موسمية تجعل المجال بفرشات مائية رافعة لأنشطته الفلاحية. هكذا تتبعت “السعادة” ظروف احتلال مركز باب المروج وما شهده من مقاومة ووضع حصار، برز فيما صاغته من عناوين لتقاريرها من قبيل مقال موسوم ب” حول عملية إنقاذ مركز باب المروج”، في إشارة واضحة منها لِما واجهته القوات الفرنسية من أخطار وصعاب.
ولعل لمركز “باب المروج” وجواره علاقة بمنطقة الريف، لِما هناك من امتداد جغرافي تضاريسي جيولوجي وانتماء لمقدمة جبال الريف، يجعله منطقة انتقالية تصل سفوح جبال الأطلس المتوسط جنوباً بسلسلة جبال الريف شمالاً. علما أن مركز “باب المروج” ومحيطه، يشترك مع جبال الريف في خصائص تضاريسية التوائية وعرة، فضلا عن مرتفعات وتربة صلصالية / شيستية”، وهي السمة البنيوية التي تمتد على طول حزام الريف. كما أن مركز باب المروج يرتبط بمنظومة الريف البيئية، مستقبلا تيارات رطبة عن البحر المتوسط، ما يسمح بتساقطات مطرية هامة وثلوج فوق مرتفعات، ومن ثمة ما يطبع المكان من اخضرار و”مروج”. أما من حيث الامتداد التاريخي والقبلي، فالذي يسجل هو أنه رغم انتماء ساكنته جينياً وتاريخياً لـ قبيلة “البرانس”، التي بحسب إشارات دراسات هي قبيلة أمازيغية تعربت. فإن موطنها جعلها صلة وصل بين قبائل جبال الريف شمالاً وقبائل أعالي إيناون وتازة جنوباً. وعن اللغوي بين باب المروج (البرانس) ومنطقة الريف، يسجل ما هناك من تداخل مع اختلاف اللغة السائدة. فسكان مركز/ منطقة باب المروج تتحدث دارجة مغربية جبلية، بينما منطقة الريف تعتمد لسانا امازيغيا ريفيا (تاريفيت)، ورغم تعرّب لسان ساكنة باب المروج، هناك ترابط قوي مع بلاد الريف من حيث أسماء أماكن ودواوير تحتفظ بأصلها الأمازيغي، مثل أسماء فروع قبلية مثل “بني ورياغل”، وهو اسم مشترك مع أهم قبائل الريف الأوسط، أسماء دواوير ومواقع تبدأ بـ”تي” أو “بو” أو “بني” بنفس الصيغة المستعملة بجبال الريف. وتتميز دارجة “باب المروج” وجوارها، ببنية صوتية ومفردات مستمدة من الأمازيغية.
ويظهر الترابط أيضا بين باب المروج والريف المغربي في طريقة نطق بعض الحروف متأثرة باللكنة الجبلية القريبة من طريقة نطق الريفيين وأهل جبالة، أما اللباس التراثي البدوي في”باب المروج”، فهو مزيج بين هوية جبلية وثقافة قبيلة البرانس، فضلا عن تشابهات مع لباس منطقة الريف. ولعل للطبيعة الجبلية الباردة في”باب المروج” أثر فيما هناك من لباس محلي من حيث اعتماد أقمشة وأزياء موفرة الدفء، من قبيل البرنس (السلهام) الذي يعد في اعتقاد دارسين أنه اصل اسم القبيلة، وهو لباس يُصنع من صوف خشن ويُلبس فوق جلابة موفرا دفئاً في فصل الشتاء. ومن قبيل أيضا الجلابة الصوفية بشكلها المشترك بين رجال “باب المروج” ورجال جبال الريف، وهي التي تتمز بقصر طولها واتساع أكمامها. مع أهمية الإشارة لما هناك من حديث حول ما كانت ترتديه نساء “باب المروج”/ البرانس من”منديل،” وهو ثوب صوفي مخطط بلونين أحمر وأبيض أو أسود وابيض، ذلك الذي يُلف حول الخصر من الوسط حتى القدمين ويعد لباسا مشتركا بين نساء جبالة ونساء مقدمة الريف. وحتى ما كانت تتزين به النساء من حلي فضية وغيرها، هو نمط وأسلوب زينة ارتبط بتراث أمازيغي قديم. وحول مشترك نمط العيش بين مركز “باب المروج” وجواره من جهة ومنطقة الريف وشمال المغرب من جهة أخرى، نجد ما يعرف بأكلة “البيصارة” التي بشهرة واقبال كبير خلال فصل الشتاء، فضلا عما يعرف بكسكس الشعير (التشيشة)، الذي يتم طهيه رفقة خضر أو حليب أو نبتة “فليو”. وتشترك نساء “باب المروج” مع نساء الريف في استخدامهن لأواني طينية نظرا لِما تمنحه من نكهة للطعام، ناهيك عما هناك من تشابه مواسم فلاحية ودينية وثقافية، لِما هناك من تشابه بيئة وتعلق بالأرض. ففي موسم “العنصرة” مثلا (يناير الفلاحي) يُحتفل كل عام بطقوس متشابهة، من خلال إعداد أطباق تقليدية مثل “التريد” أو “الحكوزة”. طقوس كانت تروم بركة وموسما فلاحيا ممطرا، ناهيك عن موسم زيتون وحصاد وما يؤثثهما من أهازيج جبلية وريفية ضمن ما يعرف ب “التويزة”. وعن الجانب الروحي ما هناك من علاقة بموسم عبد السلام بن مشيش، فرغم البعد تُعد قبائل مقدمة الريف(باب المروج) وقبائل الريف الأوسط، من مريدي هذا الموسم الشهير بشمال البلاد. أما الأسواق وما هناك من ترابط، فهي بمثابة مواسم أسبوعية عندما كان سكان الريف يقصدون أسواق باب المروج وجواره (الخميس، الأحد..) والعكس صحيح، من اجل تبادل منتجات محلية (لوز، تين، زيوت، مواشي..)، ما عزز في الماضي مساحة مشترك وتلاقح ثقافي بين المجالين.
وعما هو تاريخ وذاكرة بين”باب المروج”(البرانس) ومنطقة الريف، نسجل عن الفترة المعاصرة ما هناك من مشترك مقاومة ضد الاستعمار بعد انضمام المنطقة لثورة الريف 1921 – 1926. إثر امتداد حرب محمد بن عبد الكريم نحو الجنوب، وبعد انضمام مركز “باب المروج” ومحيطه للمجاهدين الريفيين ربيع 1925، حيث دخلت القوات الريفية بقيادة “بوحوت” لشمال تازة، وأنه بتنسيق مع مقاومين برانس تم عزل مراكز القوات الفرنسية بالمنطقة بعد معارك عدة. وقد شكلت السيطرة على مركز باب المروج بكيفية خاصة، تهديداً لتموين الجيش الفرنسي بممر تازة، وهو ما عجل باستقالة المقيم العام ” ليوطي”. وقد شكلت منطقة باب المروج خلال هذه الفترة الدقيقة من زمن التوغل الفرنسي بمقدمة جبال الريف، حلقة وصل بين مقاومة الريف شمالاً والأطلس المتوسط جنوباً. وعليه ما لـ”باب المروج” من ذاكرة حافلة بوقائع وتجارب مقاومين محليين وعمليات مع الريف، بحيث اضطر بعظهم رفقة أسرهم اللجوء لمجال قبائل الريف لما اشتد الضغط عليهم، لمواصلة كفاحهم وتلاحمهم الذي كان بأثر في روابط عائلية وقبلية هنا وهناك حتى اليوم. يذكر أن تأسيس مركز “باب المروج” كان في يونيو 1915 سنة بعد احتلال تازة، تأسيس جاء بأبعاد عدة من قبيل أولا: تأمين ممر تازة حيث كانت القيادة الفرنسية ترى أن السيطرة على باب المروج ضرورة لضمان الإمداد من جهة وتأمين ممر تازة من جهة أخرى. ثانيا: تطويق قبيلة البرانس عبر باب المروج كقاعدة لضرب فروعها من اجل إخضاعها. ثالثا: مراقبة الحدود ومنع أي تنسيق بين المقاومين عن المنطقة السلطانية جنوبا والمجاهدين عن المنطقة الخليفية شمالاً. وقد أقامت الادارة الفرنسية في مركز “باب المروج” بنية تحتية عسكرية لخدمة أهداف توغلها، ومن هذه البنيات ثكنة محاطة بأسوار وخنادق، فضلا عن مخازن سلاح وتموين وأبراج مراقبة. ولعل مركز “باب المروج” بقدر أهميته في إدارة وتتبع شؤون البرانس، بقدر دوره في جمع المعلومة واستقبال متعاونين وغيرهم. ولاستكمال أدواره تم تزويده بتلغراف وهاتف سلكي، لربط القوات المقيمة به بكل من تازة وفاس. دون نسيان ما أقيم بالمركز من مستوصف عسكري لتقديم الاسعافات، فضلا عن مكتب بريد لسير مراسلات وحاجيات ضباط وجنود.
هكذا انطلقت قوات فرنسية ذات يوم من يناير 1915 بقيادة العقيد “بيلو”، لمباغتة مقاومة البرانس تحت قيادة “الشنقيطي” و”عبد المالك” آنذاك. وهكذا ايضا كانت معارك الفرنسيين بقيادة العقيد “دريجوان” لتأسيس هذا المركز بعد كلفة ثقيلة تمثلت في مقتل ضباط وملازمين. فعندما زحفت قوات المستعمر مستهدفة إخضاع القبيلة وتأسيس المركز المذكور، واجهت مقاومة قوية كانت وراء مقتل الملازم “بيري”، والملازم “ميرسييه”. واثناء هجوم البرانس ومجاهدي الريف 1925 مستهدفا باب المروج وجواره، سقط الضابط الفرنسي الملازم “بوفار”، وأثناء فك الحصار عن خطوط تموين محيطة بالمركز قتل الملازم “مايان، وخلال معارك وقف تقدم المجاهدين صوب تازة وممرها قتل الملازم “كورتي”، وفي اشتباك بجوار باب المروج قتل النقيب غوليو. كلها خسائر بشرية وغيرها زعزعت أهداف الجيش الفرنسي وأفقدته التركيز، لِما واجهه من جبهات مقاومة قوية بالمنطقة.
ولعل ذاكرة البرانس ومنها مركز “باب المروج”، تزخر بقادة مقاومين محليين كانوا بأثر معبر في معارك عدة ضد المستعمر الفرنسي بتنسيق مع جبهة الريف هنا وهناك، من قبيل القائد الخلادي الذي قاد انتفاضة القبيلة ضد الفرنسيين 1925، بضربه حصارا على مراكز عدة للاحتلال من قبيل باب المروج قبل التحاقه بالثورة الريفة وفراره صوب الريف شمالاً نحو منطقة “بني عمارت” دعما لاستمرار المقاومة. وهناك القائد “بوحوت” الريفي السابق الذكر الذي أرسله محمد بن عبد الكريم على رأس قوة من المجاهدين دعما للبرانس، والذي نجح في تصفية موالين متعاونين مع المستعمر بالمنطقة مثل الخليفة “ركًوكً”، وسمح بإعلان عصيان باب المروج التي التفت ساكنتها قبل حصار 1925 حول زعامات مقاومة من قبيل “الشنقيطي”، الذي أطر مقاومة قوية بكل من “الطايفة” و”باب المروج” في يناير 1915 مواجها هجمات العقيد “بيلو”، فضلا عن عبد المالك الجزائري الذي اتخذ مقدمة الريف قاعدة لمقاومة الاحتلال الفرنسي، وقد لقي دعماً معبرا من قبيلة البرانس / مركز باب المروج قبل حرب الريف.
جدير بالاشارة الى أن إحداث مركز “باب المروج” من قبل المستعمر الفرنسي، لم ينجح في تحقيق ما سمي مكرا ب”التهدئة”، إذ تحول جواره إلى حزام مقاومين واصلوا هجماتهم. علما أن الضغط على المركز بلغ ذروته بعد انطلاق ثورة محمد بن عبد الكريم، بحيث في شهر يوليوز 1925 فرضت المقاومة البرنوسية والريفية حصاراً كليا على باب المروج، ترتبت عنه خسائر بشرية تمثلت في قتل الملازمين “بوفار” و”مايان”، لدرجة تفكير القيادة الفرنسية في إخلاء مراكزها بالقبيلة. وعليه، ما ورد هنا وهناك حول ما شكله مركز باب المروج/ البرانس من خطر على المستعمر بمقدمة الريف، نظرا لروح واستماتة الأهالي القتالية ومعرفتهم بيئتهم الذي شكلت قاعدتهم الخلفية في معاركهم. رغم ما اعتمدته القوات الفرنسية من طيران حربي انطلاقا من تازة، لفك الحصار عن جنودها بمركز باب المروج وغيره من مراكز أخرى، ورغم ما ألقته عبر هذا السلاح من قنابل على دواوير وأماكن لجوء مقاومين مخلفة بأسلوبها هذا ما خلفته من مآسي في صفوف مدنيين، ومن ثمة من تاريخ جريح لا يزال يحضر الذاكرة المحلية من خلال شاهد رواية شفوية بين سلف وخلف، فضلا عن زجل بمثابة أرشيف شعبي عما حصل.
هكذا ما يحتفظ به مركز “باب المروج” حتى اليوم، من معالم شاهدة على ما طبعه ومن خلاله المنطقة من وجود استعماري فرنسي، من قبيل أطلال ثكنة وأسوار وخنادق وآليات دفاع حديدية، وكذا مستودعات سلاح وتموين ومخازن ذخيرة وغيرها. بقايا إرث كولونيالي من شأن الالتفات اليه عبر حمايته وتهيئته وحسن استثماره، خدمة ما هو تنموي منشود محليا باعتباره أرشيفا ماديا رافعا لسياحة تاريخية ثقافية، عبر اطلاع كل زائر عما هناك من بنايات استعمارية ومحتويات متبقية، وعبر ما ينبغي من ابراز وتعريف ورحلات مدرسية وجامعية وندوات وسبل اشعاع.
رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث
