تازة بريس

استدامة العلاقة بين المغرب واسبانيا لا تتطلب غياب اختلافات ..

-

تازة بريس

محمد النميش

تكشف الأزمات المتكررة في العلاقة المغربية الإسبانية أن احتواء التوتر لا يعني بالضرورة التعلم منه. فالمعيار الأهم ليس فقط قدرة الطرفين على تجاوز الأزمة، وإنما ما إذا كانت التجربة تترك أثرًا في طريقة فهم المشكلات وقراءة الإشارات واتخاذ القرارات. فمنذ أزمة سبتة في عام 2021 إلى التوترات المرتبطة بسبتة في عام 2026، أظهرت كل من الرباط ومدريد قدرة واضحة على احتواء الخلافات وإعادة فتح قنوات التواصل بينهما. وهذه قدرة مهمة في علاقة تجمع بين بلدين متجاورين تربطهما مصالح أمنية واقتصادية وإنسانية واسعة. ومن هذه الزاوية، فإن التعلم من الأزمات يهم المغرب وإسبانيا معًا، لأن استدامة العلاقة وقدرتها على تجاوز التوترات لا ترتبط بطرف واحد، بل بقدرة النظام الثنائي بأكمله على تحويل التجارب السابقة إلى معرفة مؤسسية. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: هل تنتهي الأزمة باستعادة الهدوء فقط، أم تترك وراءها تغييرًا في طريقة استعداد الطرفين للمستقبل؟

يساعدنا ديفيد إيستون، في كتابه A Systems Analysis of Political Life، على النظر إلى السياسة باعتبارها نظامًا مفتوحًا يتفاعل باستمرار مع بيئته. ويمكننا أن نفهم العلاقة المغربية الإسبانية على أنها شبكة معقدة من التفاعلات تتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية. فالهجرة، والحدود، والملفات السيادية، والقرارات القضائية، والمصالح الاقتصادية، والرأي العام، والسياسة الأوروبية، والتحولات الإقليمية، كلها تؤثر في طريقة عمل هذه العلاقة. هذه العوامل لا تتحول مباشرة إلى قرار سياسي واحد، بل تمر عبر مؤسسات وفاعلين متعددين، لتصبح مواقف واتفاقات وإجراءات. ثم تعود نتائج هذه القرارات لتؤثر في البيئة نفسها، وفي توقعات الفاعلين وطريقة تعاملهم مع الأحداث القادمة. وهنا تظهر أهمية التغذية الراجعة. فقد تساعد الأزمة النظام على استعادة توازنه، لكنها قد تترك في الوقت نفسه أثرًا يغير شروط التفاعل في المستقبل. لذلك، لا يكفي معرفة ما إذا كانت الاستجابة ناجحة، بل ينبغي أن نعرف ما الذي غيرته هذه الاستجابة داخل النظام نفسه.

في مقاله Resilience and Stability of Ecological Systems، يميز كروفورد هولينغ بين استقرار النظام وقدرته على مقاومة الاضطرابات، وبين مرونته في التكيف وإعادة التنظيم عند تغير الظروف. ويمكن تطبيق هذا التمييز في العلاقات الدولية، بحذر. فإذا تمكنت المؤسسات من إعادة الاتصال واحتواء التوتر بعد أزمة، فهذا يدل على قدرة النظام على استعادة توازنه ومواصلة عمله، وهو ما يرتبط بالاستقرار. أما المرونة فتظهر عندما يستطيع النظام إعادة تنظيم بعض آليات عمله استجابةً للاضطراب. وقد يشمل ذلك تحسين أدوات الاستجابة ومسارات التنسيق، من دون أن يعني بالضرورة تغير الافتراضات التي توجه القرار. أما التعلم المؤسسي الأعمق فيظهر عندما تتحول التجربة إلى معرفة جديدة تغيّر الافتراضات التي توجّه القرار نفسه.

في كتابه The Evolution of Cooperation، يشرح روبرت أكسلرود أهمية مفهوم «ظل المستقبل» في استمرار التعاون. فعندما يعرف الطرفان أنهما سيستمران في التفاعل، تصبح قرارات الحاضر مرتبطة بما قد يحدث في المستقبل. وهذا واضح في العلاقة المغربية الإسبانية، حيث تجعل الجغرافيا والمصالح المشتركة التعاون ضرورة مهما بلغت حدة الخلافات. كما أن تكرار التفاعل يجعل وضوح الإشارات والسلوك أمرًا أساسيًا. فكلما أصبح الطرف الآخر أكثر وضوحًا في تصرفاته، تراجعت احتمالات أن يتحول سوء التقدير إلى تصعيد. ومع ذلك، قد يؤدي استمرار التعاون أحيانًا إلى تأجيل بعض القضايا الصعبة من جولة إلى أخرى. وهنا يكمن الفرق بين الذاكرة التي تحفظ ما حدث، والتعلم الذي يغير طريقة الاستعداد لما سيأتي.

تساعد أفكار إدغار موران، في كتابه On Complexity، على تجاوز النظرة البسيطة للعلاقات. فالأنظمة المعقدة لا تتطلب انسجامًا كاملًا بين مكوناتها، بل قد تتعايش مصالح مشتركة واختلافات حقيقية دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انهيار النظام. وهذا ينطبق على العلاقة المغربية الإسبانية، حيث يمكن أن يستمر التعاون في مجال معين رغم وجود خلافات في مجالات أخرى. وقد يكون الفصل بين الملفات وسيلة لحماية العلاقة من انتقال التوتر من مجال إلى آخر، لكنه ليس حلًا دائمًا لتأجيل القضايا الحساسة. وتظهر أهمية هذا الفصل أيضًا في الملفات ذات المصالح المشتركة، من الاقتصاد والسياحة والأمن إلى الرياضة والاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030. فقد تختلف المواقف في ملف معين، بينما تستمر الحاجة إلى التعاون في ملفات أخرى. والنجاح هنا لا يعني غياب الاختلافات، بل القدرة على منع خلاف في مجال من تعطيل التعاون في مجالات أخرى. لذلك من المهم التمييز بين التناقضات التي يمكن احتواؤها مؤسساتيًا، وتلك التي تعكس عمقًا في بنية العلاقة.

تكتسب سبتة خصوصية في العلاقة المغربية الإسبانية لأنها تمثل نقطة تجمع لأبعاد حدودية وأمنية وإنسانية وأوروبية وسيادية. فالأزمة التي تبدأ عند الحدود قد تنتقل بسرعة إلى المجال الدبلوماسي، ثم إلى السياسة الداخلية، ثم إلى النقاش الأوروبي، مما يجعل سبتة اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على التعامل مع نظام متعدد المستويات. وفي صيف 2026، شهدت سبتة موجة عبور جماعي هي الأكبر منذ أزمة 2021، مع اختلاف واضح في تقديرات أعداد الوافدين. فقد أعلنت السلطات المغربية عبور نحو 40 ألف شخص، بينما رفعت سلطات سبتة المحتلة تقديراتها للعدد من نحو 50 ألفًا إلى 60 ألفًا ثم إلى 72 ألفًا، مع تسجيل وفيات خلال محاولات العبور. وربطت السلطات المغربية جانبًا من التدفق بالمعلومات المضللة وشبكات الهجرة، في حين قدّمت السلطات الإسبانية الحدث باعتباره ضغطًا خطيرًا على حدودها، وأعاد ذلك النقاش حول إدارة الحدود والتضامن الأوروبي، في سياق تظل فيه قضية السيادة أحد الأبعاد الأساسية للعلاقة حول سبتة. وهذا البعد السيادي يجعل الملف مختلفًا عن الملفات التقنية. فالهجرة قد تكون مجالًا للتعاون، لكن السياق الذي تتحرك فيه يعكس خلافًا أعمق في بنية العلاقة. وتكمن أهمية هذا الملف في قدرة المؤسسات على تحسين إدارة التوتر، خصوصًا عندما تكون بعض مصادره مرتبطة بقضايا حساسة تتجاوز البعد التقني. فالإجراءات قد تحسن إدارة الأزمة، لكنها لن تزيل وحدها كل التناقضات التي تقوم عليها العلاقة.

هناك جانب لا يجب أن نغفله: الكلفة الحقيقية للصراعات لا تتحملها الحكومات وحدها. فرغم نجاح الحكومات في إعادة الهدوء، فإن المجتمعات الحدودية والمهاجرين والعائلات غالبًا ما تتحمل جزءًا كبيرًا من الكلفة الإنسانية والاجتماعية. لذلك لا يمكن تقييم الاستقرار من منظور الحكومات وحدها، بل يجب النظر أيضًا إلى تأثير الأزمات على الناس. إذا تحسنت قدرة المؤسسات على احتواء التوتر، لكن الكلفة الإنسانية والاجتماعية بقيت مرتفعة، فإن التحسن يكون حقيقيًا في جانب ومحدودًا في جانب آخر. ومن ثم، يجب أن يشمل التعلم المؤسسي نتائج السياسات على الفئات الأكثر تعرضًا لآثار الأزمات.

في مقاله Diplomacy and Domestic Politics: The Logic of Two-Level Games، يقدم روبرت بوتنام أداة مهمة لفهم التحديات التي تواجه المفاوضين. فالمفاوض يعمل على مستويين في آن واحد: التفاوض مع الطرف الآخر، والبيئة الداخلية التي تشمل الرأي العام، والمؤسسات، والمصالح، والقيود القانونية والالتزامات الدولية. وهاتان الطاولتان ليستا منفصلتين. فالموقف الداخلي يؤثر في التفاوض الخارجي، والقرار الخارجي يعود بدوره ليؤثر في النقاش الداخلي. وفي الحالة الإسبانية، يمكن أن تتأثر مساحة الحركة في العلاقة مع المغرب بتوازنات النقاش السياسي الداخلي، حيث تتفاوت مواقف الحكومة والمعارضة ومختلف القوى الحزبية، بما فيها الحزب الشعبي (PP) وفوكس (Vox)، حول ملفات الهجرة وسبتة ومليلية والسيادة. ولا يعني ذلك أن السياسة الداخلية تفسر وحدها مواقف مدريد، بل إن القرار الخارجي نفسه يمكن أن يصبح موضوعًا للنقاش والمنافسة داخل الساحة السياسية الإسبانية.

ويمكن النظر إلى التحول في الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية منذ عام 2022، عندما اعتبرت مدريد مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 أساسًا جديًا وواقعيًا وذا مصداقية للتوصل إلى حل للنزاع، بوصفه مثالًا على مسار التعلم في العلاقة المغربية الإسبانية. فهذا التحول لا يتعلق فقط بتغيير أداة من أدوات السياسة الخارجية، بل يمكن أن يعكس مراجعة لبعض الافتراضات التي كانت توجه التعامل مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة، بما يوضح كيف يمكن للتجارب المتراكمة وتغير شروط العلاقة أن تؤدي، بمرور الوقت، إلى إعادة النظر في طريقة تعريف بعض القضايا والخيارات المرتبطة بها.

ومن هنا تتضح أهمية النظر إلى العلاقة المغربية الإسبانية باعتبارها تفاوضًا يجري في مستويين متداخلين، حيث تتفاعل الحسابات الخارجية مع القيود والرهانات الداخلية.

إذا كانت الأزمات تكشف قدرة المؤسسات على الصمود والمرونة، فإن فهم ما يحدث بعدها يتطلب النظر في مدى تغير طريقة تعريف المشكلة، وقراءة الإشارات، وتحويل المعلومات إلى قرارات. ويمكن تحويل هذا التمييز إلى إطار عملي من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة:

وتظهر قيمة هذه المستويات عندما تتحول إلى ممارسات ملموسة. فاختبار آليات الإنذار المبكر يساعد على تحسين قراءة الإشارات، بينما تسمح المراجعة المشتركة بعد الأزمة بفهم كيفية انتقال المعلومات وتحولها إلى قرارات. أما التعلم الأعمق، فيتطلب مراجعة الافتراضات التي تحكم تعريف المشكلة والعلاقة بين الملفات، بما يسمح بتطوير الفصل الوظيفي بينها من دون فقدان نقاط الاتصال الضرورية. وبهذا المعنى، لا يقاس التعلم المؤسسي بعدد الإجراءات الجديدة التي تُعتمد بعد الأزمة، وإنما بمدى تغير طريقة فهم المشكلة نفسها، وقراءة الإشارات، وتحويل المعلومات إلى قرار.

ختاما إن نجاح المغرب وإسبانيا في تجاوز الأزمات وإعادة الحوار يمثل مكسبًا مهمًا للعلاقة الثنائية، لكنه لا يصبح تعلمًا مؤسسيًا إلا عندما يترك أثرًا واضحًا في طريقة عمل المؤسسات واستعدادها للمستقبل. فاستدامة العلاقة لا تتطلب غياب الاختلافات، بقدر ما تتطلب قدرة أكبر على استيعابها، ومنع انتقالها من ملف إلى آخر، وتحويل التجارب السابقة إلى معرفة تساعد على تجنب الأخطاء وتحسين الاستجابة. وفي علاقة معقدة ومتعددة المستويات، سيظل التوتر ممكنًا، كما ستظل بعض القضايا السياسية والسيادية مفتوحة على اختلاف المواقف. غير أن قيمة التجربة تكمن في قدرة الطرفين على تطوير أدواتهما في إدارة هذه الاختلافات، وعلى الحفاظ على مجالات التعاون عندما تتعقد ملفات أخرى. وبهذا المعنى، لا ينبغي أن تكون الأزمة مجرد اختبار لقدرة المؤسسات على الصمود، بل فرصة لإعادة النظر في طريقة العمل والاستعداد، وإعادة تعريف المشكلة عندما تكشف التجربة أن الافتراضات التي قامت عليها الاستجابة لم تعد كافية. فإذا كانت كل أزمة تنتهي بعودة الأمور إلى ما كانت عليه، فإن النظام يكون قد نجح في احتواء الصدمة؛ أما إذا تحولت التجربة إلى معرفة وتغيير في الممارسة، فإن الأزمة تكون قد تركت وراءها قيمة تتجاوز لحظة انتهائها. فالنجاح الحقيقي ليس في تجاوز الأزمة فقط، بل في ألا نواجه الأزمة القادمة بالطريقة نفسها.

أستاذ باحث بجامعة سيدي محمد بن عبد الله .. فاس

إلغاء الاشتراك من التحديثات