أي تعاون وإلتفات لانقاذ وتهيئة “كيفان بلغماري” الأثرية بتازة ؟..

عبد السلام انويكًة
متى تلتفت وزارة الثقافة ومعها الجماعة الترابية لتاريخ وتراث وكنوز تازة المتفردة، من خلال ورش حفريات أثرية يتوجه بعنايته لموقع “كيفان بلغماري” على مستوى الشرفة الشرقية للمدينة العتيقة، من اجل ما ينبغي من تعميق وتدقيق لمعرفة تاريخية وأركيولوجية تخص واحدا من أبرز مواقع تاريخ المغرب وشمال افريقيا القديم حيث ممر تازة، والكشف عن قيمته التاريخية وحمولته الحضارية والإنسانية والتعميرية الأثرية. فضلا عما ينبغي من توثيق منهجي لبقايا الموقع الأثرية الظاهرة على مستوى كل امتداده المركب، وبناء صورة بحثية تاريخية اثرية أكثر دقة حول الموقع وفضاءه المحيط خلال الزمن القديم. بحيث في حال إجراء أبحاث وحفريات جديدة بموقع “كيفان بلغماري”، فلا شك أن ما سيتم بلوغه من نتائج ستكون أكثر عمقا ودقة علمية قد تغير بعض الفرضيات، لكون البحث الأركيولوجي المعاصر يعتمد تكنولوجيات متطورة جداً لم تكن متوفرة للملازم “كومباردو” أو العلماء الفرنسيين بداية القرن العشرين. فأي تعاون ممكن في هذا الاطار بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث التابع لوزارة الثقافة، ومراكز ومعاهد بحث وحفريات متخصصة بدول رائدة في هذا المجال. لاعطاء هذا الموقع الأثري ما يستحق من اعتبار وإبراز، فضلا عن تهيئة رافعة للتنمية الترابية الحضرية للمدينة، وكذا ما يمكن ان يشمل الموقع من استثمارات رافعة لتسويق التراب المحلي وجعله بأفق استجمامي ثقافي وعلمي وحضاري انساني، اسوة بما هو كائن مثلا بمغارة هرقل بطنجة وغيرها.
يذكر أن موقع كيفان بلغماري الأثري بتازة، هو ببصمات حضارة إبيروموروسية عن فترة ما قبل التاريخ تعود لإنسان العصر الحجري الأعلى، فضلا عن كونه واحدا من أغنى مواقع المغرب الأركيولوجية، بل بشمال افريقيا والحوض الغربي للبحر المتوسط. وهذا الموقع الذي بشبكة كهوف متصلة، يعد وعاء أثريا ببقايا متفردة عن زمن ما قبل التاريخ على أساس ما أنجز حوله من حفريات زمن الحماية بالمغرب، وهي البقايا التي يرجعها الباحثون المتخصصون لفترة البلايستوسين الأعلى. ولعل من بقايا هذه الكهوف التي بحاجة لتدقيق معرفي اركيولوجي، ما ورد من حديث حول أدوات حجرية وعظمية ومواقد تعود لفترة ما يعرف بـ”الموستيري” و”الابيرومغربي”، فضلا عن عظام بشرية وأخرى حيوانية تخص الضبع والأسد والحصان والحمار والخنزير والغزال والخروف والجمل والنمر والدب والكروكدن والثعلب والأرنب وغيرها مما انقرض من هذه المنطقة ؟. ولا شك أن “كيفان بلغماري” كانت مسكنا لإنسان زمن ما قبل التاريخ، بناء على شواهد حياة وتفاعل بشري قديم تم العثور عليها. ويسجل ما لكهوف تازة الأثرية القديمة هذه، من علاقة بزمن حضارات أقصى غرب حوض البحر المتوسط الغربي، وبمعالم حياة وحضارة “ابيريوموروسية”، تعني ما تعنيه من انتماء لمجال شبه جزيرة ايبيريا وشمال إفريقيا القديم. هكذا إذن بعض وعاء شبكة “كيفان بلغماري” بمدينة تازة، باعتبارها واحدة من أعظم مواقع حوض البحر المتوسط الأثرية، حيث أولى المعطيات الأركيولوجية حولها تعود لسنة 1917 من خلال ما بلغه الضابط الفرنسي “كومباردو” من تنقيب في المكان. وقد تبنى وفحص وصادق عدد من الخبراء البيئيين الفرنسيين من قبيل “دوميركً” و”بلاري” ثم “لوكواطر”، على ما تم العثور عليه من بقايا أثرية بهذه الكهوف، علما أنه لم تسجل أية أبحاث حول الموقع وجواره لاحقا، لمزيد من الدراسة والتنقيب وفهم ما طبع الحياة البشرية محليا من خصوصية، فضلا عن ابراز أصول الإنسان الذي عاش بمغرب هذه المرتفعات وما هناك من مستويات اركيولوجية بالمدينة / المنطقة.
هكذا باتت شبكة “كيفان بلغماري” الأثرية بتازة بحاجة لحفريات جديدة، لكون جل المعطيات المتوفرة حولها تعود إلى أكثر من قرن مضى، بحيث لم يشهد الموقع منذ ذلك الوقت أي تنقيب علمي بمواصفات حديثة معتمدة تقنيات متطورة. كما أن الحفريات الجديدة قد تحدث ثورة علمية في فهم تاريخ استيطان المغرب القديم، لكون الحفريات الاستعمارية ركزت فقط على جمع اللقى مع طمس معطيات استراتيغرافية دون قصد. ناهيك عما يمكن ان يسهم به استخراج وتجميع الـ DNA من البقايا البشرية المحفوظة، لتحديد الخريطة الجينية لإنسان العصر الحجري الأعلى بتازة وعلاقته بـ “إنسان تافوغالت” وباقي مجموعات حوض البحر المتوسط وإفريقيا. كما أن الحفريات الجديدة عبر مسح الموقع بأشعة الليزر سيمكن من تصميم هندسي ثلاثي الأبعاد لشبكة “كيفان بلغماري” المعقدة، وأن دراسة آثار الخدوش المجهرية على الأدوات الحجرية والعظمية، قد تسمح بمعرفة كيف كان الإنسان يصنع ملابسه وكيف كان يقطع اللحوم ويصطاد الوحيش .. الخ . وعليه، يمكن أن تتغير عدة معطيات وفرضيات حول هذا الموقع، لأن التأطير التاريخي الحالي للمغارة بنُي على استنتاجات تعود لفترة الحماية الفرنسية (1915-1917)، والتي افتقرت للمنهجية العلمية الصارمة. ولعل من الفرضيات التي قد تكون موضوع تغيير، عمر الموقع والفترة الزمنية، القدم والاستقرار البشري، امتداد الحضارة الإبيروموروسية، طبيعة الأنشطة البشرية، العلاقة بالمأوى والصيد وخزن الادوات الحجرية، الطقوس الجنائزية، الرموز الجدارية، تدجين الحيوان والزراعة وغيرها. أما من حيث الفائدة من تهيئة موقع “كيفان بلغماري” ومحيطه ترابيا على تازة العتيقة، فالعملية قد تحول هذا الإرث المهمل إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة بها، بحيث فضلا عن فوائد في جانبها الأركيولوجي، هناك ما هو اقتصادي، سياحي، واجتماعي وترويحي استجمامي. ناهيك مثلا عن تأسيس مركز أبحاث ومتحف خاص بالموقع، من شأنه القيام بشرح وإبراز بعده الأثري للزوار مع عرض اللقى والأدوات الحجرية المكتشفة به إن توفرت، فضلا عن الكتب والصور والاشرطة وغيرها، والتي قد تجعل الموقع قبلة للباحثين الأركيولوجيين من داخل البلاد وخارجها، فضلا عن استقبال رحلات مدرسية ضمن مناخ تعليمي مفتوح يساهم في تعريف الأجيال بتاريخ مدينهم ووطنهم الممتد لآلاف السنين وتنمية الوعي الأثري لذيهم. مع ما يمكن ان يكون لهذه التهيئة المنشودة، على مستوى تحسين المسالك المؤدية للموقع ومحيطه، عبر توفير الإنارة وتجهيز مساحات خضراء وساحات مجاورة، ومرافق خدمات واستجمام مطل على تازة السفلى، ضمن منظر بانورامي لا شك انه سيكون متفردا وطنيا ودوليا، ما سيمكن المدينة من حركة سياحية ومن فرض مكانتها كعاصمة للاستغوار والأركيولوجيا عوض واقع مدينة عبور.. فمتى يتم التفكير في هذا وذاك من الحلم ضمن تعاون بين عدد من الاطراف من قبيل الجماعة الحضرية والمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث فضلا عن مركز بحثي دولي متخصص لبلوغ ما هناك من طموح علمي ترابي محلي.؟؟
نعتقد أنه حان الوقت لإعطاء هذا الموقع الأثري المتفرد بتازة، ما يجب من عناية وتهيئة عوض ما هو عليه من وضع مقزز وحال يرثى له لشدة ما به من مشاهد اهمال وتخريب وطمر وردم ونفايات..، وإن إعادة الاعتبار لشبكة “كيفان بلغماري” الأركيولوجية المتفردة وطنيا وعلى صعيد غرب البحر المتوسط، هو مسؤولية الجميع كل من موقعه لإبراز قيمة هذا الموقع بما يدعم ويخدم تطلع المدينة في التهيئة الشاملة والتنمية الترابية السياحية، وبما ينسجم مع حماية الذاكرة التاريخية المحلية، واستثمار تراث تازة الاركيولوجي الصخري، وفق رؤية ترابية حضرية استشرافية رافعة.
رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث













