تازة بريس

جديد البحث الجامعي بالمغرب “التاريخ الأمريكي في ضوء علوم الانسان” ..

-

تازة بريس

عبد السلام انويكًة

حتى لا يكون التاريخ صنفا أدبيا صرفا وتجاوزا لكل سرد حدثي فيه عبر ما ينبغي من جسور انفتاح على باقي العلوم الإنسانية والاجتماعية، هو ما توجه له بالعناية ودعا اليه المؤرخ “جايمس هارفي روبنسون” المؤرخين منذ مطلع القرن الماضي. مع أهمية الإشارة في هذا السياق لما طبع وميز تاريخ العلاقات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية، والذي كان بأثر معبر على المؤرخين والباحثين في هذا المجال من حيث غنى المفاهيم فضلا عن استفادتهم من حقل التاريخ الاجتماعي الجديد. وعليه، ما حصل من اتجاهات وتجارب لديهم كانت فيها المدرسة الواقعية أكثر وقعا.

 بمنحى منهجي اشارات وغيرها استهل بها الأستاذ الباحث في التاريخ  خليل السعداني، تقديما عميقا لمؤلف جديد موسوم ب” التاريخ الأمريكي في ضوء علوم الانسان”، صدر له حديثا عن منشورات المعهد الجامعي للدراسات الافريقية والارومتوسطية والابيروامريكية جامعة محمد الخامس بالرباط، ضمن طبعة أولى بأزيد من مائتي صفحة. مستحضرا فيه ما طبع حقل التاريخ الاجتماعي والثقافي والفكري والديني من تطور منذ ستينيات القرن الماضي، مستفيدا من مقاربات وقضايا حقول معرفية عدة خاصة علم الاجتماع والأنثربولوجيا، مضيفا أنه منذ خمسينيات الفترة المذكورة انفتح الباحثون/ المؤرخون على هذا الصنف من التاريخ من اجل مقاربة شاملة للتاريخ الأمريكي، مشيرا لِما ميز مسار الكتابة التاريخية الأمريكية من علاقة بوضع البلاد الداخلي وسياقات تدافع مجتمعي حقوقي.  ويسجل أنه بقدر مساحة خبرة وتجربة واسهامات الأستاذ السعداني البحثية لسنوات حول قضايا التاريخ الأمريكي، بقدر ما توزع إصداره المذكور “التاريخ الأمريكي في ضوء علوم الانسان”، على قسمين / محورين رئيسيين لمقاربة موضوع التاريخ الأمريكي في ضوء علوم الانسان، الأول منهما عنونه ب” في رحاب الرواية والاقتصاد”، أما الثاتي فقد ارتأى له “في رحاب الانتروبولوجيا والمجال”. ولعل كل هذا وذاك هو ما تم عرضه ومناقشته ضمن ثمان فصول جاءت متكاملة سياقا تاريخيا ونهجا ومادة بحثية علمية، عرض في الأول منها ما يخص صنعة التاريخ ومرتكزاتها وعلاقتها بعلوم الانسان، مستهدفا قراءة ما طبع بعض مستعمرات فرنسا زمن القرن الثامن عشر من وضع اجتماعي (المرأة..) من خلال تحليل جمع بين الماكروتاريخي والميكروتاريخي، معتمدا في أسناده نصوصا ذات صلة (رواية مانو لوسكو لــ”بريفو”..). لمعرفة ما هناك من بنيات اجتماعية واقتصادية رافعة لكتابة تاريخ شمولي، تكتمل فيه صورة جامعة بين ثابت اجتماعي فرنسي وآخر متحول. متوجها بالحديث في الفصل الثاني عن قيمة النص الروائي التوثيقية في كتابة التاريخ (رواية الحرف القرمزي لـلأمريكي” هاوثورن”)، مشيرا الى أن أهمية هذه الوثيقة / الرواية تكمن فيما تسمح به من افادة حول حياة المعمرين اليومية بمدينة بوسطن في غياب وثائق رسمية. هذا قبل أن ينتقل في فصل ثالث لتتبع نشأة ومسار التاريخ الاقتصادي الجديد، لافتا الى أن الأمريكيين كانوا أول من أنشأ كرسي الأستاذية في التاريخ الاقتصادي بجامعة هارفارد أواخر القرن التاسع عشر. وأن من مظاهر ما طبع هذا الحقل المعرفي من تجديد خلال خمسينيات القرن الماضي، استيماد نماذجه ومقارباته من العلوم الاقتصادية (الإحصائيات، ومناهج التكميم، والاقتصاد القياسي..)، ومن ثمة ما حصل من اعتراف دولي بما حققه من ثورة إبستمولوجية في حقل البحث التاريخي. وكان صدى التاريخ الاقتصادي هذا خارج الولايات المتحدة الأمريكية، هو ما تم تناوله في فصل رابع  مع تركيز على ما طبعه من نجاعة وصرامة منهج علمي، فضلا عن بعض ممثليه من قبيل المؤرخ جان هيفر بفرنسا، الذي بقدر ما ظل البعد الإبستمولوجي بحضور قوي في كتاباته التاريخية، بقدر ما كان برأي حول وجود طريقتين لكتابة التاريخ، أولا : المقاربة السردية (بناء تاريخ مرتكز على ما هو كرونولوجي)، ثانيا : المقاربة التحليلية المنفتحة على العلوم الاجتماعية في بحث عن علاقات بين متغيرات، وهو ما يعرف بالتاريخ الإشكالي الذي بخاصيته هذه كان هيفر أحد المؤرخين الفرنسيين القلائل المبدعين في اعتماد مقاربته التحليلية، ولعله التجديد الذي تمثل في كتابيه: “ميناء نيويورك والتجارة الخارجية الأمريكية” و”الولايات المتحدة الأمريكية والمحيط الهادي .. تاريخ مجال حدود”.

وعن القسم الثاني للاصدار حول علاقة التاريخ الأمريكي بالأنثربولوجيا والمجال، ناقش الأستاذ السعداني في فصل خامس مسار الإثنوتاريخ في أمريكا. مشيرا الى أن لحظة نشأته ارتبطت بمواجهة النظرة الكولونيالية وبمبادرة للكونغرس بخصوص مطالب الهنود الترابية، وأن تأثير الإثنوتاريخ – يضيف – انتقل إلى أستراليا ومنطقة الهادي وإفريقيا وتأخر وصوله إلى أوروبا. مخصصا الفصل السادس لما أسماه بالانتقالات الثقافية بين الفرنسيين (الأروبيين) والهنود خلال الفترة الاستعمارية منذ القرن السادس عشر، (رحلات استكشافية، علاقات بمجتمعات في كل القارات، هجرات..)، لافتا الى أن الوضع بأمريكا الشمالية في علاقة بالاستعمار الفرنسي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، طبعته انتقالات ثقافية عدة. هذا قبل عرضه ومناقشته لأسس ومظاهر عصيان الأفروأمريكيين المدني منتصف القرن العشرين ضمن فصل سابع، مخصصا الفصل الثامن من الإصدار للحديث عن تاريخ الولايات المتحدة من خلال مجال الحدود، مستحضرا جملة اعتبارات ذات أهمية لفهم التاريخ الأمريكي، من قبيل الأصول الأروبية لتاريخ البلد فضلا عن عنصر المجال وحركة الهجرة نحو الغرب وكذا مفهوم الحدود ومزالقه. ويرى السعداني في هذا السياق أن مجموع هذه القضايا ذات الصلة بالتاريخ الأمريكي، تمثل مدى أهمية انفتاح المؤرخ واستفادته من تجديدات حقول علوم الانسان، مع البقاء في ارتباط بالقضايا المدروسة وحفظ خصوصية البحث التاريخي.

مؤلف “التاريخ الأمريكي في ضوء علوم الانسان” الصادر حديثا عن المعهد الجامعي للدراسات الافريقية والارومتوسطية والابيروامريكية بالرباط، والذي ارتأينا بمختصر مفيد تقاسم محاوره مع باحثين مهتمين وعموم قراء، انفتاحا وانصاتا وتعريفا بجديد ورش البحث التاريخي الاكاديمي الجامعي المغربي. بقدر ما طبعه من مادة علمية عن مصادر مخطوطة ومطبوعة فضلا عن ببليوغرافيا بأزيد من مائتي مرجع معظمها باللغة الانجليزية، بقدر ما تأسس عليه من زخم ببليوغرافي نوعي رافع سمح بمقاربة موضوع لم يكتب عنه الا القليل لدرجة لا شيء، وعليه ما يسجل له من تفرد مقاربة وسبق إغناء لنصوص البحث التاريخي الجامعي عن العالم الامريكي، فضلا عن قيمته المضافة المرجعية المعبرة لفائدة خزانة المغرب التاريخية. ولعل من جملة ما يمكن التقاطه من إشارات عن كتاب” التاريخ الأمريكي في ضوء علوم الانسان” أهمية انفتاح وتنقيب البحث التاريخي الجامعي عما هو مغمور من قضايا الآخر زمنا ومكانا وانسانا ومشتركا .. وعيا بما يمكن أن يسهم به هذا وذاك على عدة مستويات بما في ذلك إغناء ومواكبة وتجويد الدرس الجامعي، ما جاء ضمن ملاحظة بقدر كبير من الأهمية لأحد رواد زمن الجامعة المغربية الذهبي “الأستاذ عثمان المنصوري”، أشار فيها الى أن البحث ومنه البحث التاريخي ليس فقط قواعد شكلية ينبغي العمل بها والانضباط لها، بل مضامينه أساسا التي تقتضي الجدة والجديد المنشود عوض تدوير معرفة شائعة بترتيب جديد.

يذكر ختاما أن الأستاذ السعداني صاحب الإصدار الجديد ” التاريخ الأمريكي في ضوء علوم الانسان” الذي خصصنا له هذه الورقة المتواضعة، والذي بقدر ما توزعت عليه فصوله من عرض وتناول ومقارنة وتحليل.. بقدر ما تضمن من تجربة خوض شخصية حول الزمن الأمريكي. هو أستاذ للتعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط وأحد المنفتحين الرصينين بحثيا والمختصين المغاربة في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية، فضلا عن كونه مديرا لمختبر التاريخ والمجال والمجتمع والثقافة التابع للمعهد الجامعي للدراسات الافريقية والارومتوسطية والابيروامريكية، وكذا أستاذا زائرا بعدة جامعات أمريكية وفرنسية، مع أهمية الإشارة لما بحوزته من رصيد مؤلفات باللغتين الفرنسية أساسا ثم العربية ناهيك عن عشرات المقالات المحكمة بعدد من المجلات حول المجالات الاجتماعية المهمشة وتاريخ المغرب، التاريخ والسياسة مقاربات وقضايا، التاريخ والمجتمع، الولايات المتحدة في الدراسات الاكاديمية المغربية، صنعة التاريخ بالمغرب، الهوية الهندية الامريكية….، فضلا عن أنه حاصل على جائزة “الفولبرايت” الأمريكية لمرتين، وأن من ورشه البحثي مشروع بقدر كبير من التطلع حول الكتابة التاريخية الامريكية نهجا وتيمة وتراكما وتجارب ومدارس، مع كتاب له في الأفق رفقةالأستاذ احمد شكري عن المستكشف المغربي مصطفى الأزموري.

رئيس مركز ابن بري للدراسات والابحاث وحماية التراث   

إلغاء الاشتراك من التحديثات