تازة بريس
عبد اللطيف جنياح
عرف سوق المواشي خلال الأسبوع الأخير قبيل عيد الأضحى ارتفاعاً حادا في ثمن الأضاحي، ونقصا ملحوظا في الرؤوس المعروضة من هاته الأضاحي بمختلف المدن، كما عرفت بعض الأسواق في بعض المدن اضطرابات تطورت إلى اصطدامات بين البائعين والمشترين استعمل خلالها تبادل العنف والتراشق بالحجارة والذي وثقته الفيديوهات التي تم تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وجاءت هاته الأزمة بعدما سبق للحكومة أن صرحت في شخص رئيسها بتحقيق الاكتفاء الذاتي من قطيع الماشية المزمع عرضه بالأسواق الوطنية، مؤكدة تسجيل ارتفاع غير مسبوق في رؤوس الماشية يصل إلى أربعين مليون رأس، وفي المقابل صرح وزير الفلاحة خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب بتحقيق فائض من الأكباش بثمن يتراوح بين 1000,00 و 1500,00 درهما للرأس، قبل أن يعصف الواقع بهاته الأرقام ويتضح أن الحكومة كانت تسوق الوهم للمواطن الذي اعتقد أن قطيع الماشية قد تكاثر عبر الإجراء الاحترازي بإلغاء ذبح الأضحية خلال السنة الماضية، وتحسن بسبب الآثار الإيجابية للتساقطات المطرية التي عرفتها هاته السنة، علما أن أزمة النقص الحاد في رؤوس الماشية كانت قد برزت خلال السنوات الماضية والتي تعاطت معها الحكومة عبر اللجوء إلى الاستيراد المدعوم بالمال العام الذي استفاد منه الموردون المحظوظون والوسطاء والمضاربون.
إن عدم تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأضاحي وارتفاع أثمانها بشكل لم تطقه الفئات الضعيفة وذات الدخل المحدود فضلا عن نفاذ الأضاحي ببعض الأسواق وعدم تمكن العديد من المواطنين من شراء أضحية العيد، يكشف عن فشل الدولة في بناء استراتيجية وطنية لتحقيق الأمن الغذائي، وتقصيرها في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتوفير الأضاحي بشكل يستجيب للقدرة الشرائية للمواطن وخلق استقرار اقتصادي، باعتبار أن الدولة ملزمة بمقتضى المادة 31 من الدستور بالعمل على تعبئة كل الوسائل لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في التنمية المستدامة، وباعتبار أن الهدف الأساسي من التنمية المستدامة هو تلبية احتياجات المواطنين.
إن أزمة الأضاحي تندرج ضمن أزمة ارتفاع أسعار المنتوجات الفلاحية بالسوق المغربي وهو تعبير عن فشل السياسة الفلاحية التي ارتكزت على المخطط الأخضر المعتمد من سنة 2008 إلى سنة 2020 ، وعلى استراتيجية الجيل الأخضر المعتمدة من سنة 2020 إلى سنة 2030، واللذين يندرجان في إطار الخيار الليبرالي القائم على الإنتاج الزراعي الموجه إلى التصدير وتطوير المجموعات المندمجة أو التكتلات الرأسمالية الكبرى المرتبطة بالفلاحة الكثيفة ذات القيمة المضافة المرتفعة والإنتاجية العالية، المستفيدة من القسط الأكبر من التمويلات والإعانات وفق نظام التحفيز الذي يقدمه صندوق التنمية المحلية، لتحقيق أهداف المخطط الأخضر وتطوير نموذج الفلاحة التجاري والصناعي والتصديري ، مقابل إضعاف الفلاحين الصغار وتهميشهم والذين لم يستفيدوا إلا في حدود ضيقة وبقسط ضئيل جدا في إطار ما يسمى بالفلاحة التضامنية، وفي غياب أي تأهيل للبنية الفلاحية على مستوى الجماعات الترابية التي تفتقر لأدنى الشروط لتأسيس نموذج تنموي فلاحي يستجيب لمتطلبات وحاجيات المواطنين محليا ووطنيا.
ولهذا فإن أزمة الأضاحي التي تفجرت في الأسواق الداخلية بالمغرب، ما هي إلا مظهر من مظاهر فشل السياسة الفلاحية المعتمدة على الخيار النيوليبرالي الذي تنهجه الدولة بتوجيهات وإملاءات المؤسسات المالية العالمية المتمثلة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، التي تعتبر الثالوث المهيمن على الدول والشعوب والتي تعتبر الحكومات والرأساميل المحلية مدخلا لتنزيل مخططات الهيمنة وفرض التبعية لهاته المؤسسات والشركات الكبرى المتحالفة معها، وهو ما يصادر قرار السيادة الغذائية ويهدد الأمن الغذائي للشعوب الفقيرة.
إن أزمة الأضاحي جزء من الأزمة الغذائية المستفحلة في المغرب المتمثلة في ارتفاع كلفة المعيشة، والتي ستزداد تفاقما في المستقبل في ظل النموذج التنموي الفلاحي المعتمد على التصدير وخدمة مصالح الرأسمال المحلي والأجنبي، وفي غياب الإرادة الحقيقية لتحرير القرار الوطني التنموي والفلاحي بشكل يستجيب بالدرجة الأولى لمتطلبات وحاجيات المواطنات والمواطنين، ويقوم على تأهيل وتطوير عموم الفلاحين بالمجموعات الترابية لخلق الثروة الوطنية الفلاحية القادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي قبل فسح المجال لتصدير الفائض تحقيقا للسيادة الغذائية التي تعتبر مدخلا لتحقيق الأمن الغذائي، وضمانا للعيش الكريم لعموم المواطنين في وطنهم الغني بموارده البشرية والطبيعية، فعلى هاته الأرض ما يستحق الحياة كما قال الشاعر الكبير محمود درويش ذات يوم.
منسق الائتلاف المدني التازي
