عبد السلام انويكًة
منذ مطلع ستينات القرن الماضي على امتداد عقود من الزمن، كان ولا يزال حضور الفنان والمخرج المسرحي العربي الهرم محمد بلهيسي، على صعيد مدينة تازة ومن خلالها على صعيد المغرب وبلاد المغارب والعالم العربي. وقد جعل تازة منارة ساطعة لمسرح احتفالي وطني، بل من أثره وما يحسب له، كونه جعل المدينة قبلة ثقافية لوفود ومبدعين كبار من مختلف الأقطار العربية والمغاربية. وعليه، ما أسسه وبناه من هوية ابداعية لها ومن حركية مسرحية بها، حيث ساهم في تأسيس وتدبير شأن أبرز اطارات المدينة الجمعوية المسرحية، خاصة “فرقة اللواء المسرحي” و”فرقة مسرح التأسيس، ناهيك عن تنظيمه مهرجانات وطنية ودولية وتوطينه لأخرى من قبيل جلبه وتوطينه للمهرجان الدولي لمسرح الطفل بتازة، ما جعل المدينة بفضله مركزاً سنوياً لثقافة الطفل والفرجة الدولية. وفضلا عما يحسب للرجل حفظه الله من أثر في إشعاع المدينة الثقافي والابداعي والفكري وطنيا وعربيا ودوليا مستفيدا من غنى علاقاته ومجهوداته، كان بدور يصعب القفز عليه على مستوى إثراء ذاكرة وتراث وريبيرتوار تازة الثقافي بغزارة تأليفه وانتاجه، ومن ثمة اغناءه الخزانة الإبداعية المحلية والوطنية والعربية بنصوص ومسرحيات شكلت روح وهوية وبصمة تازة الثقافية، والتي من اشهرها وهي بالعشرات “مقام النور”، “المنسي”، “باب الدنيا”، “سوق المزاد” واللائحة طويلة. وقد انبنى نهجه في العمل الإبداعي خاصة المسرحي، على قاعدة فريق العمل واستثمار مشترك الموهبة، فتميز أسلوبه الإخراجي بتركيزه على فعل الجماعة وتقنية “الكتل المسرحية” عوض الفرد/ الممثل البطل، ولعله أسلوب اشتغال ورؤية سمح ببروز عشرات الأسماء من المبدعين المسرحيين التازيين المتمكنين.
جدير بالإشارة لما قدمه الأستاذ محمد بلهيسي من خدمة لتازة من موقعه كمندوب إقليمي لوزارة الثقافة ذات يوم لسنوات وسنوات، وكمدير جهوي سابق أيضا للوزارة، مسخراً منصبه الإداري لدعم بنيات المنطقة التحتية الثقافية والفنية والتعبيرية، فضلا عن توسيع وتأسيس هياكل المسرح التنظيمية، وعليه من المهم لفت العناية لِما يتوفر لديه من أرشيف بقدر كبير من القيمة الرمزية وهو نتاج تجربة ومسار فني ابداعي ثقافي واسع امتد لأزيد من نصف قرن. بحيث بيته يعد مستودعاً يحفظ ذاكرة فنية بقدر كبير من الأهمية، خاصة منها ما يتعلق بأب الفنون فضلا عن تفاصيل ومحطات حراك تازة ومشهدها الإبداعي عبر عقود من الزمن. نظرا لمسيرته الحافلة بالعطاء خدمة للخشبة وللثقافة في عدد من جوانبها وتجلياتها. وعليه، يُجمع نقاد ومبدعون ومثقفون مهتمون مواكبون متتبعون هنا وهناك، على أن محمد بلهيسي يستحق عن سقف التفاتة تكريمية تليق بمقامه ومساره ومسيرته وتاريخه وذاكرته وبصمته ومدرسته، من جيث رد اعتبار وجميل يوازي حجم تضحياته وإشعاعه. ولعل ضمن ما يستحقه الرجل رمزيا في حياته، إطلاق اسمه على مسرح بالمدينة أو قاعة عرض كبرى للفنون والجماليات والثقافة بها، لكونه أبا روحيا لمسرح تازة وصاحب فضل في إشعاع المدينة ومن خلالها كل المنطقة. ومن جملة أيضا ما يجمع عليه طيف تازة المبدع والمثقف، تخصيص جائزة سنوية باسم “جائزة محمد بلهيسي للإخراج أو التأليف المسرحي”، ضمن فعاليات المهرجان الدولي لمسرح الطفل الذي كان من مؤسسيه، بل التفكير من قبل وزارة الثقافة والمجالس المنتخبة لتحويل أرشيفه الضخم المحفوظ في بيته، الى مزار ثقافي عبر إعداد مكان خاص به/ مؤسسة / متحف باسمه أو مركز أبحاث يُفتح في وجه طلبة وباحثين ومهتمين بالمسرح. مع ما تنشده مساحة واسعة من فاعلين في حقل الثقافة والابداع محليا، من جفل تكريم راق يليق بمقام وعظمة محمد بلهيسي الاسم المبدع الفنان الزجال المخرج وكذا الذاكرة والتاريخ، تقديراً لإسهاماته البارزة في تطوير الحركة المسرحية الوطنية والمغاربية والعربية، باعتباره أحد رواد مسرح الهواة والتأسيس المسرحي والاحتراف بالمغرب. ناهيك عما ينبغي من تفكير في طبع ونشر نصوصه وما قدمته فرقة “اللواء المسرحي” وفرقة “مسرح التأسيس” من عشرات المسرحيات، في مجلد خاص لحمايتها من الضياع حتى تكون في متناول الأجيال الجديدة.
ويظهر أنه من اجل هذا وذاك تكريما لمحمد بلهيسي، من المهم تضافر جهود مؤسسات رسمية وهيئات منتخبة محلية وجهوية فضلا عن مكونات جمعوية، لتحويل المنشود إلى واقع تثمينا وانصافا لِما اسهم به الرجل من تدفق وعطاء على مدى عقود من الزمن. فالمجلس الجماعي لمدينة تازة له الصفة والصلاحية القانونية والتنظيمية، لإطلاق اسم محمد بلهيسي في مناسبة من المناسبات، على إما مركز/ مركب ثقافي أو دار ثقافة تابعة أو متحف أو شارع أو ساحة عمومية، تعبيراً منها وعرفانا بالجميل فضلا عن إعطاءها القدوة لما هناك من خلف. مع ما يمكن أن تسهم به الإطارات المهنية والجمعوية من اجل هذا المبتغى، من قبيل النقابة المغربية لمحترفي المسرح واتحاد كتاب المغرب، نظرا لعضوية وقيمة مساهمة الفنان والمخرج المسرحي محمد بلهيسي في هذه المكونات التنظيمية. وعلى مستوى الجمعيات الثقافية النشيطة محليا مثلا، ما يمكن أن يسهم به منتدى فريواطو للسينما والثقافة والإبداع، فرقة مسرح التأسيس، نادي المسرح والسينما، مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث..الخ، من خلال بلورة مقترحات وتنسيق اشغال وأوراق.
ولا شك ان الالتفات الرمزي لشخص هذا بلهيسي التاريخ والذاكرة والسفير المبدع المخرج المسرحي، هو بأبعاد ثقافية وانسانية ووطنية عدة، تتجاوز مجرد احتفاء بشخص ومسار، لتشكل رسالة حضارية بمدينة تازة صوب المشهد المغربي والعربي والمغاربي الفني الثقافي خاصة منه المسرحي. فهذا الالتفات المنشود تقدير لزمن عطاء تطوعي لإسم فنان متفرد، وتكريم واحتفاء بمن صنع مجد مسرح وفرجة محليا وطنيا وعربيا، عندما كان المسرح نضالاً ثقافياً وفكرياً ليس إلا. وهو أيضا وفاء لأحد رواد الحركة الاحتفالية المسرحية على صعيد تازة والمغرب والعالم العربي، وتثمينا وتقديرا واعترافا بدوره في مجال الاخراج والتأليف المسرحي، وقد رسخ لتازة هوية مسرحية منذ ستينات القرن الماضي حتى الآن، وربط عالم الركح بقضايا فكرية وجمالية وإنسانية ووطنية كبرى، ولعل ما ينبغي من سقف اعتبار وتكريم رمزي، هو حضن ومأسسة ذاكرة محلية ووطنية ووعي بتراث لامادي ودعوة لحمايته.
